نعم إنه القاتل الإعلامي الجديد الذي أرعب العالم أكثر من وباء كورونا نفسه، الشائعة المرض الافتراضي الذي فتك بالعقول وغيرها، في الكثير من المرات وجهة الكثيرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معلومة من هنا.. ونسخ ولصق لهذه الأفكار هناك، دون معرفة أي مقصد نشرت لأجله، ولماذا تفاعلنا وعلقنا عليها، بالرغم من أننا لا نعرف مصدرها وهويتها هل هي وهم أم حقيقة؟

لقد صار التحقق من الأخبار في هذا الوقت عملة صعبة الصرف في فضاء الكل فيه يعبر ويرسم صورته لآخرين بطريقته الخاصة البعيدة عن النمط الإعلامي المقنن وذي الأهداف الراقية والسامية التي يبحث عنها الرأي العام الشعبوي.

إن تسويق الأفكار الخاطئة وغسل العقول في هذه القرية الافتراضية التفاعلية، عزل الجمهور عن الواقع الفعلي وسجنه في بوتقة ضيقة ومتاهات واسعة الآراء والتوجهات، وغرس في نفوسهم إبرة الاعلام المتفتح البعيد عن الرقابة الذاتية والتصادم المجتمعي المتشابك، وجعله رصاصة سحرية قاتلة لشعوب وأمم نظرًا لعدم فهمهم كيف تسير هذه التقنية التكنولوجية الجديدة، وما هي أبعادها الغائية ونواياها الحقيقية.

لقد أصبح هذا الإعلام الاجتماعي وباءً جماهيريًا سريع الانتشار، صنعه الفرد الشبكي لنفسه، وتقبله الرأي العام بالنسخ التام واللصق المسموم بأفكار قد تكون القنبلة النفسية الموقوتة القاتلة للعقول والأذهان المغلوبة عن أمرها، بالرغم من وجود جائحة كورونا حقيقة، والتي حتى وإن فتكت بالعالم أجمع وبقوة، تبقى دعايتها البيضاء عبر هذه المنصات الإلكترونية الافتراضية، الداء الأكبر الذي يحاول المختصون والباحثون في الإعلام إيجاد المصل المضاد لها، والدواء الشافي من فيروس الشائعة المغرضة، وعدم اللعب بعقول الجماهير بأفكار وبائية ومحاولة صنع وعي مزيف لهذا الفرد، في مقابل إيجاد بروتكول يعطي المفهوم الصحيح للصحافة المواطن المنظمة والمهيكلة التي توصل الرسالة القيمية الهادفة والخاضعة للبيئة المجتمعية والدينية.

أصبحنا في زمان صناعة الأفكار بامتياز.. سوق سلعتها عقول البشر والمشكلة أن مشتريها هم البشر أنفسهم، وأزمة العالم اليوم هي الصورة الخفية التي يصنعها الإعلام الجديد، صنع لنا ثقافة النقل الحرفي للمعلومة دون مراعاة حقيقة أننا في قرية افتراضية متعددة المصادر والوسائط والجماهير، ويختفي وراء ذلك أشخاص مؤثرون في عقولنا هدفهم التجارة بالمعلومة ونشر الشائعة، لكن على النقيض من هذا نجد أننا نحن من بنينا هذه الفلسفة وجمدناها في ذاكرتنا على أنها أفكار يمكن أن تختزل عالمنا الواقعي، وتلبي رغباته المكمونة، وأنها هي التي ستخرجنا من الأزمات وتبني لنا سياسة فكرية صحيحة ومنطقية لا يمكن الخروج عنها.

نحن في عالم من يمتلك القوة والتكنولوجيا والعلم سينجح، موازين القوى تفرض علينا هكذا، هناك عالم خفي آخر لا نراه وصراع أيديولوجي يغير كل زمان سلاحه.. من الحروب الواقعية إلى الحروب الافتراضية إلى الحروب البيولوجية.. وقد وجدو أن أسهل سلاح هو اللعب ومحاكاة بعقول البشر.. رسمو لنا أن العالم يعيش بمنطق.. ولكن في الحقيقة يمسحون في عقولنا بمنطق أن العالم يعيش بسلام. ولكن القوي في نظرهم من سيعيش ولو على حساب الإنسانية والبشرية.

 هذا هو العالم.. حرب الأقطاب وتغيير السلاح والتكتيكات في كل زمان يظهر فيه سلاح فتاك وجديد، زماننا هذا زمان التكنولوجيا، وهي أسوأ سلاح فتاك لنا لأنها تلعب بشيء اسمه العقل، وهو محرك الإنسان الأول في عالمه هذا.

حروب المجتمعات تغيرت وموازين القوى تنوعت وأصبحت لغة السلاح اليوم هي تسويق أفكار وبائية في سوق افتراضية المنتج الأساسي فيها مواقع التواصل الاجتماعي التي حتى وإن ساهمت في رسم معالم جديدة للعالم ككل.. تبقى الشائعة فيها: القاتل الوهمي للعقول.

وخيارنا في ظل هذه الأزمات والوباءات هو تكوين هوية افتراضية تسعى لبناء مجتمع، لا أن تهدم له ثوابته بمعلومات مغلوطة، وأخبار ملفقة، ويصنع من الوهم ما قد يعدمه الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد