يعتقد كثير من الناس أن الصرع هو في الأساس مس شيطاني قبل أن يكون مرضًا له أسبابه الطبية. والأمر مثير عندما يتعلق بتاريخ الصرع، وتطور الاعتقاد في أسبابه. بدايةً من أنه فعل الشيطان أو أنه انتقام الآلهة، إلى كونه نشاطًا كهربائيًا زائدًا، واضطرابًا في وظيفة المخ نتيجة تغيرات كيميائية على مستويات مختلفة.

والغرض من هذا المقال تسليط الضوء على الصرع، وكيفية التعامل مع المرض في العصور الوسطى، وكيف تأثر المصابون بطريقة التفكير الخرافية، التي رسختها الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت.

والذي أدى بالأطباء إلى الاستسلام لفرضية استحواذ الشيطان على جسم الإنسان أثناء نوبة الصرع. فكلمة (epilepsy) مشتقة من الكلمة الإغريقية (epilepsia) والتي تعني (يستولي على)، واستمر الأمر حتى قرب نهاية القرن الرابع عشر (بداية عصر النهضة)، حيث تحرر الأطباء من سيطرة الفكر الديني، وبدأ عهد جديد مع المرض؛ بوضع أطروحات جديدة لتفسيره.

الصرع قديم بقدم الإنسان، وربما كان الأمر أقرب للعلم منه إلى الخرافة قبل العصور الوسطى، وسيطرة الكنيسة على الوعي؛ فنجد أبقراط في مقالته عن المرض المخيف يصف أعراض الصرع ــ وهو أول من فعل ذلك ــ ويرفض اعتبار المرض مسًّا شيطانيًا أو فعلًا إلهيًّا؛ إذ يقول «إن هذا المرض ليس إلهيًا أكثر من أي مرض آخر، وهو قابل للشفاء نفس قابلية الأمراض الأخرى». بمحازاة هذه النظرة الموضوعية للمرض كانت هناك النظرة الخرافية، والتي سيطرت على الوسط الطبي على مر الزمن، حتى بلغت ذروتها في العصور الوسطى بمباركة الكنيسة؛ حيث لا صوت يعلو فوق صوت الخرافة.

نجد أيضًا أن «جوان دارك» لاحظ ازدياد النوبة نتيجة الأصوات والأضواء العالية؛ مما رسخ عنده أن الأمر يتعلق بأصوات القديسين وأنوار الملائكة.

وتم اعتبار الصرع من الأمراض المعدية، والذي ينتقل بفعل الشيطان عن طريق التنفس والكلام، فقاموا بعزل المرضى في مستشفيات بعيدة عن المدن، وتعاملوا معهم كمرضى الجذام. كانت هذه الأمور تنتشر بين الكاثوليك.

ولكن الأمر أكثر غرابة بين الوثنيين؛ إذ إنهم اعتقدوا أن نوبات الصرع انتقام إلهة القمر؛ حيث يقوم القمر بتسخين الغلاف الجوي للأرض، مما يؤدي إلى إذابة الدماغ البشري من أثر الهجوم؛ فتحدث النوبة.

واعتقد القديس «سانت هيلدغارد» (1098-1179م) أنه نتيجة انعدام الأخلاق، وأن انتقام الرب يأتي على هيئة توقف حركة الدم؛ فتحدث النوبة.

كما أن الكنيسة ربطت الصرع بالقديس يوحنا المعمدان، والذي قُطعت رأسه على يد هيردوس، وسقطت على الأرض فكان هذا السقوط إيذانًا بحدوث المرض؛ فسمي الصرع لفترات طويلة «مرض القديس يوحنا».

كان الأمر أفضل قليلًا في بيزنطة؛ حيث قام أطباء بيزنطة بتصنيفه مرضًا غير معدٍ، وتم تسجيل كثير من الحالات المثيرة في ذلك الوقت. واعتقد الطبيب «أوريباسيوس» (320-400م) أن نوبة الصرع لها علاقة بالبلغم، لكنه لم يغفل تأثير العوامل الخارجية مثل القمر والمناخ على الدماغ.

وفي القرن السابع في مقال «اثني عشر كتابًا عن الطب» للطبيب ألكسندر (525-605م) قال إن الصرع هو اضطراب في الدماغ، لكنه لا يزال يقترح الحل السحري علاجًا، ورفض الإجراءات المتطرفة كعمليات التربنة، واعتبرها عقابًا وليست علاجًا.

على الجانب الآخر كان للأطباء العرب بعض الآراء المهمة في الأمر؛ حيث قام «أبو بكر الرازي» (865-925م) بوصف ثلاث حالات للمرض، ووضع «أبو القاسم الزهراوي» (936-1013م) خمسة أسباب للمرض، أربعة منهم تتعلق بالمزاجات (نفسية)، وواحدة غير معروفة أرجعها إلى قوى خارجية (إبليس)، أو الشيطان في الطرح الإسلامي، كما أنه سجل حالات صرع تعاني من الهلوسات البصرية سواء كانت جنسية أو أشباحًا، وقد استخدم أبو القاسم الكي في علاج الصرع، حيث كان يضع الحديد الساخن على عدة أماكن في الرأس.

وكان لعلي ابن العباس (أواخر القرن العاشر الميلادي)، والمعروف باسم المسعودي، دور في تسجيل حالات صرع بعد كسور بالجمجمة، وفسره نتيجةً لتهتك نسيج المخ.

ومن الشخصيات التي برزت في هذا المجال: قسطنطين الأفريقي (1020-1087 ميلادية) ــ مترجم النصوص الطبية اليونانية ــ فقد كان ينصح الآباء والأمهات بمصاحبة مريض الصرع إلى قداس الجمعة والسبت، وقد لاحظ التشابه بين الصرع والجنون والمس الشيطاني، واقترح تعليمات محددة لتمييزهم؛ حيث وضح إذا كان المريض مصابًا بمس شيطاني، فإن الكلمات كفيلة بأن تُسقط الممسوس أرضًا، ويدخل الشخص بحالة شبيهة بالموت ثم يستيقظ، ومن ثم يمكنه الاستجابة الطبيعية فور استيقاظه. لكن هذا الأمر لا يحدث في حالة الصرع، فلا يسقط المريض ولا يستجيب للعلاج بالكلمات.

وفي نهاية الحديث عن العصور الوسطى، يجدر الإشارة إلى الحالة المثيرة التي وصفها طبيب برتغالي شهير في القرن الرابع عشر الميلادي، رجل دخل في ثمانِي نوبات صرع بعد جرح اخترق الجمجمة إلى أغشية المخ، لكنه توفي بعد ذلك رغم تلقيه العلاج.

ويعتبر عصر النهضة الأوروبية (القرن 14-17) هو البداية الحقيقية لفهم طبيعة الصرع؛ حيث برز المنهج العلمي، وتقلصت وجهات نظر الأسلاف؛ بالدفع بكثير من الآراء العلمية حول المرض، وهو ما سيتم عرضه لاحقًا.

وأخيرًا، فإذا كانت هذه الرؤى مقبولة في عصرها، فهي بالتأكيد غير مقبولة الآن.

والتي ــ للأسف ــ تنتشر في مجتمعاتنا؛ حيث الجهل والخرافة لا يزالون مسيطرين على تفكير قطاعات كبيرة من المجتمع، لذلك نجد أن مريض الصرع يعيش داخل عزلة اجتماعية، رغم أن الصرع مرض عضوي يصيب الإنسان كغيره من الأمراض، ويمكن لمريض الصرع التعايش مع مرضه بشكل طبيعي، نجد بعض الأسر تعمل جاهدة على جعل المرض في طي الكتمان والسر؛ تجنبًا لتلك النظرة الاجتماعية الخاطئة والناتجة عن خرافات بعيدة كل البعد عن حقيقة المرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصرع

المصادر

Hippocrate (1849) De la maladie sacrée, Livre 6. In: Littré E (ed) Oeuvres complètes d’Hippocrate. Baillière J-B, Paris, p 364
Abulcasim (1778) De chirurgia. In: Channing J (ed) De chirurgia, vol I. Oxford, p 31
Abulcasim (1519) Liber theoricae nec non practicae Alsaharavii, qui vulgo Acararius dicitur. Augsburg, fol. 34
Ali Ibn Abbas (1523) Theorica, IX, 6. In: Liber totius medicine necessaria continens quem sapientissimus Haly Filius Abbas …. edidit, regique inscripsit, unde et regalis, dispositionis nomen assumpsit. Lyon, fol. 103
Africanus C (1536–1539) De communibus medico etc. IX, 7 vol 2. In: Opera. Basel, p 247
عرض التعليقات
تحميل المزيد