اتفاقية لوزان الموقعة عام 1923 كانت الاتفاقية نواة لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة يعتبره البعض حرج تاريخي في خاصرة الدولة التركية الحديثة وتصحيحا لمعاهدة الهزيمة «سيفر»،  إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 أبرمت الدول المتحالفة المنتصرة فيها «معاهدة سيفر» في أغسطس (آب) عام 1920 تقاسمت بموجبها أراضي الدولة العثمانية، وأعطت معظم القوميات غير التركية في الدولة العثمانية استقلالها، ولكن الأتراك رفضوا هذه المعاهدة وخاضوا حربًا شرسة ضد الحلفاء حتى انتصروا فيها، وخاصة على اليونان خلال حرب 1922-1923. وفي أعقاب ذلك عُقد «مؤتمر لوزان» الثاني، وتمخض عنه توقيع «معاهدة لوزان» بمدينة لوزان جنوبي سويسرا. وكانت أطراف المعاهدة القوى الاستعمارية المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولى (بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا)، والإمبراطورية العثمانية، وضعت هذه المعاهدة حدا لإمبراطورية الخلافة العثمانية التي كانت الدول الغربية تسميها آنذاك «الرجل المريض»، وأسست لقيام الدولة التركية القومية الحديثة بقيادة «مصطفى كمال أتاتورك» وعاصمتها أنقرة. وتخلت تركيا بموجب الاتفاق عن 80 % من مساحة أراضي الإمبراطورية العثمانية.

لكن اليوم وبعد مضي 93 عام على توقيع المعاهدة يطالب الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بتعديل اتفاقية لوزان التي رسمت حدود تركيا الحالية كجمهورية مستقلة تنازلت عن حقها في حصر الإرث العثماني  في كل من قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام مقابل التخفيف من أعباء الديون العثمانية عن كاهل الدول الوليدة، لكن ليس مصادفةً أن يطالب الرئيس التركي بتعديل الاتفاقية في ظل الظروف «الإقليمية ـ الدولية» المعقدة وخصوصا في ظل عمق الأزمة السورية والتفتت العراقي الداخلي، وأزمة الإرهاب وداعش واللاجئين وحروب الوكالات وانشغال الوطن العربي بهمومه الداخل، أيضًا خوف تركيا من أن تكون الدولة الثالثة بعد العراق وسوريا خصوصًا بعد محاولات الانقلاب على حكم العدالة والتنمية، أردوغان الذي يحلم باسترداد الموروث العثماني يحاول اليوم المضي قدُمًا نحو إعادة ترسم الحدود التركية مجددًا يذكر هنا أن حزبه العدالة وتنمية يتحدث دومًا عن رؤية ونهضة تركيا في عام 2023 أي بعد انقضاء 100 عام على توقيع اتفاق لوزان كما يقول محللون أن الاتفاق ينتهي في ذلك التاريخ، يأتي ذلك أيضا في ظل الخطة المعدة سلفًا لترسيم حدود المنطقة من جديد لطوائف متناحرة  كما صرح بها الرئيس التركي أردوغان، ما أثار شهوة تركيا لاسترداد ذلك المورث العثماني الجغرافي هو فقدان ثاني اكبر مدينة عراقية، وهي الموصل عام 2014 بعدما سيطر عليها مسلحو «داعش» دون أية محاولة لمقاومتهم، تركيا وبحجة تأمين الحدود ومحاولة حماية التركمان والسنة من خطر الصراع الطائفي والانتقام من قبل الحشد الشعبي العراقي، اليوم تتدخل بكل قواتها من اجل طرد داعش من الموصل وتأمين الشريط الحدودية (حلب ـ الموصل) من خطر الإرهاب، تركيا تحججت، بأنها أحد أطراف التحالف الدولي ضد داعش، ويحق لها الانتشار العسكري في العراق بهدف محاربة داعش، أيضًا مجلس الأمن يعترف بكون تركيا إحدى الدول المتضررة من إرهاب داعش، الذي استهدف المدن التركية وحدودها الجنوبية خلال العامين الماضيين، ما أودى بحياة العشرات من الأتراك. ووفقاً لاتفاقية أنقرة 1926 ومعاهدة لوزان 1923، يحق لتركيا تأمين حدودها بالتدخل العسكري في العراق أو سوريا، خصوصًا أن الاتفاقية تمنح تركيا الحق في المشاركة في أي قرارات تخص استقرار أو انفصال أو الحكم الذاتي لمدينتي الموصل وكركوك بالعراق، أيضًا القوات التركية انتشرت في معسكر بعشيقه، بناءً على طلب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لتركيا أيضًا الحق في العمل العسكري ضد التنظيمات الإرهابية مثل داعش والعمال الكردستاني في سوريا أو العراق دون الحاجة إلى موافقة أو إذن مسبق، على غرار العملية العسكرية التي تجريها في شمالي سوريا (درع الفرات).

لكن تركيا أردوغان لم تأبه أن تخبأ التاريخ الدفين في الأحقية التاريخية لمدنية الموصل.

فمدينة الموصل، التي كانت تابعة لتركيا طوال 4 قرون من عام 1534 في عهد سليمان القانوني حتى الحرب العالمية الأولى، إذ فقدتها تركيا عقب توقيع معاهدة لوزان، واتفاقية أنقرة عام 1926، وأصبحت مطمعًا للدول الغربية، خصوصًا بعد اكتشاف النفط، فاستولت عليها فرنسا، ثم بريطانيا. ومع توقيع تركيا الاتفاق كما أسلفنا، تخلت أنقرة عن الموصل بعد تقليص مساحة أراضيها. وتقضي اتفاقية أنقرة إلي أن تتبع ولاية الموصل للعراق. ويكون خط بروكسل هو الخط الفاصل الذي يتفق عليه العراق وتركيا. يعطي العراق 10% من عائدات نفط الموصل لتركيا لمدة 25 سنة. وشاركت تركيا العراق في نفطه حتى عام 1954 وتوقف الدفع تماما بعد ثورة 1958 ومجيء «عبد الكريم قاسم للحكم». كما تمنح الاتفاقية تركيا حق التدخل العسكري في الموصل، لحماية الأقلية التركمانية لدى تعرضها لأي اعتداء.

أيضًا من كل ذلك يحاول الرئيس التركي أو السياسية التركي القضاء على الحلم الكردي عن طريق قطع الطريق أمام الأكراد من الانفصال عن تركيا وإقامة كيان مستقل لهم كما نصت الاتفاقية المرفوضة (سيفر)، حيث إن اتفاقية لوزان كرست تناسي الكرد وحقوقهم حين تجاهلت منحهم الاستقلال بدولة قومية خاصة بهم، وهو ما كان بداية لقضيتهم التي أصبحت مصدر قلق وتوتر للعديد من دول المنطقة، وازدادت تعقيدًا في ظل الأزمة السورية، أخر أزمات الأكراد، وهي الصفعة من صديق الأمس الولايات المتحدة، كما يرى محللون أن الولايات المتحدة بعد أن ساعدت الأكراد في طرد داعش من مناطق في شمال سوريا، عادت وتخلت عنهم من أجل مصالحها مع تركيا بعد أن طالبتهم بالانسحاب إلى شرق نهر الفرات ودعمت العملية العسكرية التركية هناك، لكن الآن الخوف من محاولة دفع داعش تجاه الأراضي السورية وتمركزها هناك ما يعطي فرصة لتركيا لجماعات المعارضة لتقاسم سورية بلوزان الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اردوغان
عرض التعليقات
تحميل المزيد