مثلت استقالة أحمد داود أغلو من رئاسة الوزراء التركية ورئاسة حزب العدالة والتنمية عام 2016 تتويجًا لحالة التباين واختلاف الآراء بينه وبين الرئيس رجب طيب أردوغان حتى تاريخه. ومنذ ذلك الحين عبر داود أوغلو عن تحفظاته على نهج أردوغان مرات عديدة وعبر محطات مختلفة. غني عن القول أن الاختلاف بين الرجلين يعتبر طبيعيًا، ويندرج في سياق البحث عن أفضل السبل للتعبير عن الأفكار والسياسات اللازمة لإنجاز التغيير الموعود، كما يكشف من جهة أخرى عن سمة القصور البشري الذي لا ينفك الرجلان يتلبسانه بوصفهما بشرًا.

إن علة الاختلاف بين أردوغان وداود أغلو تعود لجملة من الأمور منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي، وهذا يعني أن حالة التباين والتفاوت بينهما ستبقى سيدة الموقف حول غالب القضايا المطروحة طالما أن مصادر الاختلاف متشعبة، وتتجدد كل لحظة بالتوازي مع التطورات الاجتماعية والسياسية التي لا تتوقف عن التفاعل، وسواء أعملا معا أم افترقا.

ثمة قضايا جوهرية لا يمكن تجاوزها أثناء البحث عن أسباب تباين واختلاف الرجلين، وأبرزها التفاوت في القدرة على مواكبة التحدي الداعي لتجديد الفهم وتصويب المسار كل حين، وفي هذه يتفاوت الناس بدرجات مختلفة نظرا لاختلاف مدى استعدادهم للتكيف مع المستجدات وتقبل التغيير. ومن دواعي الاختلاف أن تجربة أردوغان تتجسد في بيئة عمل استثنائية وليست أساسية، وينتج عن ذلك اختلاف المرجعيات الضابطة للسلوك والناظمة للسياسة، بل غياب تلك المرجعية أساسًا، نظرًا لأن التجربة لا تزال تحاول اكتشاف الذات، وتتلمس مسارها وسط بيئة بالغة التعقيد وتمانع بقوة في تقبلها، وهي حالة تجسد تحديًا كبيرًا لرؤاهما ونهجهما معًا. وأخيرًا خلفية الرجلين العلمية والعملية وأنماط شخصياتهما.

ماذا يريد داود أوغلو

من الواضح أن داود أوغلو يركز على ضرورة عدم التراخي تجاه القيم الأخلاقية والمبادئ السياسية الأساسية التي جعلت من حزب العدالة والتنمية متميزًا بالالتزام بها طيلة الحقبة الماضية. وهي مسألة مهمة جدًا كقيمة ابتدائية عليا تعكس الإرث الأخلاقي اللازم الحضور في ميدان السياسة، وفي خطط من يتصدون للشأن العام. صحيح أن ترهل الالتزام بالقيم أو فتور الحماسة تجاهها بالطريقة التي بينها داود أوغلو يعتبر أحد أسباب أو مظاهر التراجع النسبي لحزب العدالة والتنمية، ولكن ترهلًا كهذا يعتبر نتاجًا طبيعيًا ونهاية حتمية لحالة يغيب فيها الإطار الجامع والقاعدة التأسيسية التي تنتظم المسألة وتضبط إيقاعها كما هو الواقع في تركيا اليوم. من ناحية أخرى، فإن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، بل هناك أسباب أخرى موضوعية تجعل من التقدم المطرد للعدالة والتنمية يبدو شائكًا، فعلى سبيل المثال فإن بيئة العمل حين تولى الحزب السلطة مختلفة جذريًا عنها اليوم، وبالتالي فقد كانت القدرة على الإنجاز يوم أن كانت تركيا في المرتبة الاقتصادية 120 على المستوى الدولي أكثر مواتاة وحتمية منها بعد أن أضحت تركيا في المركز السادس عشر، ويضاف إلى ذلك أن حضور الحماسة بداية الطريق قد عززت من تلك القدرة عمليًا، فيما يزيد فقدان تلك الحماسة من الأعباء التي تفرضها متطلبات الحفاظ على مستوى مطرد من الإنجاز.

من الواضح أن مدار نقد داود أوغلو يتمحور حول فتور الدافع الذاتي للاتزام بالقيم، وهذا صحيح تمامًا، ولكنه لا يأخذ بالحسبان التغير في السياق المشار إليه وهو الأكثر أهمية. وعليه فمن المهم التفريق بين المسـألتين توخيًا للعدالة النقدية، وحتى لا يتم تحميل أردوغان وزر ما هو مسؤول عنه حقيقة، وما هو غير مسؤول عنه.

من ناحية أخرى، فإن المطلوب في المقام الأول ليس الدعوة لالتزام القيم، بل التأسيس لإيجاد حالة تتسيد فيها القيم الأخلاقية كإجماع عام وراسخ يتم بناؤة وحراسته عبر المؤسسة. وهي مسؤولية لا تناط بعنق أردوغان وحده، بل يتعين على طرفي المعادلة النظريين والتنفيذيين التعاون لإنجازها. وهي عملية ستترسخ عبر التجارب المتوالية، بحيث تتم إعادة صياغة النفوس والوعيين الحزبي والعام بطريقة عملية متدرجة، حتى يتم إذابة الفارق بين التصورات النظرية وممكنات التنفيذ العملية إلى الحد الأدنى، وليس من خلال قرار يتم اتخاذه جملة واحدة.

إن جدلية النظرية والتطبيق شائعة ودائمة الحضور على مستوى الاجتماع الإنساني، وفي حالة حزب العدالة والتنمية فإن الفجوة بين المثال والواقع لا تتجسد بين داود أوغلو المنظر الأكاديمي في المقام الأول وبين السياسي أردوغان، بل بين داود أوغلو المنظر في الجامعة وداود أوغلو يوم أن يتولى سلطة سياسية. وبالتالي فأردوغان لا يتحمل مسؤولية الفجوة بين النظرية والواقع، حتى وإن كان المطلوب منه العمل بجدية لتجسير الفروق بينهما لحدودها الدنيا، بحكم مسؤولية السلطة التي يتمتع بها.

غني عن القول أن القيمة الأخلاقية بذاتها لا تزال محلًا للتجاذب بين المجتمعات ومكونات المجتمع الواحد، والحالة التركية ليست استثناء في هذا السياق، فعلى سبيل المثال، إن أحد أهم الأسباب التي أثرت على احتفاظ حزب العدالة والتنمية بشعبيته في المدينة الأهم إسطنبول يتعلق باحتضان الحكومة التركية التي يشكلها الحزب للاجئيين السوريين وغيرهم من العرب المطهدين في بلادهم. من الواضح أن ذلك يعتبر قضية أخلاقية في المقام الأول، ورغم ذلك فإن التزامًا كهذا قد أثر بالسلب على مدى تقبل الناخب التركي للحزب، وهنا تتضح الصورة أكثر حول إشكالية القيم الأخلاقية، ونسبيتها واختلاف الأطراف التركية حولها؛ ما يعني في المحصلة أن المعيار الأخلاقي عمومًا لا ينبغي له أن يشكل قيدًا على حزب العدالة في سياق منقسم وغير مجمع على مفهوم هذا المعيار.

مما لا شك فيه أن العاملين في الميدان يحتاجون كثيرًا للإرث النظري وتجارب الخبراء، إلى الحد الذي يحسن من الأداء والتفاعل في الميدان، لكن الأطر النظرية المجردة لا تصلح أن تكون قيدًا وحكمًا على السلوك العملي بإطلاق. في المقابل لا يستطيع التنظيريون تقديم تجارب عملية أكثر نجاحًا ما لم يستندوا لخبرات العاملين في الميدان. يؤكد ما سلف على على ضرورة تكامل المسارين لترسيخ منظومة القيم عبر الممارسة، وهكذا تتم صناعة النموذج، والذي يكون بدوره مقياسًا ومعيارًا للسلوك السياسي الراشد. من الملاحظ أن داود أوغلو يمارس النقد دون وجود نموذج عملي تعزى إليه عملية النقد، وهذه مسألة غاية في الأهمية، فالرجلان يعملان في بيئة استثنائية ويكون من أولى الواجبات فيها إيجاد النموذج المعياري للعمل السياسي المفقود حاليًا، والذي يصبح بدوره أساسًا لتقييم ونقد تجارب الهيئات والأحزاب والأفراد.

يشكل داود أوغلو بأطروحاته القيمية والفكرية العميقة ذخرًا نظريًا حقيقيًا لحزب العدالة والتنمية، وهو الجانب الذي يحتاجه أردوغان بشدة. وعليه فإنه يتعين فسح المجال لتأخذ تصورات داود أوغلو فرصتها داخل أروقة الحزب وسياساته، خصوصًا بعد التراجع النسبي الذي مني به حزب العدالة في الانتخابات المحلية الأخيرة. من جهته فإن الرئيس أردوغان بتجربتة العملية وصلابته وميله نحو الاستقلال والعصامية يجعل من عملية البحث عن بديل له محفوفة بالمخاطر، نظرًا لحاجة تركيا في الوقت الراهن لرجل الدولة العصامي لا للمنظر المثالي بحكم ضرورات المرحلة وطبيعة اللحظة الراهنة. ولذلك فإن تكامل الرجلين يعد أولوية تخدم كلًا من حزب العدالة وتركيا، وإن الافتراق لن يأتي بنتيجة سوى إضعاف الصف وتفريق الجهود.

إن البيئة المثالية اللازمة لنجاح خطة عمل وتصورات داود أوغلو غير موجودة على أرض الواقع الذي تسود فيه روح المغالبة الانتهازية، ولكنها موجودة بكل تأكيد لدى قواعد حزب العدالة والتنمية كمشروع إصلاحي يسعى للتغيير. وبالتالي فمجال عمل داود أوغلو متاح داخل الحزب وليس خارجه؛ ما يعني أن تجليات أفكار أوغلو ستجد صداها وآثارها عندما يعمل من داخل حزب العدالة والتنمية مسددًا ومنظرًا ومصححًا.

إن انحياز داود أغلو أو غيره من رموز حزب العدالة والتنمية لمسار جديد بعيدًا عن أردوغان لن يستهوي أنصار العدالة والتنمية كثيرًا، لأن القواعد الحزبية والشعبية تراقب ما يجري من حولها، وتتأثر بخبرات الواقع وحركة التدافع على الأرض أكثر من تأثرها بالأطروحات النظرية، وبالتالي ستكون منحازة تلقائيًا للعاملين حتى ولو شاب سلوكهم أخطاء وعيوب. إن ما يستهوي الناس بعامتهم حالة تستعصم بالحزم وتتلفع بالندية وتشق طريقها بعصامية، حتى لو كان التزامها القيمي نسبيًا بحكم إكراهات الواقع؛ لأنها في نظرهم أفضل من الحالة التي تعلي من شأن القيم المثالية، بينما تتحفظ عن محاولة الشب عن قواعد لعبة السياسة الدولية، تلك التي يجيدها أردوغان. في المقابل إن خسارة حزب العدالة لبعض رموزه أو أنصاره سيقابله بالتوازي انحياز قواعد شعبية جديدة للحزب لأسباب قد لا يكون لها صلة بالبرامج أو منظومة الأفكار، بقدر ما يمثله نهج أردوغان من روح سياسية تتعالى على القيود التي تفرض على تركيا البقاء في مصاف الدول التابعة. بيد أن ذلك الانحياز قد يستهوي الكثيرين من خصوم أردوغان محليًا وإقليميًا ودوليًا، ليس إعلاء لدلالة ما يدعو إليه داود أوغلو أو غيره، بل أملًا في أن تسهم أطروحاتهم بتعظيم احتمالات إزاحة أردوغان عن هرم السلطة السياسية التركية.

لا تزال تجربة أردوغان فتية وتحتفظ بطاقاتها، وهي في الوقت ذاته ليست نهائية ولا مطلقة، بل لها ما لها وعليها ما عليها، وبالتالي فإن الوقت لم يحن بعد لتجاوزها وبدء البناء عليها. إن ما هو مطلوب يتعلق بترسيخ العمل المؤسسي، وتصويب المسيرة كل حين، وهي مهمة يمكن لداود أوغلو أن يسهم فيها باقتدار، فليمنحه أردوغان الفرصة نزولًا عند مقتضيات الإصلاح وترشيد المسار، وسحبًا لذرائع الافتراق وإضعاف الصف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد