قال عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902) في كتابه الشهير (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد): «تحتاج المجتمعات، لكي تحفظ كرامتها ويسودها العدالة، إلى أناس شعارهم التضحية وقول الحق مهما كلف ذلك، لأن استمرار الاستبداد داء عضال تنتج عنه أمراض اجتماعية عديدة في كافة ميادين السياسة والتربية والاقتصاد وغيرهم». كان الرجل من فرسان ذلك الزمن الذين واجهوا الاستبداد، حتى دفع حياته مسمومًا، وسُرقت أواخر أعماله واختفت، بعد حياة كافح فيها من أجل أفكاره وفروسيته.

ليس الكواكبي فريدًا في موقفه، بل يحفل تاريخنا الحديث بنماذج عظيمة، دفعت ثمن مجابهة الاستبداد وحيدة، ولم يشاركهم أحد في تلك الأثمان غير عوائلهم، وبعض المخلصين لهم. فيخرج لنا كل حين أحد هؤلاء الفرسان والفارسات لينيروا ظلام القبح، مذكرين إيانا أن ما نعيشه من ركامات الاستبداد ليس منطقيًا وليس من طبيعة الأشياء. لكن سريعًا ما يلبث أن يعم القبح وتسيطر علينا قوانينه، ليصبح مع الأيام مقبولًا، بل يُنعت كل ما كان قبله من نبل بالغرابة، ويتحول من يظل متمسكًا بمجابهة ذلك الظلام، كفارس يتكلم لغة لا يعيها أحد، ولا يهتم بها غير من هو مثله من فرسان يقاومون بحار من القبح لا تنتهي، تعتاد فيها أعيننا وعقولنا على سوءات تميت آدميتنا وتدفنها، فنتلاءم مع وجود فقراء يتسولون الحياة بكل مفرداتها، ولا يهتز لنا رمش والسيدات يحاربن السير في الطرقات دون أن يتعرض لهن أحد، وتصبح مهنة التدريس مهنة من لا مهنة له، ويتحول الطبيب إلى جزار يتصيد زبائنه، ويتحول العمال والخدم إلى رقيق ليس من حقهم التقاط أنفاسهم للراحة، ويصبح السباب والفحش والتفاهة والرشوة من خيوط نسيج حياتنا، وتتكاثر الدمامة لتولد لنا في كل زاوية بشاعة جديدة علينا التأقلم معها، لنتحول إلى أشخاص آخرين لا نستطيع التعرف عليهم، تتوه ملامحنا وتندثر تحت ركامات من البشاعة غير المغطاة السافرة عن وجهها بلا حياء أو تجمل، وتصبح حياتنا قاسية جافة، ويضيع منا فرساننا الذين تركناهم للجفاف وحيدين في صحراء الاستبداد، مثل ما قال الشاعر المصري الكبير رحمة الله عليه، صلاح عبد الصبور (1931-1981) في قصيدته «أحلام الفارس القديم»:

ماذا جرى للفارس الهمام؟
انخلع القلب، وولى هاربًا بلا زمام؟
وانكسرت قوادم الأحلام؟

ليتحول ذلك الفارس القديم إلى قعيد لا يستطيع أن يبرح مكانه، فقد الكثير من كيانه، ويتمنى لو يقايض كل خبراته وتجاربه بيوم واحد من الطهارة والبراءة التي فقدهما.. والغريب أننا نلوم ذلك الفارس ونطالبه بالاستمرار على طهارته وجسارته، وأن يظل وحده شارعًا سيفه معرضًا نفسه وأهله لكل ما هو صعب ومهين، في حين تخلى الجميع عنه، فنتحسر على شبابه الذي قد يضيع من بسالته، أو ننعته بكل ما هو قبيح، حتى نرتاح وننفض عن أنفسنا المشاركة في إثم العذاب الذي يتعرض له، وبعد القضاء عليه، ننعي الدنيا لأنها فقدت الحب والبراءة.

وحتى نعود إلى السير في طريقنا معًا يدًا بيد وجنبًا إلى جنب، خطواتنا متحدة، نسير في اتجاه واضح واحد للعيش في نور من الأمان الحق والحرية، ليس لنا من حل غير برتق الحب الذي انتهكناه ومزقنا كل خيوطه، وأن نحافظ على فرساننا الذين يزيلون ركامات ظلمة الاستبداد، يمدون لحياتنا بريقها، لا أن نلومهم لأنهم أنهكوا واستسلموا للقعود بسبب تخاذلنا، ونطالبهم بأنانيتنا الغاشمة لمزيدًا من الموت والتضحية،

وكما قال صلاح عبد الصبور في نهاية قصيدته «أحلام الفارس القديم»:

فنعرف أن الحب كغصني شجرة
كنجمتين جارتين
كموجتين توأمين
مثل جناحي نورس رقيق
عندئذ لا نفترق
يضمنا معًا طريق
يضمنا معًا طريق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد