نشاهد منذ أسابيع حلقات مسلسل إفشال محاولة الانقلاب العسكري في تركيا، وكلّنا سعادة بنجاح الشعب التركي في الحفاظ على الديمقراطيّة ومدنيّة الدولة. مسلسل آخِرُ حلقاته كان ذلك الاحتفال المليوني الذي شهدته إسطنبول يوم الأحد 7 أوت/ أغسطس. احتفال حضره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الحكومة، وأحزاب المعارضة، ومجموعة من الفنانين، وأعداد غفيرة من أبناء الشعب.

رغم فرحي وأنا أشاهد انتصار الدولة التركية، والغبطة التي ملأت وجوه كلّ الحاضرين، ووحدة الصفّ التي امتاز بها الأتراك في الآونة الأخيرة، إلّا أنّ شعورًا بالحزن والغيرة قد أصابني حين تذّكرت حال وطني.

فتركيا، شعبًا وحكومة، نجحت في التصدّي لانقلاب تنظيمٍ مسنودٍ من كبار الدّول، تنظيم له فروع ومدارس في مختلف البلدان، يضمّ آلاف القضاة والجنود والأساتذة والإعلاميين، تنظيم مسلّح بالرشاشات والدبابات وطائرات الهليكوبتر. أمّا وطني، شعبًا وحكومة، فيقف عاجزًا أمام مجرّد أمنيّ معزول، يطيح بالقضاة، ويقيل الوزراء، يسجن من يشاء، ويطلق سراح من يشاء، يلقي التهم جزافًا، يظهر تارة في ثوب محلّل سياسي، وتارةً أخرى كخبير أمنيّ، يهدّد ويتوعّد، يبتزّ ويستفزّ غير عابئ بقانون ولا عدالة، فهو يعرف أنّ وطني ليس كتركيا، فكيف لا أشعر بالغيرة؟

كيف لي ألّا أشعر بالغيرة حين يعلن وزير العمل والضمان الاجتماعي التركي، «سليمان صويلو» تخصيص تعويضات ورواتب شهرية ووظائف لجرحى محاولة الانقلاب الفاشلة، وعائلات شهدائها، في حين أن وطني ما يزال بعد خمس سنوات يبحث عن تحديد القائمة النهائية لشهداء أولى ثورات الربيع العربي؟

كيف لي ألّا أحسد الأتراك حين أشاهد كمال كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر حزب معارض في تركيا، حاضرًا على منصّة تجمّع الديمقراطية والشهداء؟

فخلال محاولة الانقلاب صرّح هذا الأخير بأن المجتمع يجب أن يبدي رد فعل موحّد ضد أي محاولة انقلاب، قائلًا: «سنحمي جمهوريتنا وديمقراطيتنا، ونحافظ على التزامنا بالإرادة الحرة لمواطنينا.. مهما يكن ومن قبل أيًّا كان يجب أن نقف موقفًا مشتركًا ضد الانقلاب».

في حين أن معارضي وطني اتّحدوا صفًّا واحدًا، فساندوا انقلاب الدّبابات على إرادة الشعب، وهلّلوا فرحًا بعزل أوّل رئيس مدنيّ منتخب.

في وطني قال المعارض الأول بصوته المرتعش إنّ القوات المسلحة قد استجابت لمطالب الشعب، وقال المعارض الثاني إنّه ليس بحاجة إلى دعم من يعتبر أنّ 30 يونيو انقلابًا، وقال المعارض الثالث إن ما حصل «نصف ثورة ونصف انقلاب»، أمّا المعارض الرابع فقال: «لو ما عجبناش الانقلاب، ميدان التحرير موجود». ميدان التحرير ما زال موجودًا فعلًا، لكنه على عكس ميدان «يني كابي» كان خاليًا من أيّ تظاهرة أو تجمّع، حتّى يوم 6 أبريل كان الميدان خاليًا، فكيف لي ألّا أغبط الأتراك؟

كيف لي ألّا أغبط تركيا وأنا أشاهد جلّ فنّانيها من موسيقيين وممثّلين، يقفون في إسطنبول جنبًا إلى جنب مع شعبهم في وجه الانقلابيين؟ فإضافة إلى مواقفهم المناوئة لما أقدمت عليه جماعة «فتح الله كولن» يوم 15 يوليو 2016، شارك العديد منهم في تجمّع «الديمقراطية والشهداء»، أبرزهم «كنعان أميرزار أوغلو»، و«ويلماز أردوغان»، و«قيوانج تاتليتوغ».

أمّا المحسوبون على الوسط الفنّي في بلدي فهم في وادٍ ونحن الشعب في وادٍ آخر، نحن نعيش حياة «غوّار الطوشة»، نموت كلّ يوم، وهم يعيشون حياة «دريد لحّام» فيباركون قتلنا كلّ يوم.

حتّى أنّ إحدى الممثّلات أعلنت أنّ سبب وقوفها إلى جانب مُرسلِ البراميل المتفجرة هو دعمه للفنّانين، ولنذهب نحن إلى الجحيم، جحيم قنابل الفسفور. وأخرى مغنّية، أهدت قاتلنا أغنية تقول: «لو ينطق تراب البلد يقول بشّار الأسد»، وآخر، عُرِفَ ببحّة صوته تهكّم وتباهى أمام أطفالنا بمائدته المليئة بالطعام حين كانوا يموتون جوعًا.

فكيف لي، بعد كلّ هذا وأكثر، أن لا أشعر بالحزن وأنا أشاهد مليونيّة الديمقراطية والشّهداء؟ فلتحتفل تركيا، هنيئًا لها بشعب شجاع، ووسط فنّي واعٍ، ومعارضة وطنيّة، ولنتألّم نحن العرب في صمت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد