المساواة لا تعني العدل في بعض الاحيان! بل إن المساواة ليست في تساوي الحقوق والواجبات في بعض الأحيان !قد يكون هذا كلاما مبهماً و مسبباً لاختلاط الكثير من المفاهيم والقناعات ، ولكن إذا أمعنا النظر والتفكير ثم التحليل جيدا فستتضح الأمور كثيرا.

 

على سبيل المثال وليس الحصر، إذا تمعنا في قضية هي من أكثر قضايا العصر التي نالت اهتماما وبحثا وأصبح لها مناصرين يستميتون لتغيير مفاهيم ومعتقدات الناس عن قضيتهم وهي قضية “الـ Feminism” ، حيث يدعو مناصرو هذه القضية إلى المساواة بين الرجل و المرأة في كل شيء: فيكون لهم نفس الحقوق و نفس الواجبات.

 

دعونا الأن نتأمل هذه القضية من جديد، ولكن في ضوء مضمون مقالتنا هذه، جميع الديانات السماوية جاءت تدعو إلي ما تميل له فطرة البشر ـ الفطرة الخيِّرة ـ من عدل و حرية و مفاهيم أخرى كثيرة منها أيضا المساواة، وكثير من الفلاسفة والمفكرين والحكماء أيضا تفكروا وناقشوا هذه الفِكَر و توصلوا إلي أن تنفيذها سوف يصحب الخير للبشرية، وهذا إن دل فإنما يدل على حتمية ووجوب تنفيذ هذه المعاني، فإنها مفاهيم نزلت بنزول الديانات السماوية وهو ما أوجب صحتها وتنفيذها، كما أنه تمت مناقشتها من قبل البشر أنفسهم أيضا واتفق على  وجوب تنفيذها الحكماء والعاقلون.

 

إذا فعندما نتكلم عن المساواة، فإننا نعلم أنها من المفاهيم التي إذا تحققت تحقق معها العدل وبالتالي يتحقق الاستقرار، فكيف إذن يقال إن تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة لا يعني بالضرورة تحقيق العدل!

 

ببساطة شديدة لأن الخطأ في فهمنا نحن لكلمة المساواة والعدل، فالمساواة بين الرجل و المرأة لا تكمن في تساوي الحقوق والواجبات؛ لأن كل مخلوق له خصائصه وصفاته الخاصة وبالتالي ستختلف متطلبات ومقدرة العطاء عند كل مخلوق لاختلاف خصائصهما، لذا حين تساوي بينهما في الحقوق والواجبات فهذا ليس من العدل في شيء؛ لأنك قد تطلب من أحدهما ما يفوق طاقته أو ما لا يستطيع عمله بحكم “كلٌ مُيَسر لمَا خُلِق له”، ولكن العدل أن تطلب من كل منهما من الواجبات ما هو في قدر استطاعته و تعطي له من الحقوق ما يُكمل فطرته و خصائصه بلا زيادة أو نقصان.

 

وهذا لا يتنافي مع المساواة حيث إن المساواة هي أن تكون نظرتك للاثنين سواء ، فليس أحدهما في مكانة أعلى أو أدنى من الآخر، بل إنهما مخلوقان من مخلوقات الله اللذان أنعم الله عليهما بنعم كثيرة وأكرمهما ورفع من شأنهما فليس لأحد مكانة أعلى من الآخر فإذا نظرت الآن هذه النظرة في المساواة من حيث المكانة والمنزلة لن تفرق بينهما وقت توزيع الحقوق و الواجبات.

وهناك فرق بين تساوي الحقوق والواجبات وتساوي “قيمة” الحقوق والواجبات و هذا هو مربط الفرس ، فالمساواة لا تكمن في أن يكون للرجل نفس حقوق المرأة أو أن تكون للمرأة نفس واجبات الرجل، ولكن يكمن ذلك في تساوي قيمة ما تعطيه للرجل بقيمة ما تعطيه للمرأة وفقا لخصائص و احتياجات كل منهما.

 

فإذا أردنا تطبيق نظرية المساواة بين الجنسين من حيث مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بشكل مطلق، وليس المساواة في “قيمة” الحقوق والواجبات، فإنه إذا طالب أحدهم بأن تكون نظرة المجتمع وتساهله مع عمل المرأة كالرجل، ولا فرق بينهم في ذلك من حيث المبدأ ذاته أو حتى طبيعة العمل، وأنه لا أفضلية للرجل على المرأة في هذا الموضع، فعلينا من العدل أن نفعل نفس الشيء مع الرجل ولا نعطي للمرأة افضلية عليه في موقف مثل الزواج أو الطلاق، فلماذا يدفع الرجل المهر في الزواج إذن لو كانا متساويين في الحقوق والواجبات؟ و لماذا يدفع المؤخر والنفقة في الطلاق إذا كانت لها الحق في أن تعمل وتنفق على نفسها، لماذا واجب الانفاق على الأسرة على عاتق الزوج إذا كان لكل منهما الحق في العمل و أنهما سواسية؟

 

والإجابة على كل تلك الأسئلة يرجع إلي فهمنا الخاطئ لكلمة المساواة، فكما قلنا تجب المساواة في “قيمة” ما يعطى من الحقوق وما يُطلب من الواجبات، بمعني أن العمل هو حق للمرأة يمكنها استخدامه ولا يوجد في الدين شيء يمنع المرأة من العمل، على العكس كانت هناك نساء لهن وظائف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كرفيدة التي أشرفت على مداواة المصابين في غزوة الخندق و نماذج أخرى في عهد الخلفاء الراشدين.

 

أما العمل بالنسبة للرجل فهو واجب عليه تنفيذه، فإذا استطاعت المرأة تأدية واجبتها كاملة دون التقصير فيها كان من حقها العمل، وليس العكس لأنه حق لها وليس واجب عليها و الصحيح أن الإنسان يكمل واجباته أولا ثم يطالب بحقوقه، وإذا نظرنا للرجل فإن العمل من واجباته فعليه أولا أن يكمل واجباته وينفق على أسرته ثم يطالب بحقوقه كحق اهتمام الزوجة به أو حق حفظ بيته أو حق مشاركة الأم في تربية أولاده بشكل سليم.

 

ولذا فان المعني الحقيقى لتطبيق المساواة هو في تحقيق العدل، وإذا تحقق العدل تحقق الاستقرار، و إذا غاب هذان غاب تطبيقنا الصحيح للمساواة، وبالتالي ستكون سببا في الجور على رفيقها العدل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد