اتخذ بعض الملوك رجلًا وقربه منه؛ فالتهبت صدر حاقد موتور عليه، وقرر الإطاحة به بأي وسيلة مهما كانت رخيصة. زعم الموتور للملك أن الرجل الذي كرمه الملك ورفع قدره لم يحفظ قدره، وإنه ليشيع في الناس أن الملك أبخر (أي كريه رائحة الفم). ولأن هذا القول لا يليق بالملك ويخالف الحقيقة من الأساس؛ فكان من البديهي أن يغضب الملك؛ فطلب الملك مثول الرجل بين يديه ليسمع منه قبل أن يعاقبه. إمعانًا في سبك الخطة وإحكام الخناق على الرجل؛ فقد دعا الحاقد الرجل الطيب لوليمة تفوح منه رائحة الثوم، وكان ذلك قبيل إشعاره بالدخول على الملك.

عندما علم الرجل أنه مطلوب للمثول بين يدي الملك، شعر بالإحراج من رائحة الثوم؛ فوضع يده على فمه وأنفه وهو يخاطب الملك. نظر الملك إليه نظرة ذات مغزى، وتأكدت ظنونه التي سمعها آنفًا؛ فقرر قتل الرجل عقابًا له على سوء صنيعه. كتب الملك بيده رقعة وسلمها للرجل وقال اذهب بها إلى عاملي فلان. فمضى الرجل وهو لا يدرك ما حاكته الأقدار. وفي هذه اللحظات كان الواشي يتميز من الغيظ؛ فالملك من عادته ألا يكتب بيده إلا خيرًا، وهذا يعني أنه لم يقرر الخلاص من الرجل، وإنما أمر له بجائزة؛ فوثب الواشي على الرجل البريء وقال له: ما قال لك الملك؟ فأجابه الرجل أن الملك أعطاه رقعة وطلب منه إيصالها لبعض عماله، وأنه لا يدري ما الأمر، وعليه أن يطيع الملك. تمكن الواشي من إقناع الرجل تسليمه الرقعة، وأنه سيحرص على إيصالها كما أمر الملك.

بعد أيام دخل الرجل الطيب على الملك، نظر إليه الملك مستنكرًا وصاح فيه بلهجة المستهزئ: أما بلغت الرسالة كما أمرتك! قال الرجل بحسن نية: كنت في الطريق يا مولاي، ولكن أخي علان آثر أن يوصلها؛ فقال الملك وقد أخذته الدهشة: مهلًا! اصدقني الجواب.. لماذا وضعت يدك على وجهك يوم كذا وأنت تكلمني؟ فقال الرجل: لقد دعاني أخي علان لوليمةٍ كانت رائحة الثوم غالبة عليها؛ فكرهت أن تشم راحة الثوم يا مولاي. استغرق الملك في نوبة من التفكير ثم قال للرجل ملاطفًا: ولا يحيق المكر السييء إلا بأهله. لقد أراد بك مكروهًا فوقع فيه، وقد ضربت عنقه جزاء وشايته ووحر صدره.

عندما يغلي الحقد في النفس، فإنه يطمس كل المحاسن، ويضفي على العالم رؤية قاتمة. كان الخليل بن أحمد يقول: إن الدنيا بأسرها لا تسع متباغضين، وإن شبرًا في شبر يسع متحابين، فما بالك بمن تغلي مراجل الحقد في صدره! يشعر الحاقد بألسنة اللهب تحرق خلايا صدره، وتمتد منها إلى حنايا جسمه؛ ليهوي صريع حقده البغيض، وقد جنى على نفسه بيده.

الشعور بالأمان النفسي والطمأنينة لديه لا وجود له، وحزمت السكينة حقائبها وتركته لهواجسه المريضة، فلا يقر له قرار ولا يهدأ له جانب. بعد فوات الأوان قد يدرك شناعة جرمه، وهذا يرمي به في دوامة من تأنيب الضمير، ويذرف دموع الأسى والأسف في الوقت الضائع. التاريخ يحمل لنا الكثير من عواقب هؤلاء؛ فإما أن ينقلب السحر على الساحر، وإما أن ينجي الله الناس من كيد الكائدين وحقد الموتورين، وفي الحالة الأخيرة قد يراجع الحقود نفسه ويتوب، أو يمضي سادرًا في غيه لا يرعوي عنه، وعندها تكون خسارته فادحة تناسب ما اقترفه. فالسعاية قبيحة ولو كانت نصيحة، حتى وإن قيلت للنصح؛ فالخسران فيها أكثر من الربح، والله تعالى للصالح والطالح بالمرصاد.

لن يعدم المرء قادحًا له مهما ارتفعت مكانته؛ فلتتعامل مع الأمر على أنه واقع، ولتجتهد أن تعمل ما يرتقي بك، ولا تلتفت لمن يريدون لك السقوط والفشل؛ فنجاحك أكبر ردٍّ عليهم وهذا يكفيك. ليس بإمكانك انتزاع وحر صدورهم، ولكن باستطاعتك أن تمضي في طريقك، واتركهم وشأنهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد