من تأملات الوباء، على الرغم مما يظنه المرء في نفسه من ثقافة وعلم، ومع كل احتياطاته؛ فهو رهين، ومتوسل، وأسير للآخرين، وخلاصه جماعي للأسف، ولو أحسن في كل شيء، ففي كل بلاء يمنح الله بطولة لمجهول لا تتوسم فيه شيئًا أبدًا وقت الرخاء.

في كوريا الجنوبية هناك حالة شهيرة لامرأة أصيبت، وتجاهلت الأمر كفاية للذهاب للكنيسة، وللعشاء مع صديق، ولمُخالطة عشرات، في النهاية بتتبع الأمر تبين أنها نقلت العدوى لما يُقارب 1170 شخصًا. مُخيفة فكرة أن ألف شخص قد يفعلون الصواب، وعشوائية شخص واحد كفيلة بإهلاكهم.

نفس الخاطرة تجول في السياسة، وهي ما جعلت «أفلاطون» يُعادي الديمقراطية، إن خلاص المرء برجاحة عقله لا تكفي، وإن صوتك يوازي صوت رجل جاهل، أو أفّاق، أو إمعة، كلنا ننتهي لصندوق انتخابي واحد، فتجد مُستقبل وطنك أحيانًا تحت رحمة رجل لا تأتمنه على حذاء في مسجد، وآخر لا يفقه حروف الكتابة، وكل ما يطمع به وجبة انتخابية.

سُنة الله أن خلاص المرء في الآخرة فردي تمامًا، رهين نيته، وعالمه الجواني، لا تشفع فيه وساطة {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}.

وسُنة الله كذلك أن كل خلاص دنيوي لا يتم إلا بالآخرين، لابد للعارف من تزكية من حوله؛ لأنه مُفتقر وفي دائرة ستدور، سيصير رهينًا لسلوك خارجه تمامًا، سيصير مصيره بيد الآخرين.

لا يجبر رُعب فكرة أن مصيرك الآن بيد آلاف مجهولة لك، وأنت مجهول لها، تتباين رجاحة العقل، وسعة الروح، وتوجه القلب فيهم، سوى نية خفية؛ أن كل تزكية يُمارسها المرء للآخر، وكل مُساعدة تبذُلها للغير هي إنقاذ لك بالأساس، إيداع في رصيد مؤجل وخفيّ.

بمُختصر عَذب «الْبِرُّ لا يبلى» يكشف فقط البلاء جُزء من السلسلة الخفية التي تربط الجميع بالجميع، يُبشر كل نبي في أول تواصل له مع ربه أنه مُختار، وأنه ناج، وتصير بقية قصته في الدنيا هي خلاصه مع الآخرين، سلسلته الخفية المربوطة بهم، فيهلك نبي بيد قومه، ويفر آخر بهم، ويسود آخر معهم، كل الأنبياء في مقام أمين في الآخرة، وهذا من مُبتدأ قصتهم، أما في الدنيا فقصتهم هي قصة الآخرين في حكايتهم.

تؤرقني خاطرة تواصل «إبراهيم، وموسى،ومحمد» مع الرب، القُرب المُبالغ من الحضرة الربانية، ثم الردة بعنف للأرض؛ لأقوامهم، والعودة من خطاب السماء للأرض، ومُقاربة لقاء الألوهية بالألفاظ، والمنطق، والإقناع لعقول وأفئدة مُلتصقة للغاية بقناعات الأوّلين، الخلاص الجماعي هو خبر سيئ لفرد ينشد العزلة، ويملك من الأُنس فيها أضعاف ما يملكه مع الجموع، لكنه يحفظ في الذاكرة ضمن وعود النجاة للمرء بعد بلاء مثل ذاك، ألا يكره الجموع على صعوبة ومشقة الأمر، أن يعود ويجمع ألواح معرفته كما جمعها موسى بعدما انفجر وألقاها مُتوعدًا أخاه، وقومه لعبادتهم العجل، أن يستثمر مما يُحسن في الغير، تلك وصفة سلسة لتعتاد السلسلة الرابطة لك مع الكل، لو شددتها يؤلمك ساعدك، ولو تحسستها وتتبعتها للنفوس بالمُساعدة، فتلك أفضل طريقة لمُعايشة القيد.

في كل بلاء يمنح الله بُطولة لمجهول، لا تتوسم فيه شيئًا أبدًا وقت الرخاء، ثري يملك سيارة فارهة يبدو لك غير عابئ بالمُعدمين، يُسخر سيارته وقت العاصفة لجر المُعطل، وغوث العالقين، عامل بسيط في السكك الحديدية يُسخر في التو، واللحظة لافتداء عشرة، ونجدتهم من حريق، صبية مُراهقون لا تخلو قائمة أغانيهم المُفضلة من كل ما تكرهه، وتصمه بالمُبتذل، رأيتهم وقت العُسرة يُطعموا المُشردين، ويخلقون صف أحجار في الماء الآسن لعبور العجزة، ومُمرض عابر في مشفى مُتهالك يُسامر ويخفف عن معزولين في انتظار براء أو هلاك، لا يملك سوى مُجالسة تخفف ثقل اليوم والليلة.

لا يتعلق البلاء بإعادة تشكيل العالم بما يتفق مع منظورك له، لا يتعلق البلاء بترتيب إلهي تُشكله لصالحك، به يُعاقب الله من تكره، وبه يذل الله من تخشى، البلاء لا يُوظف دنيويًّا لخدمة رؤيتك للعالم، وإلا ستُفاجئك الحوادث التالية بما يُناقض تصورك الذي احتفيت به، فتحتار أكثر في مُراد الرب منا، لا يملك المرء استنطاق صاحب الصورة الكاملة، وهو ابن لقطة فيها، سجين إدراكها وحوافها، إنما يملك أن يُسائل قلبه عن واجب اللحظة، وأن يفر من مجالس تدبير المشيئة وتوظيفها، لمدارات حركة وفعل، وإن كانت بغوث جارك، هو فعل أكثر واقعية ونُبلًا من سرد طويل لا يُثمر.

يهمس «ابن عطاء» في «وُرُود الفَاقَاتِ أَعيَادُ المُرِيدِين»، أي ورود البلاء والفاقة لمن يُريد الله عيدًا؛ إذ به يتحسس المُريد قلبه، ويُدلل بالفعل على كل دعوة اعتنقها في الرخاء، تمر العاصفة، ويزول كل ما كان، سواء حضرنا بعدها بعافية، أو كنا مع ما زال، ولا يزول عمل صالح تودد به المرء في بلاء، عرف به جنس روحه، وأثمر لأحدهم ظلًا في نهار قائظ، ومر، عمل صالح وفعل مُساعدة مُبرأ من الرياء يُخرج به الرب أرواحًا بيننا من مجهوليتها لبطولة تُعيد ليائس إيمانه بالجدوى، والرب، والعالم، تصير الفاقة أعيادًا لهم؛ إذ فيها أدرك القلب وجهته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

البلاء, الوباء
عرض التعليقات
تحميل المزيد