لقد عرضنا في الجزء الأول الآيات التسع التي أُرسلت إلى فرعون وقومه؛ إذ قُسِّمت إلى أربع مراحل رئيسية، فقد بدأت بآيتي العصا واليد التي تمثل مرحلة إقامة الحجة والبرهان لفرعون وملأه على صدق نبوة موسى، عليه السلام، ثم آية الأخذ بالسنين ونقص الثمرات، وهي مرحلة الأزمات الاقتصادية وضيق المعيشة، ثم مرحلة الأزمات البيئية التي تشمل آيات الطوفان الجراد والقُمَّل والضفادع والدم، ثم آية الرِّجز، وهي مرحلة تفشي الأوبئة التي كانت أشدها تأثيرًا. كما سنكمل الحديث في هذا المقال عن آخر مرحلة بالإضافة إلى الدروس والعبر مما يساعد على فهم الحاضر.

5. مرحلة الاستبدال الحضاري

ثم تأتي عاقبة التكذيب بآيات الله {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ ﴿١٣٦﴾}، فحين لحق فرعون وجنوده بني إسرائيل يُريد منعهم من الخروج من مصر، نجاهم الله بانشقاق اليم بعدما ضرب موسى البحر بالعصا؛ لما تمثله من رمزية كما بينا في المنشور السابق، وغرق فرعون فكانت نهاية حكمه بعدما أغرق البلاد في حالة من الفوضى والخراب.

وهو ما يوافق ما ذكرته بردية «أيبوير» أن الملك قد فُقد في ظروف غير مسبوقة من قبل مجموعة من الفقراء (صفحه 7 سطر 1 و2)، حيث نلاحظ أن الآيات أشارت إلى غرق فرعون وجنوده جميعًا، مما يعني غياب أي شهود عيان من قبل قوم فرعون ليروي تفاصيل نهايته {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}.

فما أصاب الظالمين من انتقام وعقاب كان بسبب غفلتهم عن كل علامات الإنذار وإشارات التحذير التي أُرسلت إليهم، وهو تعطيل وسائل الإدراك وعدم التبصُّر بالعواقب {لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ}.

فرعون ونظام حكمه

في ضوء ما تقدم يمكن تحديد شخصية فرعون التي توافق أشهر حكام «الهكسوس» الذي كان له عدة ألقاب ملكية تفخيمية، والذي عُرف في النصوص اليونانية بلقب «أبوفيس»، أيضًا حمل ألقابًل دينية فيها اسم «رع»، في حين كان «رع» لا تنفذ له إرادة إلهية خلال عصر «الهكسوس» كما هو مسجل على جدران معبد «حتشبسوت»، الذي أشرنا إليه في المقال السابق، فالعبرة بالأعمال وليس بالألقاب أو الأقوال.

أيضًا نجد لقب «أبوفيس» له مكانة مهمة في الذاكرة الدينية في مصر القديمة مثل وصفه في كتاب البوابات، وكتاب الآخرة أنه يمثل رمز الظلام والفوضى وأنه تحدى الإله «رع» (اختصار لفظ الراعي مرادفًا لكلمة الرب حيث إن الكتابة المصریة لیست بها حروف حركة)، وظهوره مقترن بالساعة الأكثر ظلمة، وهي الساعة التي تسبق شروق الشمس وهو ما سيتضح رمزيته في نهاية تلك المرحلة. في حين جرى تصوير قصته في الترجمات لما يشبه صراع الآلهة في الأساطير الإغريقية القديمة، فديانة المصريين القدماء بعيدة كل البعد عن مفهوم تعدد الآلهة فقد كانوا اتباع رسالات سماوية. أما بخصوص اسم فرعون فلهذا الموضوع بحث آخر لا يتسع له المقام.

واستمر حكم «أبوفيس» واحدًا وستين عامًا بحسب المؤرخ «يوسفيوس» الذي بدأ بفترة من الازدهار والاستقرار، ثم بدأ النضال ضد حكمه في مصر العليا تحت قيادة حُكام طيبة، مما أدى إلى طرد «الهكسوس» بعد وفاته في عهد خليفته على العرش الملك «خامودي»، وهو آخر ملك من ملوك الأسرة الخامسة عشرة، والذي يُقدر أن حكمه استمر حوالي أحد عشر عامًا.

لقد عانى المصريون من حكم «الهكسوس» كما ورد عن المؤرخ «مانيتون» من أنهم أحرقوا المدن وهدموا المعابد وعاملوا المواطنين بقسوة، فذبحوا بعضهم، وأخذوا نساء وأطفال البعض الآخر ليكونوا بمثابة إماء وعبيدًا لهم. أيضًا نجد أن الآيات أشارت إلى منطق السفهاء من الناس في اتباعهم {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ}، التي تعبر عن ثقافة العبيد وهي الأجيال التي تربت على الخضوع والذل والهوان.

كوارث طبيعية

ثم انفجر بركان ثيرا في جزيرة سانتوريني اليونانية الذي يعد من أقوى الثورات في التاريخ المسجل، ويقدر حدوثه ما بين 1603 – 1646 ق. م. وفقًا لتحليل الكربون المشع [1]، مما تسبب في القضاء على الحضارة المينوية في جزيرة كريت التي تمثل إحدى الحضارات العظيمة في ذلك الوقت وأُولى الحضارات التي ظهرت في أوروبا. وما سببه من تسونامي هائل اجتاح السواحل الشمالية لمصر وأجزاء كبيرة من حوض البحر المتوسط.

وأطلق البركان غيمة ضخمة من الرماد والدخان محملة بغازات ثاني أكسيد الكبريت السامة التي غطت آلاف الكيلومترات حتى وصلت شمال أفريقيا وآسيا، وهو ما يوافق وصف الطور في قصة بني إسرائيل بعد أحداث العبور {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ} فالطور في اللغة يدل على «الامتداد في شيءٍ من مكانٍ أو زمان» (ابن فارس، مقاييس اللغة)، فيبدو أن هذه الغيمة امتدت حتى مكان وجودهم، ومن تبعاته انتشار الظلام الذي حل بسبب الدخان كما وُرد في التوراة.

وهو ما أدى إلى تغيرات مناخية عنيفة كما جاء وصفه في لوحة العاصفة Tempest Stele من عواصف مطيرة مدمرة والتي تؤرخ إلى عصر أحمس الأول الذي كان يحكم جنوب مصر آخر عهد الهكسوس، فيمكن أن يؤدي النشاط البركاني إلى عواصف رعدية بركانية مثلما أثار بركان كراكاتاو في إندونيسيا عواصف رعدية استمرت لمدة ستة أيام [2]، والتي يمكن أن تُفسر دلالة الرجز من السماء على بني إسرائيل {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}، فالرجز في اللغة يدل على اضطراب كما أشرنا في الجزء الأول مما يعني حدوث اضطرابات وتقلبات في حالة الطقس المعتادة.

وكان للبركان آثار بيئية خطيرة على المنطقة والعالم كله واستمر تأثيره لمدة سبع سنوات؛ مما أدى إلى تغيير المشهد السياسي للعالم القديم.

وقد كشف ديفيد شلون من المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاغو في مجلة دراسات الشرق الأدنى JNES عام 2014 [3] أن ثوران بركان سانتوريني وتسونامي الناتج منه أدى إلى تدمير موانئ «الهكسوس» وإضعاف قوتهم البحرية، ومن ثم ساعدت تبعاته على انتصار أهل طيبة على «الهكسوس»، وهو ما يُفسِّر الدمار والخراب الذي أصاب مدن فرعون وقومه وآثارهم؛ مما أدى إلى سقوط نظام حكمه {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ}. وفي النهاية عودة السلطة لأهل مصر وإعادة النظام والاستقرار إلى البلاد.

التحرير وعصر النهضة

إن تحرير البلاد من نكبة «الهكسوس» بعد مواجهات ومعارك حربية طاحنة كان بمثابة نقطة تحول فى تاريخ الحضارة المصرية القديمة، وبدأ عصر النهضة الثاني الذي كان بداية الشروق للإمبراطورية المصرية {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا}، فأولئك القوم جرت الإشارة إليهم في موضع آخر {كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ ﴿٢٥﴾ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿٢٦﴾ وَنَعْمَةٍ كَانُوا۟ فِيهَا فَـٰكِهِينَ ﴿٢٧﴾ كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ}.

لذلك بعث الله موسى بهدف إنهاء طغيان فرعون والتمكين للمستضعفين {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَحْذَرُونَ}، فهذه المرحلة هي محل العبرة من القصة وهي عملية استبدال قوم بقوم آخرين {وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم}. وقد بلغت أقصى حدود للدولة الحديثة في عصر الملك «رمسيس» الثاني وهو أعظم ملوك مصر والعالم القديم، والذي يُنسب له شخصية فرعون بدون أي قرينة؛ حيث إن عهده لم يواجه فيه أزمات أو أوبئة كما ورد بالكتب السماوية، في حين جرى رفض بردية «أيبوير» بوصفها دليلًا على أحداث الخروج تحت دعوى أنها أعمال دعائية ملكية ضاربين كل القرائن المذكورة فيها بعرض الحائط.

الدروس والعبر

لقد حاولنا إسقاط النص على الواقع، وقمنا بدراسة محل الخطاب من خلال عملية استرجاع للأحداث التاريخية للتعرف إلى طبيعة الظواهر المتعلقة بالآيات البينات، وتفسيرها وفق السنن والقوانين العلمية في ضوء الزمان والمكان التي حدثت فيه مما أعطى تجسيدًا حيًّا للأحداث، وإلا لانتفت العبرة من تلك الآيات لكونها خوارق غير طبيعية لا يمكن القياس عليها، كما بيَّن تداخل وتفاعل الظواهر الطبيعية، فبعض الظواهر نشأت في وجود ظواهر أخرى مثل ظواهر التدهور البيئي في ظل ظاهرة الجفاف، وبعضها كانت سبب ظواهر أخرى مثل ظاهرتي الطوفان والجراد.

نلاحظ تطور شدة الآيات التي أُرسلت إلى فرعون وقومه بشكل تصاعدي، فكل آية تكون أكبر من سابقتها من حيث قوة التأثير بغاية تخويفهم لعلهم يرجعون عن مواقفهم {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٤٦﴾ فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَـٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ﴿٤٧﴾ وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

أيضًا ما يدعو للتأمل هو تفاعل فرعون وملأه مع تلك الآيات فقد كانوا يضحكون منها، فالفعل المضارع يفيد الاستمرار والدوام أي إن من عاداتهم حمل الأقوال والأفعال على الهزل والاستخفاف، لا على الجد والحقيقة، وبالاستهزاء يكون التكذيب. فأخلاق المكذبين عند الابتلاء والمصائب تكون بالاستخفاف والاستهزاء.

إنما وقوع العذاب والمحن على عامة الناس يكون بالتبع لفرعون وملأه، لأنهم كانوا متخاذلين فاستحقوا العقوبة جزاء جبنهم وسكوتهم {وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّـهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}، فمعنى الفتنة يرجع إلى اختلاف الآراء فلم يكونوا تحت كلمة واحدة في الاستجابة لمحاربة وإزالة الظلم. لذلك إذا ظهر الظلم ولم يُغير، فإن العقاب يصيب الظالم والمظلوم أي يعم الجميع.

إن الإرادة الإلهية اقتضت ثبات النواميس الكونية في كل زمان ومكان، فمن حكمته سبحانه أن يسير الكون وفق سنن منضبطة وأسباب مطَّردة لا تقبل التبديل أو التحويل {سُنَّةَ ٱللَّـهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّـهِ تَبْدِيلًاُ}، وقضاء الله ينفذ في الكون من خلال هذه السنن، وفعله يجري في هذه الأسباب. ومع التقدم العلمي والتقني استطاع العلماء اكتشاف القوانين الرياضية الحاكمة للكون؛ مما ساعد على تفسير العديد من الظواهر الطبيعية من خلال علوم الفيزياء المختلفة. كذلك بالنسبة إلى السنن الاجتماعية التي تحكم الإنسان سواء على المستوى الفردي أو الجماعي وعلاقته بهذا الكون، والنظر في تاريخ الأمم وأحوال المجتمعات الإنسانية تُفسر عوامل قيام الدول وسقوطها، ونهوض الحضارات وانهيارها مثل سنة الاستبدال الحضاري، وهي التي تقدمها أبحاث علم الاجتماع.

لذلك الأصل أن ما يصيب الناس من مصائب وأزمات إنما هو جزاء سوء أعمالهم {وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ ﴿٣٠﴾ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّـهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ}، مثل الإفساد في الأرض من تلوث مما يؤدي إلى خلل في النظام البيئي، غير أن الله سبحانه يعفو عن كثير حتى لا يصل إلى عواقب وخيمة قد تهدد الحياة على الأرض، أي ترك استحقاق العقوبة من خلال إصلاح ما جرى إفساده {وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا}. وذلك لأن القاعدة العامة تؤكِّد أن النتائج التي يراها الإنسان في دنياه قبل أُخراه إنما هي ثمرة ما عمل وقدم {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ}، فالجزاء من جنس العمل.

بعد استقراء تطور الآيات البينات في قصة الرسول مع فرعون، ومن ثم استخلاص العبر والسنن التي يمكن أن تحكم حركة التاريخ {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}، فإذا فرضنا أن المراحل الخمسة التي أشرنا إليها تعبر عن نمط متكرر في الماضي متعلق بوجود الأسباب وتوافر الشروط من سنن اجتماعية مرتبطة بالقوانين الطبيعية مما يساعد على استيعاب الحاضر واستشراف المستقبل.

قراءة الحاضر

مرحلة إقامة الحجة

بناءً على ما تقدم، هل أُقيمت الحجة علينا بدعاوي الإصلاح والتجديد التي طالبت بالرجوع إلى منهج الله عن طريق العودة إلى كتاب الله قراءةً وتدبرًا من دراسات قرآنية معاصرة خلال العقود القليلة الماضية؟ فقد قدمت محاولات جادة في البحث عن مفاتيح فهم النص الإلهي بالاعتماد على اللسانيات الحديثة والمناهج العلمية والاستعانة بالمعارف الحديثة، وذلك لأنه مصدر قائم بذاته كاف للدراسة {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}، لتلبي الحاجة الملحة لوضع حد لحالة هجر القرآن وتفعيله في الواقع بعدما قُضِى على دوره الحقيقي وجرى حصره في مرحلة التلاوة {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًا}.

لكن لغة الرفض والإقصاء كانت هي السائدة، وجرى تبني منطق ليس في الإمكان أبدع مما كان {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّـهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ}.

مرحلة الأزمات الاقتصادية

هل الأزمة المالية العالمية التي انفجرت عام 2008 وامتدت آثارها لسنوات، وأفضت إلى أزمات اقتصادية واجتماعية في العديد من الدول تمثل مرحلة الأزمات الاقتصادية؟ فقد استمرت تداعياتها التي طالت معظم دول العالم من تباطؤ اقتصادي وارتفاع معدلات التضخم والمديونية العامة، وأدت إلى زيادة نسبة البطالة والفقر في الكثير من الدول.

وتعود في معظمها إلى انتشار ثقافة الربح السريع وممارسة سياسات جشع رأس المال والاستغلال. بالإضافة إلى تراكم سياسات اقتصادية خاطئة وخلل هيكلي في النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، كما انعكست آثارها على هيئة صراعات مالية وتجارية واقتصادية. وهو ما عبر عنه القرآن بالنموذج القاروني الذي يُمثل القوة الاقتصادية الطاغية الذي من مظاهر بغيه احتكار السوق والتجارة {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ}.

مرحلة الأزمات البيئية

هل ظاهرة التغير المناخي الذي يشهد تدهور مستمر ومتسارع لمناخ الأرض، خصوصًا خلال السنوات القليلة الماضية، تمثل مرحلة الأزمات البيئية؟ فتلك الظاهرة تخلف آثارًا خطيرة، من فقدان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر والظواهر المناخية المتطرفة كالأعاصير المدارية المدمرة والفيضانات وموجات الحر والجفاف التي أدت إلى نشوب حرائق الغابات، فالسنوات الخمس الأخيرة في الفترة 2015- 2019 كانت الأكثر حرارة على الإطلاق وفقًا لتقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO [4].

فتلك الأزمات البيئية المتتالية والمتراكمة تتفاقم بسبب الأنشطة البشرية التي تقود إلى ازدياد تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي التي بلغت مستويات قياسية. فمجمل هذه الأزمات ناتج من الاستغلال المفرط والإهمال من قبل الإنسان للموارد الطبيعية، وهو ما يوافق وصف الآية الكريمة {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

مرحلة تفشي الأوبئة

هل ما نشهده من جائحة فيروس كورونا المستجد يُمثل مرحلة تفشي الأوبئة؟ فمنذ أن ضرب فيروس كوفيد-19 الأرض والعالم أصبح يعيش حالة استنفار قصوى وأصاب دول العالم بحالة من الشلل والتوقف التام فى أغلب مفاصل الحياة، وأعداد الضحايا في تزايد مستمر ما تسبّب بحالة من الهلع والخوف بين الناس.

لقد كثر اللغط حول أسباب ظهور هذا الفيروس، بعيدًا عن نظريات المؤامرة فقد كشفت العديد من الدراسات الحديثة أن انتشار الأوبئة القاتلة هو أحد أخطر تداعيات التغير المناخي [5] [6] [7] حيث يؤثر في انتشار الأمراض من خلال تغيير النطاق الجغرافي للكائنات الناقلة، وزيادة الزحف البشري نحو الحياة البرية، والتنوع في السلالات من فيروسات وبكتيريا وطفيليات مستجدة، وكذلك انتشار الأوبئة المصاحبة لظواهر الطقس المتطرفة.

أيضًا تتضمن التأثيرات المثبتة لتغير المناخ ارتفاع درجات الحرارة مما يؤدي إلى ذوبان كتل جليدية متجمدة في المناطق الجليدية الذي قد يؤدي إلى ظهور سلالات غير معروفة من الجراثيم المتجمدة منذ حقب بعيدة [8].

فقد كشفت دارسة في مجلة J. R. Soc. Interface [9] أن أعداد الأمراض الوبائية الجديدة الناشئة في ارتفاع خلال العقود الماضية، وهو ما يرجح أن تسارع انتشار الأوبئة نتيجة زيادة مسبباتها من تلوث الطبيعة وغزو الانسان للحياة البرية.

يُتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد