بات الرئيس أردوغان بفضل نجاحاته السياسية والاقتصادية المتتالية، وصعوده المطرد، الشغل الشاغل لدوائر السياسة وصناعة القرار في الغرب، وكثير من المستويات التي تدور في فلكه، وأصبحت سيرته تقع في صلب الجدل المشتعل في العالم العربي تحديدًا. لا يمكن عزل ذلك عن قدرة الرجل على التأثير في الساحات المذكورة حتى اللحظة، والتوقعات بتعاظم هذا التأثير مستقبلًا. غني عن القول إن هناك تفاعلًا شعبيًّا عربيًّا وإسلاميًّا مع هذه التجربة، بحكم توق الشعوب لمشاهدة نموذج سياسي عصامي يلامس هموم الأمة، وينعتق من إسار التبعية للغرب وأدواته في المنطقة.

يشير ما سبق إلى وجود أسس موضوعية تمهد الطريق لقيام حالة من الانبعاث يتناغم فيها الموقف التركي الرسمي مع حراك الشعوب العربية الساعية للتغيير والنهوض. إن نجاح توليفة كهذه يعني وجود فرصة كبيرة للتغيير عربيًّا، ويتوقف عليها تغيير موازين ومعادلات العلاقة والقوة إقليميًّا ودوليًّا. يجسد العداء المستحكم لأردوغان، وتعدد مصادره واتجاهاته انعكاسًا لإصراره على مواصلة المسار النهضوي الذي تظهر معالمه في عدة اتجاهات.

أولًا: كسر قواعد العمل السياسي المقنن غربيًّا

وهي القواعد التي صاغت نمطًا خاصًا من العلاقة بين الغرب المتفوق من جهة، والشرق العربي والإسلامي المتراجع من جهة أخرى، عبر عقود طويلة مضت، فبات الأول متبوعًا، والثاني تابعًا. إن العمل على تغيير أسس هذه العلاقة، يعني تبييت النية للخروج من حالة المسايرة التي تحكم علاقة الضعيف بالقوي، إلى حالة التشارك على أساس من الندية في السياسة والاقتصاد والإنتاج والمعرفة. وهذا يقتضي الانتقال بتركيا أو بالحالة التي يؤمل لتركيا أن تقودها من كونها طرفًا تابعًا للغرب إلى طرف يقدم نفسه ندًّا له، ويتفاعل مع محيطه الإقليمي على هذا الأساس، ويجتهد في أن يضع بصمته في ميدان الإنتاج والتصنيع، بوصفه يمثل أبرز مظاهر القوة والتنافس في الميدان الدولي، وبذلك يصبح الإنسان التركي فاعلًا في الميدان المادي والنظري المعرفي سواء بسواء. لهذه الأسباب يرى الغرب في أردوغان مكافحًا بقوة للخروج من دائرة القيود السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي فرضها على تركيا، كما على بقية الدول العربية والإسلامية، الأمر الذي يشكل تحديًا واضحًا للحضور والتأثير الغربي في منطقة المشرق الإسلامي.

ثانيًا: إدارة عملية التغيير من تحت الرماد

إن ما يلفت الانتباه حول هذه التجربة أنها تجري من تحت الرماد الناتج من حرق آخر نموذج للحكم الإسلامي، وهو السبب الذي يثير إعجاب المعجبين بالتجربة، وحفيظة الحانقين عليها في آن واحد، لأنها تؤكد قدرة الأمة على تجاوز التحديات المصيرية، وامتلاك إرادة التغيير، ولأنها تثبت مرة أخرى أن طاقة دفعها الذاتي لم تزل بخير على الرغم من كل المعطيات المعاكسة. وهذا يستلزم بالضرورة إسدال الستارة على الحقبة التي تم فيها تغييب الإسلام قسرًا، والعمل على الدفع به من جديد في أتون معركة التدافع والتنافس الدولي فاعلًا أساسيًّا مرة أخرى، وهي الصفة التي افتقدها على مدى قرن من الزمان. وهذا بالضبط ما يثير حفيظة الغرب تجاه أردوغان الساعي لإرساء نمط جديد من العلاقة معه.

في الأثناء يعكس الموقف الرسمي العربي من تركيا في غالبه الموقف الغربي منها، وهو النظام الذي ورث الحالة الاستعمارية الغربية التي سادت ردحًا من الزمن في العالم العربي. من هنا فإن مواقف الكيانات العربية الوازنة من تركيا ليس له علاقة بالخوف على مصالح العرب، أو التحسس من احتمال تمدد النفوذ التركي على حساب الحضور العربي، بقدر ما يعكس مواقف وسياسات الغرب تجاه تركيا بحكم تبعية النظام العربي للمنظومة الغربية، وإلا لما نسجت هذه الكيانات علاقات متينة مع إسرائيل، تلك التي تشكل أكبر تهديد للمصالح والوجود العربي في المنطقة.

إن ما مضى من تجربة أردوغان وحتى اللحظة يعتبر مرحلة انتقالية، يحاول من خلالها الخروج من حالة، والدخول في حالة أخرى مغايرة، هذا يعني أن مظاهر الحالة المنوي الخروج منها كما الحالة المنوي الدخول فيها تظل حاضرة بقوة في المشهد الذي يتحرك فيه الرجل. وعليه، فإن هناك معطيات شاخصة تحفز وعي معارضيه للتدليل على سوء منهجه، أو وقوعه في الأخطاء، مسقطين من الاعتبار طبيعة السياق الذي يتحرك فيه، ومتجاهلين المؤشرات التي تقود للاتجاه الإيجابي وهي كثيرة، وهنا يظهر تحديدًا دور الهوى في صوغ معادلة الموقف منه؛ لأن تقييمهم له لا يستند إلى كل المعطيات اللازمة للتقييم، بل إلى بعضها فقط، تلك التي توافق أهواءهم، ونظرهم القاصر عن رؤية المشهد بكل أبعاده. لو تجاوز كارهو أردوغان الفخ الذي تصنعه المرحلة الانتقالية التي يمر بها، ولم يحجروا على مداركهم، ووسعوا دائرة النظر والتقييم لتجربته، لوجدوا أن الأمر مختلف، وأنهم بنقدهم الحاد وغير الموضوعي له إنما ينتصرون لنظرتهم الضيقة، ومواقفهم المسبقة فحسب، ولذلك تجدهم عاجزين عن تسويغ تطابق مواقفهم حوله مع موقف إسرائيل والغرب بعمومه، وغالب حكام العرب.

ثالثًا: تخطي آثار التجربة للجغرافيا التركية

وهذا مقوم آخر من مقومات الغضب الغربي والعربي الرسمي تجاه تركيا، إذ يرون أن رؤية أردوغان وطموحاته ليست مقيدة بالحدود الضيقة للبلد الذي يحكم، ولذلك فهي مؤهلة للتعبير عن مشروع جدير يناطح على النفوذ في المنطقة، ويسعى للنهوض الجاد على أساس أوسع قاعدة ممكنة تتجاوز الحدود الاستعمارية واللغات والأعراق. يشكل هذا التوجه حالة إلهام وبؤرة جذب تسترعي انتباه الشعوب المسحوقة، لا سيما العربية منها، والتي تعاني حالة إحباط مزمن تجاه نموذج الزعامة العربية على مدى عقود طويلة جدًا، ويحفزها للعمل على التغيير، والبحث عن فرص التجديد الممكنة. تهيئ المزايا المشار إليها فرصة سانحة للتجربة التركية للقبض على المقومات اللازمة للإقلاع في الفضاء العالمي، فهل تنجح بتحقيق ذلك فعلًا، أم ستتعثر بفعل قوى الدفع المضاد؟ الأيام كفيلة بالإجابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد