يعيش العالم على وقع الصدمة بعد تفشي وباء كورونا الذي حصد آلاف الأرواح وأصاب مئات الآلاف وألزم نصف سكان العالم منازلهم. المرض المصنف من طرف منظمة الصحة العالمية كجائحة عالمية انتشر كالنار في الهشيم ولا زال يحصد في طريقه المريض تلو الآخر والبلد تلو الآخر، ولا زال الغموض يكتنف كيفية ظهوره وقد بدأت الدراسات والتجارب تتقاطر في كيفية وإمكانية السيطرة عليه.

أما العلاج الشافي المعافي فلا يزال قيد البحث والدراسة ومن المرتقب أن يظهر لقاح فعال في غضون الأشهر القادمة. في غضون ذلك يعكف المتخصصون في علم الأوبئة، وهم العلماء الذين لهم المعرفة العلمية الكافية في مواجهة أي مرض وبائي، على تطوير خطط المواجهة الآنية والحد من التبعات الصحية للوباء، فما هو هذا التخصص الطبي؟ وما هي طرق اشتغاله؟ وأين تكمن أهميته في المنظومة الصحية؟

تعريف علم الأوبئة وتاريخه

يقصد بالوباء الانتشار المفاجئ والسريع لمرض معد في رقعة جغرافية ما فوق معدلاته المعتادة في المنطقة المعينة. أما الجائحة فهو الانتشار العالمي في بلدان متعددة للمرض المعد. وعلم الأوبئة (epidemiology) هو تخصص طبي أساسي من تخصصات علوم الصحة العامة (public health)، يدرس بعد دراسة الطب العام، وتعرفه منظمة الصحة العالمية .

على أنه «دراسة توزيع ومحددات الحالات أو الأحداث المتعلقة بالصحة (بما في ذلك المرض)، وتطبيق هذه الدراسة على السيطرة على الأمراض وغيرها من المشاكل الصحية» 1. ويعرفهLast 2 في معجم الإبيدميولجيا لأكسفورد على أنه «دراسة توزع الأحداث أو الأحوال المتعلقة بالصحة ومحدداتها في مجموعات سكانية معينة، وتطبيق هذه الدراسة للوقاية من المشاكل الصحية ومكافحتها».

علم الأوبئة إذن علم له غاية وهدف أولي في الصحة الوقائية، ويعود أصله إلى أب الطب أبقراط الذي عبر منذ أكثر من 2000 سنة على فكرة «أن العوامل البيئية تؤثر في حدوث المرض». ارتبط في اوائله بالدراسات الإحصائية للمرضى والموتى في بريطانيا ابتداء من القرن 17. ويعد الطبيب البريطاني «جون سنو» أحد الأوائل الذين ساهموا في تطور علم الأوبئة والذي ربط بين العامل البيئي والمرض 3، وهو الذي خلصت دراسته في أواسط القرن التاسع عشر (ما بين 1848 و 1853) أن نسب خطر الإصابة بالكوليرا في لندن كان مرتبطا بشرب الماء الملوث الذي كانت تزود به إحدى الشركات مناطق معينة بدلا من مناطق أخرى تزودها شركات أخرى. انطلاقا من توصياته ظهر أن تحسن صحة السكان مرتبط بالإجراءات الوقائية المتعلقة بالصحة العامة مثل تحسين مصادر المياه النقية.

اهتم علم الأوبئة بعد ذلك في أوائله في مكافحة الأمراض السارية وأسبابها ومحدداتها السوسيوبيئية وبالتالي تحديد الطرق الوقائية (يقصد بالمرض الساري المرض المتنقل سواء كان معديا أي يتنقل بين البشر مباشرة كالإيدز والإنفلونزا وكورونا … ويمكن أن يكون مرضا ساريا غير معد أي لا يتنقل مباشرة بين البشر إنما يحتاج لناقل كالملاريا …). وفي أواخر القرن العشرين طبق على الأمراض غير السارية أو الأمراض المزمنة كالعلاقة بين التدخين والسرطانات، وبين السكري والنمط الغذائي … بهذا أصبح علم الأوبئة يهتم بدراسة محددات الصحة والمرض التي تقع داخل وخارج النطاق الصحي.

طرق اشتغال ونطاقات علم الأوبئة: التعدد والتداخل مع ميادين متعددة

ينبني علم الأوبئة على مبدأين، الأول أن حدوث مرض معين ليس اعتباطيًا وإنما له أسباب معينة، فمثلا لكي تصاب بمرض كورونا عليك أن تكون خالطت مريضًا مصابًا به من ذي قبل. والثاني، أن دراسة المجموعات كفيل بتحديد الأسباب ووسائل الوقاية. لهذا علم الأوبئة مرتبط أساسًا بعلم الإحصاء الحيوي، يقوم بتحديد النسب، كنسب الانتشار ونسب الوفيات، معدل الولادات، أمد الحياة، والفئة الأكثر عرضة، وعوامل الاختطار … إلى غيرها من المعطيات والنسب والإحصائيات، وذلك عبر دراسة نوعية منها الدراسات الوصفية أو التحليلية أو الإكلينيكية أو غيرها. 4

ولكون الأمراض خاصة المعدية الفتاكة تشكل تهديدًا لأمن الإنسان ولأنظمة الصحة، وأنظمة الحكم ككل، فنطاق علم الأوبئة يتعدى ما هو طبي صحي، إلى دراسة كل ما هو بيئي واجتماعي واقتصادي وسياسي وقانوني … لغاية تحديد المحددات، وبناء التوصيات وذلك لهدف أسمى هو تحسين مستويات الصحة العامة.

لكون علم الأوبئة أحد أسس تخصص الصحة العامة، فمجال تأثيره حاضر بقوة في شتى المجالات وجل السياسات الصحية العمومية وما يرتبط بها تنبني على توصيات لجان الخبراء كالتوزيع الجغرافي للعرض الصحي، وبرامج مجابهة الأمراض وبرامج التلقيح … ويمكن أن تتدخل في مجالات أخرى كأماكن توطين المنشئات الصناعية الملوثة، وبرامج تدبير المياه.

الإنجازات: القضاء على العديد من الأوبئة

يوفر علم الأوبئة معطيات مهمة عن الأمراض والحالات المشبوهة وكيفية وطرق انتقال المرض، كما يعمل على توفير خارطة الانتشار لوباء ما، ما يمكن من تحديد إجراءات المكافحة وتتبع نجاعتها. بهذا أسهم علم الوبائيات مع تطور العلوم الطبية الموازية في القضاء على العديد من الأوبئة كالجذري والسيطرة على أمراض أخرى كالسل والكوليرا والسيدا …، وما زال يوفر المعطيات ويساهم في بلورة الخطط الصحية لمجابهة العديد من الأمراض المستعصية.

ويبقى أحد أهم أدوار علم الأوبئة هو مجابهة الأمراض السارية سواء عن طريق الترصد، والوقاية، والحجر الصحي والمعالجة ثم التتبع. أمام جائحة كورونا ـ وهو مرض معدي سريع الانتشار ـ برز إلى العلن الدور الأولي والأساسي لعلم الأوبئة في مواجهة تفشي المرض، ساهم المختصون في بلورة خطط لمجابهة الوباء والمبنية على مراحل متعددة ( 2)، منها:

1 ـ الإجراءات الاستباقية، وطرق الوقاية قبل دخول المرض الى البلد.

2 ـ الاستقصاء: عبر التحقق من تشخيص الحالات المشتبه فيها سواء عبر التحري المحدد لحالات معينة خاصة إذا كان عدد الحالات محدودًا أو التحري العام في التفشي العام.

3 ـ تحديد الحالات وتتبعها عبر وضع تعريف لها يتغير بتغير المعطيات.

4 ـ التدبير والمكافحة: بمحاولة السيطرة على تفشي الوباء عبر إجراءات أبسطها عزل الحالات وأقصاها الحجر الصحي العام مع معالجة الحالات الإيجابية.

5 ـ الترصد والاستجابة: عبر جمع المعطيات وتحليلها ثم تفسيرها.

بناء على معطيات الترصد الوبائي تتخذ الإجراءات المعينة، حسب درجة الاستجابة ففي ظل المعطيات الإيجابية في السيطرة على تفشي الوباء ترفع إجراءات المكافحة تدريجيا، أما في حالة استعصاء الحالة الوبائية يتم بذل المزيد من الجهد واتخاذ إجراءات أكثر صرامة حسب الإمكانيات.

علم الأوبئة علم أساسي يلزم أي دولة أن تتوفر على مؤسسات مهنية مستقلة مؤهلة يسيرها خبراء نزيهين تستثمر الدولة في تكوينهم وأبحاثهم، مؤسسات لها قدرة الترقب والاستباق، ومخطط المواجهة لأي مرض معين، ولها مخطط تواصلي سلس وفعال لأن ضمان صحة السكان من ضمان أمن البلد واستقراره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد