نحن نعيش اليوم في عالم من الفوضى المنظمة من أعلى، تقوم فيه أقلية مالكة لرأس المال بالتحكم في مصير الكوكب كله، القانون الحاكم لهذه الأقلية هو ما يعرف بقانون العرض والطلب والمنافسة، صنمها الكاذب هو السوق الحر، والمحرك الرئيس لها هو السعي لتحقيق الأرباح ومراكمة رأس المال بشكل مهول وغير عقلاني وبدون قيود، نظام فوضوي ما يحكمه هو تحقيق الأرباح، وليس الفائدة للمجتمع ككل.

ونتيجة لهذا، تستثمر هذه الأقلية أموالها في القطاعات الأكثر ربحية، وليس القطاعات التي يحتاجها المجتمع، وعندما يحقق رأسمالي ما ربحًا في قطاع معين يدفع هذا الربح غيره من الرأسماليين إلى الاستثمار في نفس القطاع؛ مما يتسبب في تكالب وتزاحم شديد على هذا القطاع، وبالتالي تزايد العرض به عن الطلب، وكلما ازداد حجم الاستثمار في أدوات الإنتاج (العمل الميت) كلما تناقص الحجم النسبي لمصدر الربح الحقيقي، وهو قوة العمل (العمل الحي) التي يتم استغلالها، وهو ما يؤدي على المدى المتوسط والطويل إلي ميل معدل الربح للانخفاض، وبالتالي حدوث الأزمات الاقتصادية الكبرى.

وفي السياق نفسه، ولأن مصدر الربح هو فائض القيمة المنهوب من العمال بالأساس، فإنه في ظل هذه المنافسة تضغط هذه الأقلية المدعومة من الدولة على العمال، لتقليل أجورهم أو تكثيف استغلالهم ورفع مقدار ساعات عملهم، فتتناقص القدرة الشرائية داخل المجتمع نتيجة لهذا، فبعد هذا التقليص المستمر لن يكون لدى العمال أموال لشراء السلع أو وقت للتسوق، ليس هذا فقط ولكن أيضًا مع حدوث الركود الاقتصادي تتخلص هذه الأقلية من الكثير من العمال بفصلهم وتسريحهم لتخفيض النفقات؛ مما ينعكس أكثر وأكثر في المزيد من السقوط في هوة ضعف القدرة الشرائية، وبالتالي تزايد الكساد وركود البضائع؛ مما يؤدي إلى الصورة الشهيرة التي يجد فيها الفقراء البضائع معروضة في الفاترينات، وليس في جيوبهم ما يكفي لشرائها.

مع اشتداد حدة الأزمة، تلجأ الشركات إلى الدولة التى كانت تدعمهم سابقًا في الضغط على حقوق العمال لديها، لتتدخل اليوم من أجل ضخ أموال في السوق، سواء للشركات أو الأفراد، عبر تقليل سعر الفائدة ومنح القروض الميسرة لتحريك السوق، وهذا بالطبع يكون عبر البنوك وطباعة العملة على حساب القيمة الحقيقية لها، وربما سداد هذه الديون فيما يعرف بالتأميم الرأسمالي للشركات، كما فعلت أمريكا لحل أزمة 2008، وتستخدم فيه الدولة أموال الفقراء التي تستقطع من مصاريف الخدمات الصحية والتعليمية والتأمين الاجتماعي، وللعجب أن تستخدم هذه الأموال المستقطعة في دعم الرأسماليين وإنقاذهم أو إنقاذ بعضهم من السقوط.

كما تدعم الدولة شركاتها أيضًا بالوقوف في صفها ضد شركات أخرى منافسة لها في نفس القطاع في حروب تجارية، مثل الصراع الأمريكي الصيني اليوم، وقد يصل الأمر إلى حروب عالمية أو إقليمية، وأقرب نماذج لهذا الحرب العالمية الأولى والثانية، وهذه الحروب أيضًا لها تأثير آخر مهم في تعافي النظام المأزوم عبر تنشيط تجارة السلاح، أولًا لضخ أموال في النظام تنقذه من الركود، وثانيًا بضرب العمال ببعضهم البعض، ودفعهم لخوض معارك ضد نظرائهم لتصرفهم عن الصراع الطبقي داخل بلدانهم وشركاتهم، وثالثًا لأن السلاح هو البضاعة الوحيدة التي لا تنتج سلعة أخرى سوى الخراب والهدم الذي تستخدمه بعد ذلك الشركات في الاستثمار وإعادة البناء والإعمار، كما رأينا في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية والعراق بعد حرب الخليج.

كما أن للأزمة تأثيرًا آخر كبير على إعادة تشكيل هذه الأقلية وإقصاء قطاعات منها، فيما يعرف بمركزة وتمركز رأس المال، بخروج شركات من السوق أو اندماجها معًا في كيانات أكبر، فالرأسماليون داخل النظام أشبه بمن يلعبون لعبة الكراسي الموسيقية التي يكون فيها عدد المقاعد دائمًا أقل من عدد اللاعبين.

إن هذه الفوضى التي تم طرحها بشكل سريع ومبسط في السابق تؤدي بالرأسمالية للوقوع في أزمات دورية من فيض الإنتاج، ثم الركود والإفلاس، هذه الأزمات هي سمة أساسية للنظام الرأسمالي عبر تاريخه.

وما انتشار الأوبئة وعدم الجاهزية لمواجهتها من قبل الأنظمة الصحية للدول إلا أحد النتائج المترتبة على هذه السياسات، فانتشار الوباء ناتج بالأساس عن سياسات التقشف والإفقار وخفض الإنفاق على الصحة والتعليم والتي تصاحب كل الأزمات المالية كما قلنا في السابق، فبدلًا عن أن يتكاتف سكان العالم من أجل تسريع عجلة التطور العلمي لمواجهة المخاطر والكوارث التي توجهه وستواجهه في المستقبل، ينشغل النظام بالإنفاق على إنقاذ أقلية من الأزمة المالية على حساب الأغلبية المطلقة من سكان الكوكب.

ليس هذا فقط، بل إن ما سيهتمون به وقت انتشار الوباء هو تأثيرات هذا الوباء على الاقتصاد وفقط، فتجد الحوارات داخل أنديتهم تتكلم عن التباطؤ والركود وخروج شركات من السوق، كما أن ترتيب أولويات النظام العالمي نفسه لن تكون على حسب خطورة الوباء على البشر بقدر ما سيكون بمدى ما يحدثه من ضرر على الاقتصاد، بل الملاحظ دائمًا هو النشاط الاستثماري لقطاعات من هذه الأقلية الرأسمالية في مثل هذه الأوبئة والأزمات لتحقيق الأرباح، ويجب التنويه هنا إلى أن انتشار الأوبئة والكوارث بقدر ما هي نتاج لهذا النظام، بقدر ما قد تكون في لحظة ما أحد أسباب انفجار الأزمات المتراكمة داخله كما نشاهد اليوم مع فيروس «كورونا» الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد