في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد كوفيد-19 وما نشهده من تحديات غير مسبوقة تواجه البشرية، تزداد التساؤلات حول ظهور الجائحة على رأسها هل تعود لمجرد ظواهر طبيعية أم هناك أبعاد أُخرى؟ للإجابة عن هذا التساؤل علينا أن نرجع إلى كتاب الله مباشرة فهو المعيار الذي لا يُخطئ من خلال استعراض الآيات البينات التي وردت في قصة موسى عليه السلام مع فرعون، بما فيها ظاهرة انتشار الأمراض لكي تتبين الصورة الكلية لتسلسل الأحداث وموقع الوباء منها. كما سنقوم باستخلاص العبر والدروس المستفادة في الجزء الثاني مما يُعين على إبصار الحاضر.

إن القصص القرآني ليس القصد منه السرد والرواية بل العبرة والعظة {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ}، فالذي ينبغي أن نقف عنده هو الحدث التاريخي في القصص وموقف الناس منه ليتحقق الدرس {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. فالأحداث المذكورة في القرآن تتكرر من زمن إلى آخر تحت صور مختلفة متى توافرت نفس الدوافع الإنسانية وعلاقتها بمحيطها، ولكن بنفس المضمون.

فطريقة البحث المتبعة للوصول إلى العبر تعتمد على إسقاط النص على الواقع لإيجاد رابط تاريخي، وعلى منهج السير في الأرض {قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} من خلال توظيف المعارف المستجدّة في مجال علم الآثار، والاستعانة بالأدوات المعرفية الحديثة في مجالات العلوم المختلفة.

فالسياق التاريخي لهذه الآيات كان في عهد ملك مصر فرعون الذي كان يتسم حكمه بالطغيان {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ}، ولقد شغلت قصته مساحة واسعة من القرآن لكونها ظاهرة إنسانية متكررة. فنظام حكمه كان يتصف بالشمولية أي النظام الذي يسعى للسيطرة على كافة أوجه الحياة العامة والخاصة، فهو الحاكم الفرد المتأله والقائد الرمز الملهم الذي يُقدسه قومه – طغيان سياسي – {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى}، والذي يتحكم في مصادر رزق الأفراد والمجتمع – طغيان اقتصادي – {فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ}، كما يتحكم في توجيه الرأي العام وتشكيل وعي الشعب وقيمه الدينية – طغيان فكري – {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ}. وكان يتبع سياسة فرق تسد تجاه شعبه – طغيان اجتماعي – {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ}.

أما أركان الدولة التي ذُكرت في القرآن فهي:

  • فرعون: رأس السلطة ورمز الدولة.
  • آل فرعون: العائلة المالكة.
  • هامان: الوزير الأول.
  • الملأ: النخبة الذين بيدهم تصريف شئون البلاد.
  • جنود فرعون: الأجهزة الأمنية.
  • السحرة: طبقة رجال الدين والعلماء.
  • قارون: نموذج من فئة أصحاب المال.
  • قوم فرعون: المؤيدون والمنتفعون من السلطة.
  • موسى واتباعه: يمثلون المعارضة بالتعبير الحديث.
  • المستضعفون: أهل مصر وبني إسرائيل.

في البداية يجب الوقوف عند دلالة لفظ آية لسانيًا فهي بمعنى العلامة الظاهرة الدالة على شيء محسوس أو الدالة على أمر معقول، أي أن العبرة بمدلول العلامة، حيث المعنى قد يتعدد وهو ما يحدده السياق ويقتضيه المقام. فالآيات البينات التي نحن بصددها ليس المقصود منها الإعجاز أو تعجيز البشر، وإنما العلامة الواضحة كظاهرة غير معتادة والتي تدل على أمر بحاجة إلى تأمل ومراجعة.

فلو تتبعنا تلك الآيات حسب الترتيب الذي وردت به في سياق سورة الأعراف، نجدها كالتالي:

١.  العصا
٢.  اليد
٣.  الأخذ بالسنين ونقص الثمرات
٤.  الطوفان
٥.  الجراد
٦.  القُمَّل
٧.  الضفادع
٨.  الدم
٩.  الرِّجز

ويمكن تقسيم الآيات البينات وما بعدها إلى خمس مراحل رئيسية حيث سنتناول أربع مراحل منها في هذا الجزء:

  2.  مرحلة إقامة الحجة

لقد أرسل الله موسى إلي فرعون ليرده عن طغيانه فكانت مهمته دعوة فرعون {ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿43﴾ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} وطلبه لإخراج بني إسرائيل من مصر {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ}، وأيده بآيتي العصا واليد {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴿107﴾ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ}.

ولكي ندرك دلالة الآيتين ينبغي أن نقف على طبيعة المجتمع المعاصر للرسالة، حيث نجد أن الرموز كانت تشكل جزءًا كبيرًا من الثقافة المصرية آنذاك بما فيها نظام الكتابة المصرية القديمة.

فالعصا والثعبان كانا من أهم رموز الحضارة المصرية، فلا يكاد يخلو مشهد لملك من ملوك مصر من وجود العصا أو الثعبان. فمن يحمل العصا إما ملكا أو كاهن وهي ما تُسمى صولجان «الواس» أو عصا الراعي فالراعي هو من يقوم برعاية الرعية والتي ترمز إلى الرعاية والحماية. ومن ناحية أخرى ثعبان «الكوبرا» الذي كان يوضع على تيجان ملوك مصر وهو يرمز إلى القوة والسيادة. فتحول عصا موسى إلى ثعبان ترمز إلى دوره كقائد ديني له السيادة والقوة ليقوم برعاية وحماية قومه. أما بالنسبة لآية اليد، فاللون الأبيض من أكثر الألوان ميلًا إلى المعاني الدينية فهو يعتبر لون النور المنبعث من الظلام ويرمز إلى القداسة، فتغير لون اليد إلى اللون الأبيض يرمز إلى أن صاحب هذا الدور الممثل في العصا مصدره إلهي مُقدس.

لذلك آيتي العصا واليد هما العلامة التي تدل على نبوة موسى، فكانت المرحلة الأولى بمثابة إقامة الحجة والبرهان لفرعون وملئه على صدق الرسالة {فَذَٰنِكَ بُرْهَـٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِ}. ولكن فرعون تحدَّى آية العصا بأن جمع السحرة لمواجهة موسى وهم من طبقة الكهنة حيث كان المصريون القدماء يطلقون عليهم علماء فهم الأطباء والمهندسين والكيمائيين والفلكيين إلى جانب دورهم الديني، وانتهت تلك المناظرة بانتصار الحق وتسليم السحرة بصحة الحجة، أما فرعون فأبى واستكبر وبرر موقفه باتهام موسى بالمكر والخداع {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ}، وشن حملة إعلامية شرسة عن طريق قلب الحقائق لتشويه صورته {إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ} حتى وصفوهم بالتخريب والإفساد في الأرض {أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ}، ومارس أبشع وسائل التعذيب والترهيب والقتل بحق اتباعه {وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}.

  ٢.  مرحلة الأزمات الاقتصادية

بناءً على ما تقدم من ظلم وقع على موسى وقومه، فقد استجاب الله لدعاء النبي بالطمس على أموال فرعون وملئه، فكانت آية الأخذ بالسنين أي الإصابة بالقحط الشديد فالسنين جمع دل على طول فترة العذاب {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}، فانتقاص الثمرات ناتج عن السنين وجدبها.

ولو أردنا تحديد الإطار الزمني للحدث نجد بردية «ايبوير» الشهيرة التي قام بترجمتها Alan Gardiner في عام 1909 بعنوان The Admonitions of an Egyptian Sage، فهذه البردية تمثل شاهد عيان على الخراب الذي حل بمصر في أحد العصور، والذي يحوي عدة إشارات موافقة لآيات موسى، سنسردها تباعًا. أما فيما يخص هذه المرحلة فهي تشير إلى موت الأشجار فما عادت تثمر، وإصابة الأرض بالتعب والخراب، وانعدام مصادر العيش، فلا شيء سوى الجوع. العديد من المؤرخين يرجعون تاريخها إلى فترة «الهكسوس» في الفترة الانتقالية الثانية التي خلفت الدولة الوسطى والتي من المفترض أنها كُتبت في عهد ملك مصر أحمس الأول مؤسس الدولة الحديثة.

وقد اختلف العلماء في تحديد زمن تلك الفترة، حيث تشير نتائج الكربون المشع للعديد من الأبحاث الحديثة المعتمدة على عينات من التنقيبات الأثرية في مدينة أواريس عاصمة «الهكسوس» في منطقة تل الضبعة بالشرقية، مثل التي تم تأريخها في كل من مختبر الكربون المشع ORAU التابع لجامعة أكسفورد ومؤسسة VERA التابعة لجامعة فيينا1 عام 2012، إلى فارق حوالي 120 عامًا قبل التواريخ التي اقترحها علماء المصريات مما ينقل تاريخ نهاية حكم «الهكسوس» إلى حوالي النصف الثاني من القرن السابع عشر قبل الميلاد عوضًا عن القرن السادس عشر قبل الميلاد.

فسنوات الجفاف تكون نتيجة تدني مستويات مياه نهر النيل لندرة أو شح هطول الأمطار عند منابع النيل في الحبشة خاصة أنه يشكل أكثر من 80% من مياهه. فقد أظهرت دراسة حديثة2 (تنتظر مراجعة الأقران) بعد تحليل سجلات المناخ التاريخية لهطول الأمطار الموسمية في شمال غرب المحيط الهندي، خلال الفترة الزمنية التي امتدت من 2600 – 800 ق. م.، التي جرى الحصول عليها عبر تحليل بيانات نظائر الأكسجين المأخوذة من تشكيلات كهف القنف في جنوب عُمان ذات الدقة العالية (1-14 سنة) والمنشورة في مجلة Science3 عام 2003، حيث تتعرض تلك المنطقة لنفس أنماط هطول الأمطار الموسمية على المرتفعات الإثيوبية، لذلك تكون بمثابة قياس غير مباشر لكمية الأمطار الموسمية ومنه منسوب النيل.

تشير تلك السجلات إلى تعرض مصر لموجتين جفاف شديدتين خلال الفترة 1700 – 1615 ق. م.، نجد أن الموجة الثانية التي بدأت حوالي نصف القرن السابع عشر قبل الميلاد واستمرت لعدة عقود موافقة لعصر الهكسوس كما يتضح من خلال الرسم البياني، أيضاً الموجة الأولى التي بدأت منذ حوالي عام 1700 ق. م. واستمرت لأكثر من عقدين قد تُفسر دلالة التعريف في «السنين» بلام العهد أي عهدوا مثل هذا القحط خلال زمن قريب منهم.

فمن المتوقع أن يكون هذا الجفاف الشديد أدى إلى تلف المحاصيل ما أدى بدوره إلى تدهور الاقتصاد الذي تمحور حول الزراعة. لذلك أخذ الله فرعون وقومه بالأزمة الاقتصادية وضيق المعيشة حتى يراجعوا أنفسهم، وهي العلامة الدالة على انتشار الظلم والاضطهاد والتضييق، فكانت المرحلة الثانية هي بداية الانتقال إلى آيات الردع لعلهم يذَّكرون أي يتذكرون كلما اشتدت أحوالهم وساءت ظروفهم المعيشية من خلال استحضار الأسباب التي أدت إلى واقعهم، ولكنهم تمادوا واتبعوا سياسة إلقاء اللوم على المؤمنين كلما حل بهم أزمة أو مشكلة {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ}.

  ٣.  مرحلة الأزمات البيئية

فسلط الله عليهم آيات الإنذار الخمس {فَأَرسَلنا عَلَيهِمُ الطّوفانَ وَالجَرادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ ءايـٰتٍ مُفَصَّلـٰتٍ فَاستَكبَروا وَكانوا قَومًا مُجرِمينَ}.

لتأتي آية الطوفان وهو الفيضان الناجم عن هطول الأمطار الغزيرة فوق مساحة واسعة من وادي النيل ومناطق الصحراء المتاخمة ما تسبب بطبيعة الحال في أضرار كبيرة بالطرق والبيوت وغرق الأراضي الزراعية.

فتلاها آية الجراد، فالأمطار عامل مهم لتكاثرها، والآثار المترتبة على إغارة أسراب الجراد الصحراوي يمكن أن تصبح مدمرة للمحاصيل الزراعية والمراعي والتي قد تؤدي إلى حدوث مجاعة. وقد أشار الحكيم «ايبوير» إلى فساد وانعدام الحبوب في كل مكان وهو ما قد يكون عائد على قضاء الجراد على كل الزرع.

وأرسل الله عليهم آية القُمَّل فهو يعد من الحشرات الطفيلية الذي يمتاز بسرعته في العدوى من شخص لآخر، ومن أسباب انتشاره هو التواجد في بيئة غير نظيفة مكتظة بالناس الذين يعيشون في ظروف قاسية كما في أوقات الكوارث الطبيعية والنزوح الجماعي.

وكانت آية الضفادع التي انفجرت أعدادها بسرعة كبيرة، فقد تكررت هذه الظاهرة في الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية، حيث نشر فريق بحثي أميركي دارسة حديثة في مجلة Ecosphere4 عام 2017، قاموا بدراسة تأثير تغيير أنماط الطقس المرتبطة بتغير المناخ والأمطار الغزيرة في غير موسمها على مجموعات البرمائيات، حيث توضح أن الفيضانات التي شكلت برك مؤقته جلبت أنواع من الضفادع للتكاثر بشكل متفجر بالإضافة إلى عدم وجود أسماك تأكل البيض مما ساعد على تزايد أعدادها بشكل كبير في وقت قصير حتى انتشرت في كل مكان وملأت البيوت وأصبحت مصدر إزعاج للناس.

وابتلاهم الله بآية الدم، فكلمة دم تدل على «غِشْيان الشَّيء، مِن ناحيةِ أنْ يُطْلَى به. تقول دَممْتُ الثَّوبَ، إذا طليتَه أيَّ صِبْغ» (ابن فارس، مقاييس اللغة)، «ومنه دَمَمْتُ الثوبَ إذا طليته بالصِّبْغِ» (ابن منظور، لسان العرب). لذلك فآية الدم قد تعود إلى ظاهرة انتشار الطحالب السامة ذات الألوان الزاهية مثل اللون الأحمر والأخضر في المياه سواء كانت عذبة كالأنهار والبحيرات أو مالحة كالبحار والمحيطات مما يؤدي إلى تلوُّن المياه بغير لونها الحقيقي.

فقد كشفت التقارير العلمية الحديثة5 أن الطحالب القاتلة تزدهر نتيجة ارتفاع درجة الحرارة إلى جانب تلوث المياه من تسرب المواد الكيميائية التي تنبعث من الأسمدة والمبيدات الزراعية بالإضافة إلى مخلفات المصانع، حتى أصبحت ظاهرة بيئية في المزيد من المسطحات المائية في أمريكا وحول العالم خلال السنوات القليلة الماضية. ومن آثار هذه الظاهرة نفوق الأسماك والكائنات البحرية وتهديد مياه الشرب لما لها من أضرار صحية خطيرة على الإنسان والحيوان على حد سواء. وقد أشارت البردية سالفة الذكر إلى تحول نهر النيل إلى دم وابتعاد الناس عنه وعافوا عن الشرب منه، وأصبح الدم في كل مكان وانتشر العطش، كما أصبحت مصر العليا حاوية نفايات.

فقد تميزت هذه المرحلة بفترة من التغيرات المناخية الشديدة التي ضربت دلتا النيل من طقس شديد الجفاف كما في المرحلة السابقة إلى طقس رطب وحار وما تبعها من اضطرابات بيئية. فكذلك تكون عاقبة الإفساد في الأرض بأي صورة من صور الفساد بما سببه من ظلم واستقطاب في المجتمع، وتلويث للبيئة من انتشار المخلفات والنفايات {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}، وهو يوافق ما كشفته المصادر المصرية القليلة التي تحدثت عن فترة حكم «الهكسوس» كما في النص الشهير الذي يرجع لعهد الملكة «حتشبسوت» المسجل على جدران معبدها في اسطبل عنتر الذي أشار إلى أنهم كانوا يعيثون بين الناس فسادًا محطمين ما كان قائمًا. فاستحقوا نزول تلك الآيات القاهرة عليهم بما اقترفوه من جرائم بحق البشر والشجر والحجر، فبدل الاستجابة السريعة كان العناد والاستكبار عن مراجعة النفس وتغيير المواقف.

  ٤.  مرحلة تفشي الأوبئة

ثم حل بهم الرِّجز {وَلَمّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرِّجزُ قالوا يـٰموسَى ادعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفتَ عَنَّا الرِّجزَ لَنُؤمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرسِلَنَّ مَعَكَ بَنى إِسرٰءيلَ}، فالرِّجز نوع من العذاب {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}، قد يأتي من السماء {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}، وقد يأتي من الأرض وهو الذي وقع على قوم فرعون. فالرجز في اللغة «يدلُّ على اضطرابٍ. من ذلك الرَّجَزُ، داءٌ يصيبُ الإبلَ في أعجازِها» (ابن فارس، مقاييس اللغة)، ما يُفسِّر على أنه الطاعون أو الوباء الذي ينتشر بشكل مفاجئ وسريع لمرض في رقعة جغرافية فيضطرب له الناس في شئون حياتهم المعتادة، وقيل الرِّجز من أسماء الطاعون.

كما أشارت البردية التي ذُكرت آنفًا إلى ضرب الطاعون البلاد كلها. ولأجل التعرف على طبيعة المرض الذي أصابهم فقد أشار عالم الأحياء الجزيئية الإيطالي الكندي Siro Trevisanato في دراسة منشورة في مجلة Medical Hypotheses6 عام 2004 إلى انتشار وباء غير عادي ابتليت به مصر خلال فترة الهكسوس يُسمى داء التوليري (أو حُمَّى الأرانب) وهو داء مُعد تسببه بكتيريا الفرنسيسيلة التولارية، وفقا لتريفيساناتو كانت أواريس الميناء التي دخلت من خلالها التولارمية مصر. وينتقل بطرق متعددة من بينها لدغات الحشرات كالقمل، والتي من أعراضه قرحة الجلد التي توافق وصف الدمامل والبثور المذكورة فى التوراة (الخروج – الإصحاح السابع).

فكان الرِّجز آخر آية نزلت على فرعون وقومه وكان أشدها وأكثرها أثرًا عليهم بسبب تفشي ذلك المرض الذي هدد حياة الكثير منهم. فطلب الملأ من موسى بأن يدعو ربه لإنقاذهم بما عهد عنده من أمر الرسالة، ولئن كُشف عنهم الرِّجز ليُؤمنوا له، وليُرسلوا معه بني إسرائيل. فكلما يُكشف عنهم الرِّجز مع كل موجه لهذا الوباء فإذا هم ينكثون عهدهم فصيغة المضارع تفيد التجدد والحدوث {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ}، وهو عود الحال إلى ما كان عليه،

إن نقض العهود من صفات الفاسقين {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ}، معنى الفسق لسانياً هو الخروج عن الشيء أو القصد، لذلك مدلول الفسق أوسع وأشمل من حصره في مفهوم الخروج عن الطاعة. فقد تعددت مظاهر مرض الفسق لديهم {إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ}، منها فسوق القلب وهو الخروج عن القلب أو العقل السليم لما يطرأ عليه من علل وأمراض والذي ينعكس على المواقف العملية {تَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ}، فمن مظاهره مرض الاستكبار الذي يتخلل النفس حتى يتمكَّن منها {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ ﴿46﴾ فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ}، حيث يرى فرعون وملئه أنفسهم أكبر قدرًا من بني إسرائيل لعلو مكانتهم الاجتماعية إلى جانب التقليل من شأن موسى وهارون الذي يدل على تضخم الذات والنظرة الدونية للآخر مما أدى إلى اللجوء لشخصنة الأمور عوضًا عن التفكير الموضوعي. ومن مظاهره أيضًا خفة العقل {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ} وذلك باتباع قوم فرعون للخطاب العاطفي المغيب للعقل والمنطق. لذلك الفاسق يُعذب في الدنيا بفسقه {يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ}.

يُتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد