ستظل صفحات التاريخ تستقبل كل يوم مغردًا يشدو على أطلالها لحنًا جميلاً رقيقًا من ألحان البطولة والفداء. فهذا شيخ كبير يقف على عتبات القدس حارسًا مغوارًا بجسمه النحيل، يكاد الهرم يثقل ظهره، لكن شموخ العز والإباء يمده بهرمون الشباب، فيقف مرفوع الهامة أمام جحافل من المحتل الصهيوني.

وهذه أم تمسك بأطفالها الصغار، تزرع بأيدها أرضًا سمراء، فتغرس في عقولهم ووجدانهم وقلوبهم ميراثهم القادم، هذا يا أطفالي قدسكم، وهذه مدينتكم، وهذه أرضكم، والأرض عرض والقدس قلب والمدينة حضن ودفء، فلا حياة بلا عرض له قلب وحضن.

وهذا شاب اعتلا جواده، وأخذ يصول ويجول، بلا أرجل تحمله، لكن الشجاعة قدم والكرامة قدم، يحملان كيانًا من العزة والإباء، ويحسبون بقتله برصاص الغدر والخسة قد مات، هيهات هيهات، فاستشهاده حياة، ونسائم أفوله قطرات ندى تعم صباح كل الإنسانية.

وهذه طفلة في عامها السادس بعد العقد الأول من عمرها، تقف مثل جيش عرمرم، تحارب بسيفها ذي الحدين، فها هي تبطش يمينًا، وتبطش يسارًا، وكأن البحر من ورائها والعدو من أمامها، والقدس لواؤها، طفلة تناست كل ألوان المرح، كل أنغام الفرح، حتى شعرها الغجري صار قصائد شعر مدوية، أما ابتسامتها خلف قضبان المحتل، فما أجملها قصة عشق أبدية، تحكي عهدًا لشرق ساد العرب والعجم يا عهد.

يا عهد، خلف أسوار المحتل أنت حرة عزيزة، وابتسمي فابتسامتك خنجر مستل في أعناقهم، ونظرات عينيك ترهبهم، وسكونك فلسفات يحار لها أصحاب العقول، وحذاء قدميك المقيدتين أطهر وأنقى، من أطهرهم. وقيدك الذي حول معصمك وسام الأحرار، تقلده قبلك كل المدافعين عن أوطانهم. فعذرًا إن أوجعاك فذاك دليل انحطاط، وخزي، وعار، لمواثيق وصكوك وعهود من غربهم، لطالما تغنوا أنها للإنسان حقوق.

يا قدس، سيسألك المحتل عن عهد. عذرًا عذرًا. أقصد يا عهد، سيسألونك عن القدس فقولي لهم، أنا وآبائي وأجدادي القدس. والتاريخ القدس. والجغرافيا القدس. والماضي القدس. والحاضر القدس. والمستقبل القدس. فهلموا واقتلونا، أو حرفوا التاريخ، أو غيروا الجغرافيا، أو اجمعوا الحاضر والماضي والمستقبل وألقوهم في غيابات الجب، إن استطعتم لذلك سبيلاً.

يا عهد، سيسألونك عن ديانتك، فقولي لهم أنا كل الأديان السماوية، مسلمة أنا، لكني كنت نصرانية، بعد زمان كنت فيه يهودية، فأنا في الأصل إبراهيمية. يا عهد، سيسألونك عن عمرك، فقولي لهم أنا أقدم عاصمة في التاريخ. يا عهد، سيقولون لكِ لا تحدثينا عن ماضٍ ولى، والقوم كل القوم كزمانك من خلفك قد ولوا، فقولي لهم والله ما ولى ماضٍ ولا قومٍ؛ فبعد الخطاب جاء صلاح الدين وبعدهم جاء أجدادي وبعدهم جئنا، واعلم أيها المحتل أن القوم كل القوم من أمامي ومن خلفي، وما طابت لكم قدس.

يا عهد، سيقولون لكِ استسلمي فنحن الأقوى، فقولي لهم نعم أنتم الآن فقط الأقوى، لكني لست الأضعف، إنما هي كبوات تصاب بها الأمم العظام.

يا عهد عذرًا إن كان الصمت حليفنا، والسكون رايتنا، فغدا سيأتي اليوم الذي نرضيك ونرضي القدس فينا، وهو قادم لا محالة.

فلسطين بطولات لا تعد ولا تحصى، قصص علمناها، وكُثر لا ندري عنها شيئًا، فإذا كانت «عهد» هي النموذج الحقيقي لأطفال فلسطين، فما بالكم بنسائها، ورجالها، وشيوخها.

فالكل في فلسطين مغوار مرابط، لا يدافع عن الأرض المحتلة فحسب، ولا يدافع عن القدس الشريف بشرقه وغربه فحسب، ولا يدافع عن عروبته فحسب، ولا يدافع عن عقيدته فحسب. إنما هم يدافعون عن أنفسهم عن ذواتهم عن كينونتهم، فهذه البقعة من هذا العالم الفسيح اختلط فيها كل شيء، اختلط الإنسان بالزمان، واختلطت الأرض بالسماء، واختلط الماء بالهواء، واختلطت الأشجار بالأحجار، فصار كل شيء جسدًا واحدًا كاختلاط الروح بالجسد. فكيف للجسد أن يحيا بلا روح وكيف للروح أن تسري من غير جسد.

يا عهد، سيظل العالم الحر ينحني لكم احترامًا، ينحني لكم خجلاً، وستظل بطولاتكم وانتصاراتكم، وتضحياتكم وسام عز وفخر، فأنتم من سطرتم بأفعالكم مقولة «لا يركب ظهرك إلا من انحنيت له» وأنتم يا عهد ما انحنيتم أبدًا، فلا تشغلي بالك بالخانعين والمتنطعين والمتطبعين، فالقدس عربية وستظل القدس عربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عهد التميمي
عرض التعليقات
تحميل المزيد