لا أدّعي التعمق في الشأن التركي أكثر من متابعة الأخبار بشكل عام، ولكنني أزعم اهتمامي بشأن الحركة الإسلامية الحديثة والمعاصرة في العالم العربي، ومن ثم بالروافد التي تصب فيها وتؤثر عليها سواء بالمد أو الجزر.

ولا أعني بالعنوان «أردوغان» الشخص أو الإنسان، بقدر ما أعني النهج والفكرة، فـ«أردوغان» الشخص تجري عليه قوانين البشر من الصواب والخطأ، والإجادة والنجاح والفشل، وكذلك الافتتان وسوء التقدير وغيرها من أمراض البشر، «أردوغان» الذي يعنيه العنوان هو رمز للتجربة التركية الحديثة والمعاصرة.

نجا «أردوغان»، أو بالأحرى نجت تركيا وشعبها وتجربتها الديمقراطية المحترمة والرائدة في المنطقة من ويلات انقلاب عسكري غاشم، في ليلة حبست أنفاس العالم، فسهر ينظر مشدوها إلى الملحمة التركية التي يصنعها الشعب ومؤسسات الدولة!

ومن جديد غنّى أحرار العالم لملحمة شعبٍ أبيٍّ نبيل، وفرحوا باندحار الانقلاب في ساعات معدودة، وحق للأحرار حول العالم أن يسعدوا بقدرة شعب على دحر الدبابة أو إيقافها، وشل خطر الطائرة وما ألقت من متفجراتها هنا وهناك.

وفي كل مناسبة سياسية تمر بها تركيا سواء كانت استحقاقا انتخابيا، أو محاولة انقلاب فاشلة، يظل حزب العدالة والتنمية مثيرا للجدل، فهو محسوب

-لدى أنصاره ومناوئيه على السواء- على تيار الإسلام السياسي!

فهل ينتمي الحزب حقا إلى تيار الإسلام السياسي بخصائصه المعروفة في الوطن العربي؟!

في تقديري أن حزب العدالة والتنمية وعلى رأسه «أردوغان» يعمل من خلال مفاصلة فكرية وتأسيسية وإجرائية مع حركات الإسلام السياسي في العالم العربي، رغم إبداء «أردوغان» بعض الوشائج العاطفية، تجاه بعض رموز هذا التيار، لكنها تظل مجرد مجاملات عاطفية ليس لها من تأثير واقعي على سياسات الحزب أو الدولة، إلا فيما يتعلق بالمواقف الأخلاقية والمبادئية، كنصرة المظلوم، وإيواء المشردين، والتعاطف مع المستضعفين، وهي مواقف أخلاقية قيمية، لا تصل إلى مستوى الأيديولوجيا الحاكمة للسياسة، ولا يدعها تؤثر تأثيرا عميقا على المصالح الوطنية، (التقارب التركي الروسي- التركي الإسرائيلي، مؤخرا، مثال على ذلك)، أما مظاهر المفاصلة الفكرية والتأسيسية والإجرائية بين العدالة والتنمية وبين حركات الإسلام السياسي فتبدو أجل مظاهرها في:

1 – الالتزام الواضح بالتخصص السياسي وعدم التورط في مبدأ شمولية الحركة والتنظيم، فالعدالة والتنمية نشأ كحزب سياسي ولم يكن له يوما امتداد شموليا أو جماعة دعوية، ولم يكن ذراعا سياسيا لجماعة أو تنظيم ما، الإسلاميون العرب يعتبرون ذلك التخصص السياسي الصارم اجتزاء من الإسلام واعتداء على شموليته لكل مناحي الحياة، ولا يرون في تصورهم وأدبياتهم -على السواء- سوى شمولية التنظيم الذي يُعتبر كيان دولة داخل الدولة، والواقع أن شمولية الاسلام لا يمكن تحقيقها في الواقع إلا عبر الدولة المتكاملة، والحزب السياسي المتخصص والمحترف للعمل السياسي، هو المؤهل وحده في عالم اليوم للوصول لحكم الدولة، وبالتالي لتطبيق مفهوم الشمول، فمن أراد تطبيق شمولية الإسلام فعليه العمل بطريقة الحزب السياسي المتخصص بعيدا عن التنظيمات الشمولية، وهو ما عمل عليه ونجح في تحقيقه العدالة والتنمية بتركيا.

2-التحرر من الخطاب الدعوي والشعارات الدينية، فالحزب ينفي أن يكون «حزبًا إسلاميًّا» ويحرص على ألا يستخدم الشعارات الدينية في خطاباته السياسية ويقول أنه حزب محافظ[1].

3- احترام دستور الدولة الوطنية وقيمها ومبادئها من خلال قوانينها الحاكمة، من غير مصادمة ثوابتها التي قامت عليها، ولو كانت احترام مبادئ «أتاتورك».

4 – الارتباط بمصالح الدولة الوطنية وأولوياتها (التطور الاقتصادي- دخول الاتحاد الأوربي- تصفير المشكلات الخارجية…)، فالحزب يصنّف نفسه بأنه يتبع مسارًا معتدلًا، غير معادٍ للغرب، يتبنى رأسمالية السوق يسعى لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي[2].

5 – الانطلاق في العمل السياسي من منطقة رؤية مختلفة تماما، وفق نصيحته التي قدمها للإسلاميين أثناء زيارته لمصر عقب ثورات الربيع العربي، إذ حثهم على إقرار النموذج العلماني للدولة، أيا كان مقصده من هذا المصطلح –الصادم- للإسلاميين العرب، سواء عنى به «الدولة المدنية الحديثة»، أو النموذج الغربي للدولة، فإن نصيحته أزعجت الإسلاميين في مصر فودّعوه قائلين: لا تصدّر فكرك إلينا، أنت لا تفهم طبيعة الشعب والمجتمع في بلادنا، في تصريحات شبه رسمية جاءت على ألسنة مسؤولين كبار في الحركة «عصام العريان مثالا»!!

6 – خصومته الشديدة المعلنة لجماعة الإسلام الشمولية في بلاده (جمعية الخدمة- فتح الله كولن) وملاحقتها أمنيا وقضائيا ووصفها بالدولة الموازية، مما يعني رفضه التام لمبدأ شمولية التنظيم داخل الدولة، كما يعني عدم تورطه في المزايدة على الشعارات الدينية والدعوية التي تطلقها هذه الحركات مهما تكن أهدافها ومنطلقاتها، وهي مفاصلة أصيلة مع حركات الإسلام السياسي التي تتصارع في خطابها الأساس على أيها يمثل الإسلام تمثيلا أوفى في مجتمعاتها.

7 – الاختلاف الإجرائي والتطبيقي الجذري مع أدبيات وشعارات وخطاب جماعات الإسلام السياسي، فبعد 14 عاما كاملة في الحكم (2002-2016)، لم تقم الحكومة التركية بأي إجراء مما تنادي به الحركة الإسلامية من مثل:

أ – ملف تطبيق الحدود الإسلامية ب- تقنين الشريعة الإسلامية.

جـ – أسلمة الاقتصاد والحياة المدنية.

د- قيام السياسة الخارجية على نظرية المصالح الوطنية بعيدا عن شعارات المواجهة العقائدية مع الآخر (العلاقات مع إسرائيل نموذجا).

هـ – أسلمة التعليم والثقافة والإعلام والفن والسياحة، والمتابع لما تصدّره تركيا في مجال الثقافة يلحظ ذلك بسهولة ويسر (الإعلامية الشقراء التي أُجبرت على تلاوة بيان الانقلاب، ثم ألقت بيان فشله بعد ساعات في القناة التركية الحكومية مثال على ذلك)!!

محصلة المشهد أن: «أردوغان العدالة والتنمية» لا يمثل ولا يتطابق مع فكر وأدبيات ومرجعيات ومنطلقات حركات الإسلام السياسي، بل هو في حالة مفاصلة حقيقية معها، فهل يسأل الشباب العربي المنتمي للحركة الإسلامية سؤالا يجيب عنه بمصداقية: ماذا سيكون موقفه من قيام حزب وطني عربي يلتزم بكل ما يلتزم به حزب العدالة والتنمية التركي؟ هل سيضعه في خانة العداء؟ أم في خانة الدعوة إلى علمنة الإسلام؟ أم خانة عدم التمثيل الجيد لمبادئ الإسلام؟، ألا يكون موقفنا من حزب العدالة والتنمية بتركيبته التركية إذا قام في وطننا العربي شبيها بموقف جماعة الخدمة-«فتح الله كولن» من «أردوغان»؟!

إن أولى الناس بـ«أردوغان» الأصيل وحزبه المحافظ هم الذين يستطيعون أن يغزلوا على منواله في واقعنا العربي، لا هؤلاء الذين يريدون أن ينسبوا كفاءته إلى منطقتهم الفكرية التي لا ينطلق منها الرجل ولا يؤمن بها من الأساس، إن كنا نحب «أردوغان» حقا ونحترمه ونقدّر مواقفه الأخلاقية والقيمية النبيلة، فهل نحن على استعداد لاستلهام تجربته الفكرية في واقعنا العربي؟ إن استلهام ذات التجربة هو في الواقع الإجابة المكافئة لإعلان النهاية الواقعية لفكرة حركات الإسلام السياسي، أو تطورها الحداثي الذي ربما يبقي على بعض شخوص أفرادها دون أن يبقي على شيء من خطابها ومنطلقاتها الأساسية، فهل أنتم جاهزون؟!

———————————

[1] – من تعريف الحزب في موقع ويكيبديا

[2] – الموقع السابق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أردوغان
عرض التعليقات
تحميل المزيد