ذكرنا في المقال السابق علم فوق الوراثة (1).. كيف تؤلف قصتك البيولوجية؟!‏ أن علم فوق الوراثة هو دراسة أي عملية تغير نشاط الجينات دون تغيير تسلسل الحمض النووي. ‏فهو يختص بدراسة التعبير الجيني؛ كيف تُشغل وتطفئ العوامل البيئية الجينات، ‏وكيف تتحكم في نشاطها صعودًا وهبوطًا.‏ وأشرنا إلى أن الدراسات التي أثبتت دور المحددات البيئية (فوق الوراثية) في تحديد صفاتنا وإمكانية إصاباتنا بالأمراض قد قلّصت تمامًا مفهوم الطفرة الوراثية، الذي عوّل عليه العلماء كثيرًا في تفسير التغير في التعبير الجيني. فما هي الطفرة؟

الطفرة

في أوائل القرن العشرين، وجد أنصار نظرية التطور أنفسهم في ورطة كبيرة بعد وضع مبادئ علم الوراثة؛ إذ إنه قد ثبت يقينًا أن الصفات ‏المكتسبة لا تورث، بينما نظرية التطور كلها تقوم على فكرة ترقي الأنواع الحية بعد تولد صفات ‏جديدة قابلة للتوريث!

لم يكن أمام التطوريين بد من إدخال فرضية جديدة لإنعاش النظرية المحتضرة، هذه الفرضية ‏تدّعي إمكانية حدوث تغير في المادة الوراثية وتوليد مادة وراثية جديدة، ثم توريث هذه المادة الوراثية ‏الجديدة. عُرفت هذه الفرضية الناشئة باسم الطفرة.‏

إذًا، تعتبر الطفرة الآلية التي طالما افترضها البيولوجيون التطوريون أساسًا لحدوث التطور؛ ‏كونها تعطي تفسيرًا – وفقًا لنظريتهم – لاختلاف التركيب الجيني في جينومات الأنواع الحية ‏المختلفة التي يفترض التطوريون أنها تطورت من بعضها البعض.

فالطفرة كما تعرفت إلينا طوال القرن العشرين: هي تغير مفترض في ‏الحمض النووي ‏DNA، والذي هو كتاب شفرة الحياة ‏لكل فرد من أي نوع، يُفترض أنه ينشأ ‏عنه تغير في التعبير الجيني، ومن ثم تغير في الصفة على المستوى الظاهري.‏

‏مفهوم الطفرة= تغير جيني ينتج عنه تغير ظاهري

وقبل أن نناقش المأزق الذي وجد التطوريون فيه أنفسهم في ضوء مستجدات علم فوق الوراثة، بعد اكتشاف ثبات ‏تركيب الجين بعد حدوث تغيرات بيئية، وأن استجابة الجين لتلك التغيرات لا تتعدى تغير التعبير الجيني عنه، نناقش أولًا أهم ما اعتُبر مسلمات حول الطفرة طوال القرن العشرين، ثم الجدل العلمي المتزايد حول حقيقة السرطان كأحد أهم الأمراض التي طالما اعتبُرت ناتجة عن طفرات.

مسلمات التطوريين حول الطفرة

  • يفترض التطوريون أن الطفرة:

i. ينتج عنها إما ظهور صفات مناسبة للنوع ولكن كان لا يُفترض ظهورها في ‏ذلك الفرد الممثل للنوع الحي؛ كظهور صفة العين الزرقاء في طفل لا يحمل والداه هذه الصفة في طرزهما ‏الجينيين، وبهذا تكون الطفرة مسؤولة عما يسمونه التطور الصغروي. وهو ما سنناقشه تفصيلًا وندحض ادّعاءات التطوريين حوله في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة.

ii. كما قد ينتج عنها حدوث تشوه في الأجنة يُنتج صفات غير مرغوبة ولا تمثل أي شكل من ‏أشكال الطُرز المظهرية السليمة للصفة في ذلك النوع، ولكن هذا التشوه لا يُخرج الفرد المشوه عن كونه أحد أفراد النوع.‏

iii. وكذا فالطفرة هي المسؤولة –وفقًا لنظريتهم- عن توليد المعلومات الجينية الجديدة في جينومات الأنواع الجديدة المفترض نشوئها؛ إذ يفترضون أنه باستمرار حدوث الطفرات لفرد من نوع ما سينتج عنه في النهاية ظهور نوع ‏جديد.‏ بالتالي فإن البناء التراكمي عن طريق الطفرات هو الآلية المفترضة للتطور الكبير الذي تحدث عنه دارون، والذي هو أساس النظرية.

  • ومعلوم أن الطفرات التي تحدث في خلايانا الجسدية لا يمكن الادّعاء بشأن توريثها، كما أنه نظرًا لأن جميع خلايا جسم الفرد مستنسخة من خلية واحدة التي هي البويضة الملقحة بالحيوان المنوي، ‏لذلك فالاحتمالية الوحيدة التي يفترضونها لتوريث الطفرة هي أن تحدث في أحد المشيجين الذكري أو الأنثوي الذين اندمجا لتكوين الزيجوت، الذي سينقسم لينشأ عنه الجنين.
  • ولا زال التطوريون الجُدد يُصرّون على هذه الآلية رغم أنه قد ثبت علميًا أن الطفرات الكروموسومية والجينية في الأمشاج الجنسية (الجاميتات) المذكرة أو المؤنثة إما أن تؤدي إلى موت أو تشوه الأجنة أو إصابتها بأمراض خطيرة كاللوكيميا والتخلف العقلي. ولم يحدث أن شاهدنا على كثرة الأنواع الحية والأفراد التي تمثلها أية صفة جديدة نشأت.
  • ويفترض التطوريون أنه قد تحدث الطفرات طبيعيًا، ولكنها نادرة، بسبب وجود آليات لإصلاح أخطاء النسخ في الحمض النووي DNA، كما أنها قد تحدث صناعيًا نتيجة تعرض الفرد لما يسمونه عوامل التطفر مثل الإشعاع والمواد الكيميائية الضارة وبعض العقاقير الطبية، وكلها ضارة؛ لذا يُطلب من مرضى السرطان الذين يرغبون في الإنجاب حفظ بويضات وحيوانات منوية في بنوك الجينات قبل بدء العلاج الكيميائي أو الإشعاعي كي تُستخدم في التلقيح الصناعي بعد ذلك لإنجاب أطفال أصحّاء؛ لأن علاجات السرطان تؤثر على الجهاز التناسلي سواء للذكر أو الأنثى؛ مما يؤدي إلى تلف البويضات أو الحيوانات المنوية. وقد عانى اليابانيون كثيرًا من تأثيرات الإشعاعات النووية للقنبلتين النوويتين اللتين أُلقيتا على هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية.
  • الطفرات ضارة عمومًا

i. وحتى ما تم الادّعاء بشأنها أنها طفرات مفيدة كالطفرات التي تُمكِّن البكتريا من مقاومة المضادات الحيوية، فهي في حقيقتها تثبيط للجين الذي من المفترض أن ينشط في الظروف الطبيعية الخالية من المضاد الحيوي لينتج نوع من البروتين في جدار الخلية البكتيرية، لكن لأن هذا البروتين من خلاله يتفاعل جدار الخلية البكتيرية مع المضاد الحيوي، فإن الخلية البكتيرية عطّلت عمل الجين كي لا ينتج البروتين لوقف التفاعل مع المضاد الحيوي؛ للحفاظ على حياتها. أي أنها تغير في التعبير الجيني وليست طفرة في التركيب الجيني كما ادّعى التطوريون.

ii. كما اعتقد العلماء بدءًا من النصف الثاني من القرن العشرين، وبناءً على الدراسات الرائدة في معهد باستير في باريس، أنه قد يحدث تنشيط لمعلومات جينية مثبّطة في جينوم النوع الحي استجابة لظروف البيئة؛ وبالتالي فليس ثمة معلومات جينية جديدة متولِدة، وهو ما تفترضه نظرية التطور كأساس للانتواع. الأهم أن تنشيط الجينات المعطّلة لم يعد يُنظر إليه حاليًا على أنه نتيجة طفرات، فلم يحدث تغيير في تركيب الجينات، والأمر لا يعدو أن يكون استجابة للتغيرات في نمط الحياة، بالتالي فهو يتبع الآن علم فوق الوراثة بلا جدال.

iii. لكن التطوريين يطلبون من العالم التصديق بأنه كانت توجد طفرات مفيدة، أضافت معلومات جينية جديدة، وغيّرت تسلسلات الجينومات للأسلاف، نتجت عنها صفات جديدة عديدة، كانت قابلة للتوريث، وسبّبت نشأة كل هذه الأنواع التي عمرت الأرض، قديمًا وحديثًا، ولكنها فقط لا تظهر لنا الآن، وتتخفّى عنا منذ كُتِب تاريخ البشر!

  • كما أن معظم ما أُشير إليه على أنه طفرات طوال القرن العشرين يُعزى إليها توريث صفات متنحية، وبغض النظر عن صحة توصيفها كطفرة في تركيب الجين، فالصفات المتنحية لا تظهر إلا إذا اجتمع في الابن جينان متنحيان يحملان ‏نفس الصفة الوراثية المفترض أنها ناشئة من الطفرة؛ ‏مما يدعونا للتساؤل عن احتمالية نشأة تلك الصفات ابتداءً في أفراد مختلفين، بينما التطوريون في المقابل يصرون على أن أي طفرة قابلة للتوريث لا بد وأنها نشأت في السلف المشترك، ومن ثم تم نقلها لجميع أفراد الأنواع الناتجة منه، متجاهلين أنه لا بد من سلفين؛ ذكر وأنثى؛ لأن السلف المشترك المطفور – لو سلّمنا بوجوده ووجود الطفرة – لا يصلح لتفسير توريث الطفرات المتنحية في الأنواع التي تتكاثر جنسيًا؛ إذ كيف تكونت أنثى مماثلة في النوع ولديها نفس نسخة الصفات التي تكونت عشوائيًا في الذكر؟!

لكن.. هل سيسمح التطوريون بسقوط فرضية الطفرة؟

كما يتضح أعلاه فإن كثيرًا مما اعتُبر مسلمات طوال القرن العشرين عن مفهوم الطفرة صار مثارًا لتساؤل الباحثين مع الثورة العلمية الهائلة في علوم الكيمياء الحيوية والوراثة، والتي أُضيف إليهما مؤخرًا علم فوق الوراثة.

وكثيرًا ما طوّر التطوريون فرضياتهم عندما تتهلهل تمامًا، وتصبح محاولات ترقيعها مستحيلة. ولا زالت تلك عادتهم عندما تفشل فرضياتهم فيخرجون علينا من جرابهم الأشبه بجراب ‏الحاوي ‏بفرضيات جديدة. ‏على سبيل المثال:

  • عندما ثبت يقينًا أن قرب وبعد الأنواع المفترض على شجرة التطور لا يتوافق مع دراسات الحمض النووي ‏DNA‏ ‏للأنواع الحية، وأن هذه الشجرة لا تعطي ‏صورة كاملة عن تطور الحياة ولا تستطيع أن تفسر التعقيدات فيها، فبدلًا من اقتلاعها والاعتراف بأن تفرع طائفتين فما أقل من سلف واحد وبشكل ‏متراتب أمر يستحيل تخيله علميًا، قرروا استبدالها بشكل شبكي لتتواءم مع عشوائية فرضياتهم ‏حول الأسلاف المشتركة، وإن كان بناء الشبكة لم يتم بعد. (1) (2)
  • وعندما اكتُشفت حفريات كثيرة تشير إلى انفجارات لأنواع حية كثيرة في أزمنة غابرة، لا يوجد أدنى دليل على أنها تطورت من بعضها البعض، ولا يظهر فيها التطور التدريجي الذي تفترضه الداروينية، صاروا يروجون في الفترة الأخيرة لنظرية “التوازن النقطي” التي وضعها نيلز إيلدردج وستيفن جولد ‏أوائل السبعينات، والتي اعترفت بأن السجل الأحفوري لا يظهر التدرج في ظهور الأنواع الحية الذي تفترضه الداروينية، وافترضوا حدوث نقلات نوعية ضخمة وكبيرة تولدت عنها الأنواع الحية فجأة. وصار كثير من التطوريين يقولون بثبات الأنواع ثم حدوث تطور فجائي، لتفسير ظهور أنواع حية جديدة في حقبة ما، لأن البديل بالنسبة لهم هو الاعتراف بنشأة الأنواع الحية بشكل تدريجي ولكن بالخلق الخاص، وهو ما يعني القضاء على نظريتهم. سبق أن تحدثنا عن تلك الفرضية غير الداروينية في مقال “الله الخلّاق”.
  • وبعد أن تهلهلت فرضيتهم حول نشأة ‏الإنسان منتصب القامة في شرق أفريقيا بسبب تغيرات جيولوجية أحدثت بدورها تغيرات بيئية، والتي ناقشنا خواءها في مقال “التطور والجغرافيا الحيوية (3) لماذا يبحثون عن أسلاف الإنسان في إثيوبيا؟!”، ‏خرجوا علينا قريبًا – في يونيو (حزيران) 2017 – بفرضية تدّعي أنه يبدو أن الإنسان الحديث قد نشأ في غرب إفريقيا، وتحديدًا في المغرب، ثم ‏يبدو أنه تحسبًا منهم للزمن، وإتاحة لأكبر قدر من المرونة – والنظرية مرونتها زائدة كما نعلم – فما ‏لبثت أن تعدّلت الفرضية سريعًا بأن الإنسان الحديث نشأ في أفريقيا كلها، وفي عدة مهود وليس مهدًا ‏واحدًا.‏

لكن، في حال الطفرة تحديدًا، فهي ليست كأي فرضية يمكن استبدالها بفرضية أخرى. مع ذلك فقد أصبح هناك اعتراف متزايد بقصورها كفرضية في تفسير ظهور التنوع الجيني المهول على الأرض.

في السنوات الأخيرة ظهر ما يُعرف بأصحاب الاتجاه الثالث في التطور، والذين يطعنون في الطفرة! يذكر موقعهم الرسمي أن “سجل الحمض ‏النووي لا يدعم التأكيد على أن الطفرات العشوائية الصغيرة هي المصدر الرئيسي للتنوعات ‏الجديدة والمفيدة”. ‏

The DNA record does not support the assertion that small ‎‎random mutations are the main source of new and useful variations‏.‏

ولا نجد من يخبرنا في المقابل عن المصدر المقترح الذي يدعمه سجل الحمض ‏النووي!؛ فهم لا يبرحون يتحدثون عن الطفرات ولكن بطرق أخرى وأهمها التضاعف الجيني.‏ لكن هذا الافتراض لا يجد ما يدعمه من دراسات ‏DNA‏ الحديثة، فأي زيادة أو نقص في الجينات ‏يولد خللًا، وليس كما يحاول التطوريون إيهامنا بأن فردًا تضاعفت بعض جيناته، ثم تطفّرت، ‏ونتيجة التعبير الجيني عن تلك الشفرة المختّلة نتجت بروتينات غريبة، ثم أن هذا الفرد لم يتأثر!، ‏ثم ورّث ذلك التطفر الهائل لأبنائه!‏

وسبق أن تحدثنا عن طبيعة الأثر الذي يفترض التطوريون أن الطفرات تحدثه لأجل توليد معلومات جينية جديدة في مقال “هل بُنيت الأنظمة الحيوية باستخدام سقّالات؟!‏”

كما قد سبق وذكرنا أن الطفرة ذاتها لم تكن من فرضيات النظرية في صورتها الأولى التي وضعها دارون، ولكنها أضيفت في مطلع القرن العشرين لإنعاش النظرية بعد الضربة الموجعة الأولى التي وجهها لها علم الوراثة، فماذا عن الاكتشافات الحديثة في علميّ الوراثة وفوق الوراثة، وهل استجد حقيقةً من المكتشفات ما يُشكل تهديدًا مباشرًا لمفهوم الطفرة، ويمكن أن ينسفها ‏لولا تمسك التطوريين بها؟!‏

السرطان، هل ينشأ من طفرات في الجينات أم من تغير في نشاط الجينات؟!

كان ملحوظًا للعلماء منذ القرن العشرين أنه قد تحدث حالات ترجمة للشفرة الوراثية التي تحملها الخلايا بطريقة مختلفة عن المعتاد، وكان يتم ‏عزوها إلى ‏‏الطفرات، والسرطان هو أكثر الأمراض التي طالما أُشير لأثر الطفرة في نشوئها.

السرطان في حقيقته هو خلل في ضبط الانقسام الخلوي؛ فمن المعروف أن الخلايا السرطانية تنشأ عندما تنقسم خلايا يتميز انقسامها بالانتشار غير المنضبط، والتي يفقد الجسم السيطرة على انقسامها، على العكس من انقسام الخلايا الصحيحة والذي يتحكم فيه الجسم.

ويستلزم العلاج التدخل الطبي لإزالة جميع خلايا الورم السرطاني جراحيًا أو قتلها بالعلاج الإشعاعي أو الكيميائي، لأن بقاء خلية واحدة من تلك الخلايا كفيلة بالانقسام مجددًا وتكوين الورم مرة أخرى.

كان يُعتقد أن السرطان يحدث نتيجة عدة أنواع من الطفرات:

  • طفرة أولية في أي من الجينات المسرطنة الأولية Proto-oncogenes، والتي تم التعرف على أكثر من 50 جين منها. هذه الجينات افتُرض أنها تتحول إلى جينات مسرطنة مسببة لحدوث بداية الورم عند حدوث الطفرة بها.
  • كما افتُرض حدوث طفرات في بعض الجينات التي تكبح أي نمو عرضي للخلايا؛ مما يجعل الانقسام غير المنضبط يستمر، وتنتج خلايا سرطانية معيبة ابتدائية.
  • ثم تحدث طفرات متعاقبة في الخلايا السرطانية التي تنقسم بالآلاف من بعضها البعض أثناء تكون الورم؛ ‏حيث كان يُعتقد في ضوء نظرية الطفرات أن الخلايا السرطانية تغير تركيبها الجيني، بما يجعل كل خلية في الورم مختلفة تمام الاختلاف عن الخلايا الأخرى نتيجة الطفرات التي تحدث لها جميعًا، مما يجعل علاج السرطان صعبًا للغاية، خاصة عندما يتأخر علاجه ويزيد حجم وعدد تلك الخلايا.

وقد افترض العلماء في ظل نظرية الطفرات في الآونة الأخيرة أن نشوء جينات الورم الأولية يكون بسبب حدوث طفرة في مستقبلات عامل من عوامل النمو –الذي تنتجه جينات الورم الأولية-؛ بحيث يصبح نشط دائمًا. واعتبروا هذا التغير في النشاط الجيني طفرة سائدة.

كما اعتبروا تعطّل بعض الجينات التي تكبح أي نمو عرضي للخلايا وتوقف نشاطها الجيني هو نوع آخر من الطفرات لكنه طفرة متنحية، فأي جين من الجينات الكابحة لتكون الورم السرطاني لا بد أن يفقد كلا زوجي ‏الجين قدرته على كبح نمو الخلايا السرطانية كي يحدث السرطان.

فلطالما اقترح منظرو الطفرة أن أي تغير في التعبير الجيني، بالتنشيط أو التعطيل، لا شك ناتج عن تغير في شفرة الجينوم، أي أن تركيب الجينات ذاتها يتغير، ‏لكن بعد الاكتشافات الأخيرة في علم فوق الوراثة، والتي أثبتت أن التغير في التعبير الجيني لا يلزم منه أن تركيب الجين ذاته قد تغير، أصبح ولا بد أن يثور السؤال الآتي:

هل الجينات تتطفر ويتغير تركيبها الجيني فيحدث السرطان كما كان يُعتقد، أم أن العوامل فوق الوراثية (البيئية) تُنشِّط بعض الجينات التي يُشك أن لنشاطها أثر مُسرطن؟ كما قد تُعطِّل نشاط الجينات التي يرتبط نشاطها بمنع حدوث السرطان؛ الجينات التي تكبح أي نمو عرضي للخلايا والمصححة للانقسام؟

بمعنى أن العوامل فوق الوراثية كالتدخين والأشعة فوق البنفسجية تجعل الجينات تقرأ الشفرة الوراثية بشكل سيئ، بالرغم ثبات الشفرة وعدم تغير الجين، وتغير التعبير الجيني وحسب، فتنتج بروتينات سيئة، وتتكون الخلايا السرطانية.

الجينات المانعة والمصححة للسرطان

كان يُعتقد أن الخلايا السرطانية تنمو بالانقسام الخلوي غير المنضبط، بسبب حدوث طفرة في بعض الجينات التي تكبح أي نمو عرضي للخلايا (الجينات المانعة للسرطان). من أمثلتها وأهمها جين يُطلق عليه P53. وبالتالي كان يُنظر إلى الخلايا السرطانية على أنها خلايا متطفرة.

هذا الجين P53 مسؤول عن إنتاج بروتين يحمل نفس الاسم، وظيفته التحقق من سلامة الحمض النووي DNA وعدم تعرضه لأي ضرر أثناء الانقسام الخلوي، فإذا اكتشف هذا البروتين وجود ضرر لحق الحمض النووي فإنه يوقف الانقسام الخلوي، ويُحفز نشاط الإنزيمات الخاصة بإصلاح الضرر، ولا يسمح باستئناف الانقسام الخلوي إلا بعد تمام الإصلاح. وفي حال تعذر إصلاح الخلل في DNA، فإن هذا البروتين يرسل إشارات إلى الخلية لقتل نفسها.

فنظرًا لوجود آليات للإصلاح الذاتي للخلايا تعتمد على تلك الجينات التصحيحية فإن ظهور أية خلية من الخلايا السرطانية النامية بشكل عشوائي يتم اكتشافه، ومن ثم يتم إصلاحها أو تدميرها حال ظهورها قبل أن تتحول إلى ورم كامل؛ حيث تُرسل الجينات التصحيحية تعليمات لقتلها؛ لأن وجود خلية واحدة معيبة يمكن أن يُشكل ورمًا سرطانيًا به ملايين الخلايا المعيبة في حال استمرار انقسامها.

وهناك دراسات عديدة درست آليات الإصلاح الذاتي في الخلايا، وكانت جائزة نوبل الأخيرة في الطب عام 2016 من نصيب أحد الأطباء الذين بحثوا في تلك الآليات، وحدد الجينات الضرورية للالتهام الذاتي.

لكن مع وجود تلك الآليات في خلايانا، يحدث السرطان أحيانًا، وفي العقود الأخيرة صار يحدث كثيرًا، وهذا يدل على أن آليات الإصلاح الذاتي لم تعد تقوم بدورها كما يجب. وفقًا لنظرية الطفرات المسببة للسرطان لم يكن هذا مفهومًا تمامًا، لكن في ضوء المكتشفات الحديثة في علم فوق الوراثة يمكن تفسير ذلك بأن الجينات التصحيحية قد تم تثبيطها وصارت على الوضعية off، فلم تعد تنشط لأداء دورها، ولا شك أن لظروف نمط الحياة الحديثة أثرها على تثبيط عمل الجينات التصحيحية وتثبيط كبحها أي نمو عرضي للخلايا ابتداءً، مثلما أن لها أثرها في تنشيط الجينات المسرطنة.

ووفقًا لنظرية الطفرات اعتُبر التدخين والتعرض لأشعة الشمس خاصة فوق البنفسجية عوامل خطر تسهم في إحداث الطفرات المسببة للسرطان، ولكن في ضوء مكتشفات علم فوق الوراثة فهي عوامل تؤثر بشكل سلبي على التعبير الجيني لتنشطه أو تثبطه وتغير نواتجه، محدثة لنا المرض دون أن يتغير التركيب الجيني للخلايا.

إن زيادة أعداد حالات مرضى السرطان والأمراض النفسية وكثير من الأمراض التي شاعت في عصرنا كالألزهايمر دليل على وجود مسببات لها في نمط حياتنا المعاصر.

تزايد الاعتراف بالمؤثرات فوق الوراثية على حساب الطفرات

في العقد الأخير تزايد الاعتراف بالمؤثرات فوق الوراثية كمسبب للأمراض خاصة السرطانات بأنواعها، والتقليل في المقابل من قيمة الطفرة التي كان يُنظر إليها طوال قرن كامل كمسبب وحيد للسرطانات.

في كتابهما ذائع الصيت “الجينات الفائقة” كتب تانزي وشوبراTanzi and Chopra ‎

” 5% فقط من المرض يتعلق بالطفرات الجينية وهي حتمية تمامًا، في حين أن 95٪ يمكن أن يتأثر بالنظام الغذائي، والسلوك، والظروف البيئية الأخرى. لكن النماذج الحالية للرفاه تتجاهل إلى حد كبير الجينات، إلا أن الدراسات أظهرت أن برنامج تغيير نمط الحياة الإيجابي يغير من 4000 إلى 5000 نشاط جيني مختلف”.

In Super Genes they write: ”Only 5% of disease-related gene mutations are fully deterministic, while 95% can be influenced by diet, behavior, and other environmental conditions. Current models of well-being largely ignore genes, yet studies have shown that a program of positive lifestyle changes alter 4,000 to 5,000 different gene activities.”

ويعتقد العديد من علماء البيولوجيا السرطانية حاليًا بأن مثيلة الحمض النووي DNA، وهي عملية تقوم فيها الإنزيمات بتثبيت مجموعات الميثيل على الجينات وعرقلة نشاطها، وما يسمى بالتغيرات فوق الوراثية الأخرى، قد تكون ذات أهمية مثل الطفرات الوراثية في إحداث السرطان.

Many cancer biologists have come to think that DNA methylation, a process in which enzymes tack methyl groups onto genes and block their activity, and other so-called epigenetic changes might be as important as genetic mutations in causing cancer.

نلاحظ من تلك النقول السابقة أنه قد أصبح للمنظور فوق الوراثي اعتبارًا وقيمة كبيرة، لكن في المقابل لا زال هناك من يراهن على حدوث تغير في بنية الحمض النووي ذاته، وإن كانت تغيرات صغيرة، بما يعني حدوث طفرات، وليس مجرد تغير في التعبير الجيني، كما أنه لا زال هناك من يعتبر أن تعطيل الجينات أو تنشطيها استجابة للبيئة هو شكل من أشكال الطفرات الجينية!

في معهد أبحاث السرطان في بريطانيا، أُجريت دراسة جينية كبيرة عام 2013، أخذ الباحثون عينات من مرضى أنواع مختلفة من السرطانات (سرطان الرئة، وسرطان الجلد، وسرطان المبيض) للبحث في جينوماتهم عن آثار للطفرات السرطانية المفترضة. وفقًا للأطباء المشاركين في الدراسة فقد كانت هناك شواهد على الضرر في الحمض النووي، لكن الباحثين أيضًا لم يستطيعوا تجاهل تأثيرات البيئة الواضحة على الحمض النووي للمرضى، فقد كان واضحًا آثار التعرض للأشعة فوق البنفسجية على جينوم مرضى سرطان الجلد، وآثار التعرض للتدخين على مرضى سرطان الرئة. الأهم أن القدرة على إصلاح الحمض النووي كانت مفقودة لدى هؤلاء المرضى.

يمكنني القول أن نتائج الدراسة الأخيرة وإن لم تستبعد وجود الطفرة تمامًا، بل على العكس كانت تبحث عن شواهد تؤيدها، فإنها قد أثبتت آثار العوامل فوق الوراثية في إحداث السرطان، والتأثيرات السلبية لبعضها على نشاط الجينات التصحيحية لدى مرضى السرطان.

كذلك، وفي تقرير علمي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية bbc عام 2014 اعتبر العلماء البريطانيون المشاركون في الدراسة أن إيقاف عمل أحد الجينات، ويعرف باسم (POT1 )  وهو اختصار (Protection of telomeres1)، ما هو إلا طفرة جينية! وافترض الباحثون أن الطفرات في هذا الجين تؤدي إلى إلحاق الضرر بالكروموسومات الوراثية، وهو ما يرتبط عمومًا بتكون السرطان.

وهذا الجين هو المسؤول عن الحفاظ على منطقة التيلومير، وهي منطقة الذيل في الكروموسومات أو ما تُسمى بالقطع النهائية، ولها أهمية كبيرة في عملية تضاعف الحمض النووي، ولو كانت غير موجودة أو غير سليمة لحدث فقدان لمعلومات وراثية مهمة، واختل عمل الخلايا والبروتينات الناتجة من شفرتها الوراثية. ولكن هل وقف نشاطه يعتبر طفرة؟!

كما توجد علاجات وقائية لمنع عودة السرطان تعتمد على تقنيات فوق الوراثة، مثل بروتين (B-RAF) الذي يُثبِّط الجينات التي يمكن أن يؤدي نشاطها إلى سرطان الجلد، ويشارك هذا البروتين في إرسال إشارات داخل الخلايا تسهم في توجيه نمو الخلايا بشكل سليم. هذا البروتين من المفترض أن ينتجه جسم الإنسان السليم طبيعيًا، من خلال جين يُعرف باسم BRAF gene.

وقد أشارت دراسة عام 2002 إلى اختلاف نشاط ذلك الجين لدى مرضى بعض أنواع السرطان، كسرطان الجلد، واعتُبر هذا الاختلاف في النشاط الجيني طفرة، كما اعتُبر توريث تلك الاختلافات التي اعتُبرت تطفرات في جين BRAF مسببة للعيوب الخلقية منذ الميلاد. باختصار، لم يُنظر إليها وقتها كتغيرات في التعبير الجيني أدت إلى وقف نشاط ذلك الجين، هذه التغيرات يمكن أن تورث رغم عدم تغير تركيب الجين ذاته، وهو الاتجاه التفسيري لكثير من العلماء حاليًا الذين يتبنون المنظور فوق الوراثي، لكن لا زال هناك من يتبنى في المقابل نظرية الطفرة، خاصة البيولوجيين التطوريين.

إن فهم العلماء للطرق التي يمكن أن يُنظّم بها الجين الواحد للتعبير عن بروتينات مختلفة، والتي يتعطل بها فيتوقف نشاطه تمامًا أو يقل، ‏لا زال ضحلًا وفي بداياته، ولكن من الواضح أن مفهوم الطفرة كما عُرف إلينا طوال ‏القرن العشرين في طريقه للتعديل ما لم يُنسف تمامًا في ضوء ما يستجد من دراسات؛ لأن الطفرة تفترض حدوث تغير في الصفة على ‏مستوى الطُرز الجيني للفرد يُعبَّر عنها من خلال طُرزه المظهري، ‏بينما وفقًا للمعطيات من الدراسات الحديثة في علم فوق الوراثة فإن:

أغلب الحالات التي اعتُبرت قديمًا طفرة قد تأكد أن الأمر لا يعدو فيها إنتاج بروتين مختلف من خلال ‏نفس الجين الذي لم يتغير، أو تنشيط جين معطّل، أو تثبيط جين نشط، وهو ما يخرجها عن توصيف الطفرة.

لكن، لا زال العلماء ينظرون إلى التشوهات الخلقية على أنها ظهور صفات غير مناسبة ‏للنوع في التركيب أو الوظيفة أو كليهما، ولكن كيفية ترجمة الجين للشفرة بحيث تنتج ‏تشوهًا لم تعد واضحة بعد تأكد تولد بروتينات مختلفة من جين واحد وكل منها ‏لا يحدث تشوه. فما الذي يحدث التشوه؟!!‏، وهل هذه فقط هي حدود الطفرة التي يمكن أن تحدث في بنية الجين ذاته، لينتج عنها جين غير سليم؟! ولكن أليست هذه الحدود لا تتماشى إطلاقًا مع افتراضات نظرية التطور التي تفترض تغيرًا على مستوى الجين ذاته يكون أفضل ليتم انتقاؤه طبيعيًا بعد ذلك، وبتوالي تلك العملية تنشأ أنواعًا جديدة؟!

فإن كان تقبل وجود الطفرة كمسبب للأمراض صار محل شك أو تقليل، فما بالنا بتقبل توريث الجينات المطفرة كما تفترض نظرية التطور؟!، والتي تُصر على أنها جينات أفضل وليست معيبة، وتمثل إضافة جينية لم تكن موجودة مسبقًا في جينوم النوع الحي، علمًا بأننا لم نر ما يمكن أن يُستدل به على ذلك في أرض الواقع!

خاتمة

إن هذا التصور بعدم وجود تلك الطفرات المدّعاة القابلة للتوريث هو ضربة قاصمة للتطوريين الذين حاولوا تفسير التنوع الهائل في الصفات الوراثية في الأنواع الحية بحدوث ‏طفرات جينية، تحمل معلومات جينية جديدة، مسؤولة عن صفات جديدة، تم توريثها، وبتراكمها نشأت أنواعًا جديدة، وذلك للرد على علماء الوراثة الذين أكدوا أن الصفات المكتسبة لا تنتقل ‏للأجيال الجديدة.‏

وبعد أن ثبت أن التغيرات التي تطرأ على جينومات الأنواع الحية لا تحدث في بنيتها، بل تأكد أن أغلبها لا يعدو كونه تغيرًا في التعبير الجيني، ولا زال البحث جاريًا، فهذا دليل على ثبات الشفرة الوراثية لكل نوع من الأنواع الحية، ويعني أنه حتى الآلية الوحيدة التي كانت مفترضة لحدوث تغير جيني قد يمثل إضافة جينية، وهي الطفرة، صارت مشكوكًا فيها من الأساس.

وأتساءل: ألم يكن من المفترض أن يسقط مفهوم الطفرة كما تعرف لدينا طوال القرن العشرين بعد كل هذه الاكتشافات المذهلة والتي لا زالت تتوالى؟

منطقيًا، الإجابة نعم، ولكن على أرض الواقع لا ولن يسقط، لأن نظرية التطور كلها قائمة على فكرة التبدل المزعوم في الشفرات الوراثية وتكوين مادة وراثية جديدة بفعل التضاعف الجيني ثم الطفرات الصغيرة الحادثة في نطاقاته، لذا يجب الإبقاء عليه. ولن أستغرب مطلقًا من أي تبجح للتطوريين بالتعامل مستقبلًا مع علم فوق الوراثة على أنه تأكيد على إمكانية حدوث التطور!؛ فالالتفاف على كل ما يستجد في البحث العلمي ويناقض نظريتهم هو ما اعتدناه منهم.

نتابع في الحلقة الثالثة “علم فوق الوراثة (3).. هل ينسف مفهوم التطور الصغروي؟!‏” لنستقريء معًا تأثير المستجدات المستقاة من علم فوق الوراثة؛ خاصة ما يخص الجينات المُعطَّلة الموجودة في جينومات الأنواع الحية، والتي تنشط أحيانًا تحت ظروف بيئية خاصة، على استدلال التطوريين‏ على حدوث التطور بما اصطلحوا على تسميته بالتطور الصغروي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد