عزيزي القارئ مرحبًا بكْ.

الرئيس اليمني علي عبد الله صالح كان يَتَبَاهى بِأَنَّهُ يُجيد الرقصَ على رؤُوسِ الأفاعي، لكنه كان يتوهم أنه رقصْ، وهو في الحقيقة سقوطٌ بين رؤُوسِ الأفاعي، وأثناءَ سقوطِه كان يُؤَدي حركات ليعيد توازنه لينهض، وذلكَ كُله أَشْبه بالرقص، وليس برقص، فنَهَشَتْهُ الأفاعي ولم يبق له أَثَرْ.

الطيب أرودوغان هو من يُجيد الرقص على رؤُوس الأفاعي دون أن يسقطَ بيْنَها، لكن هل لأَنَّه مختارٌ مِن الله، أم أنه وليٌ من أولياء الله! قد يكون ذلك، وقد لايكون؛ لأَنَّ هذا في علم الغيبِ عند الله، ولكن ما يجعله قادرًا على الاستمرار في الرقص دون السقوط «هُوَ أَنَّه درس مُرونة تحرك رؤوس الأفاعي قبل أنْ يرقص على رؤوسها».

وهذا بات جليًا مُنذ وُصولِه الحكم وكيْفية تَعامله مع كل الأزمات التي مرت على الدولة التركية منذ أن وقف في وجه الرئيس الصهيوني منددًا بما يحدث من مجازر في غزة وسَبَبت له حبًا جارفًا في قلوب العرب والمسلمين، وما حدث مؤخرًا من احتجاجات جيزي بارك عام ٢٠١٣، ومحاولة الانقلاب الفاشلة، وقضية القس الأمريكي، وصواريخ إس 400 التي حصل عليها دُونَ أَنْ يخسر الحليف الأمريكي، وقضية انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وتعديل النظام من برلماني إلى رئاسي، ومشاركته في تصنيع طائرات إف 35، وَقَضِية فَرض العقوبات من الدولة العظمى في العالم، والمُعضلة الكبرى القضية السورية، وعلاقتُه ببوتين وترامب، كل ذلك وهو رئيس مُنتخب من شعبه، وخاض استحقاقات انتخابية في خِضم هذه القضايا، وفاز بكل الاستِحقَاقات.

إذًا «هو يتحرك وِفْقَ خُطُوَاتٍ مَدروسة بعيدًا عن العواطف الجَيَّاشَة، يَتَقدَّم خطوة بعد خطوة دونَ أَنْ يَتَراجَعَ خُطُوَات، يَرْسُمُ هَدَفه قبل أنْ يَخْتار الطَريق لهدفه».

ومَا حدث في عملية نبع السلام يدل على كل ما سبق، الطيب أردوغان في بداية الثورة السورية لمْ يَكنْ يستطِعْ أن يدخل المستنقع السوري فهو يعرف أين تقف قدمه، ولم تكن ستسمح له الدول العظمى مطلقا بذلك، بل سَيَدعمون بشار الأسد وحكومته بِكل ما أُوتُوا من قوة وسَيَسْتَنِدون عَلى شَرعيةٍ دَوْلية «هناك دولة تعتدي على دولة أخرى مُخَالفةً قوانين الأمم المتحدة».

وعلى الرغمِ مِن أنَّ تركيا لم تطلق طلقة واحدةً مناصرة للثورة السورية إلا أَنّهم دعموا بشار، ولكن على استحياء «تَرْكِه يَقْصف البلاد والعباد بالمُحرم وغير المُحرم من الأسلحة» بحجة الجماعات الإرهابية التي صنعوها لتكون أدوات يَستطيعون من خلالها إِدارة المشهد لتحقيق أفضِل مَكسبْ، دون مراعاة الإنسان، فإنسان العالم الثالث لا يَسْتَّحق حقوق الإنسان.

الطيب أوردوغان دَرَس حَركة مُرونة رؤوس الأفاعي، فَقَلب الطَاوِلة عَلى رُؤُوسهم ودخل سوريا بحجة شرعية ويَستند على قوانين الأمم المتحدة التي هم وضعوها في مُواجهة حركةٍ إِرهابية مناقضة لميثاق الأمم المتحده، وعلى الرغم من ذلك تحرك العالم كله ضده، وهَاجوا ومَاجوا وتحرك الأوروبيون والكونجرس الأمريكي والرئيس الأمريكي وروسيا، وَكأنَّ العثمانيين اقْتحموا أسوار فيينا وسيطروا على نِصف أوروبا.

إذًا لنْ تَسمح الدول العظمى لأي دولة أيًا كانت من تغيير خريطة «سايكس – بيكو» مهما بلغت من قوة، هذه الخريطة التي تم رسمها للاستبدال بالاحتلال العسكري المباشر مندوبين يحققون للدول العظمى مصالحهم من سرقة واستعباد الشعوب، كان يحكم هذه الشعوب دولة واحدة في عهد الخلافة العثمانية وما قبلها، ولم تعتد هذه الشعوب على الفرقة وتقسيم الأوطان، كانت ذات مصير مشترك، ولهذا أوردوغان يعلم ذلك، ويلعب في حدود المسموح، ويتقدم بخطا محسوبة ومدروسة، وعملية «نبع السلام» كعملية «عفرين، أخذت وقتها حتى نَضَجت، ولمْ ولنْ يتخلى عن مكسبه وعنْ نُصْرَة المظلوم، ولكنكم قوم تَسَتعجلون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد