عند كل مناسبة دينية متعلقة بالتاريخ الإسلامي تعُجُّ منابر الإعلام التقليدي والإعلام البديل (مواقع التواصل الاجتماعي) بالنبش في حادثة مقتل جَدِّنا وسيِّدنا الحسين بن علي بن أبي طالب – عليه السلام – ويبدأ الناس في التراشق بالكلام والسبِّ والشتم ليُفَسِّقَ بعضُهم بعضًا أو حتى يُكَفِّرَ بعضُهم بعضًا، لأن بعضهم يتعصَّبُ للحسين حتى يُقدِّسَهُ ويجعله رُكنا من أركان الإسلام، ويذهب الآخرون إلى أنَّ مقتله كان بسبب خطئه هو في الخروج إلى كربلاء، وكلا الجماعتين يستحضران التاريخ وكأنه وثنٌ يُعبَد من دون الله، في خِضَمِّ كل ذلك هناك أنظمةٌ غَرْبية تستعمل أذرعها الإعلامية لإحماء الصراع فتلتهب مواقع التواصل الاجتماعي لتتحول خلال أيامٍ معدودات إلى مواقعَ للتناحر والتباغض والتكفير الاجتماعي بدرجة جنونية مُخيفة، وتندمج في هذا الاحتراب كلُّ الطبقات الشعبية من طلاب الدراسات الشرعية والباحثين في التاريخ والسياسة وشيوخ المنابر والإعلاميين وينضمُّ إليهم كلُّ من هبَّ ودبَّ ممن لهم حسابات على فيسبوك وتويتر ويوتيوب، إلى هؤلاء جميعهم بمختلِف قناعاتهم في شأن الحسين وهل كان مظلومًا أم مخطئًا؛ أقول:

أنتم الذين تعيشون في ربوع القرن الخامس عشر الهجري الموافق للواحد والعشرين الميلادي، لن يحاسبكم الله أبدًا عن مقتل الحسين ولن تُسأَلوا مطلقًا عن موقفكم من تلك الحادثة، وليس في رقابكم أي قطرة دمٍ نزفت عام 61 هـ / 680 م، فأنتم واللهِ تعيشون في سنة 1438 هـ / 2017 م، وهناك آية قرآنية موجَّهةٌ إليكم جميعا تقضي بأنه لا دخل لكم في ما جرى من أحداثٍ سبقتْ عصركم، هذه الآية هي قوله تعالى: «تلك أُمَّةٌ قد خَلَتْ لها ما كَسَبَتْ ولَكُمْ ما كَسَبْتُم، ولا تُسْأَلون عمَّا كانوا يَعملون»، فللحسين وأصحابه وأعدائه ما كسبوا في ذلك اليوم، ولكم أنتم ما تكسبون اليوم، ولن تُسألوا عما كانوا يعملون!

نشهد في عصرنا هذا مجازرَ بحقِّ المسلمين المستضعَفين في فلسطين وميانمار (حيث استشهِد مؤخرًا أكثرُ من 2000 مسلمٍ على يد جيش ميانمار الإرهابي حسب وكالة الأناضول) وتركستان الشرقية (التي تتعرض لقمعٍ من الحكومة الصينية) وغيرها من المناطق؛ فأين أنتم من نصرة هؤلاء؟ وهل فعلتم شيئًا لتمنعوا الظلم الذي يسلِّطه النظام العالمي على رقاب المسلمين والمسلمات في غزة ومسلمي الروهينغيا وغيرهم؟ فإن كنتم تتباكون على دم الحسين الذي قُتِل قبل أربعة عشر قرنًا فإنكم مسؤولون عن دماء الآلاف من المسلمين الذين تُبيدهم الجيوش الظلامية باسم مكافحة الإرهاب.

إذا كنتم تجعلون الحسين رمزًا للمحبة والسلام والخير؛ فهلَّا فضحتم جرائم ميليشيا الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية التابعة له والمرتزقة الذين توظِّفهم إيران من العراق ولبنان وأفغانستان ومن اليمن وغيرها لتقتيل الشعب السوري والعراقي بغطاءٍ جوِّيٍ أمريكي في العراق وروسيٍّ في سوريا تحت راية «يا حسين» و«يا زينب»؟ أليس هذا قمة الإرهاب والفجور باسم الحسين؟ وهل إذا كان الحسين حيًّا بينكم سيحمل البندقية لقتل السوريين والعراقيين أم لقتال جيش الاحتلال الأمريكي الذي يَعيث فسادًا في الأراضي الإسلامية؟

ثم هل اِلْتَفَتُّمْ إلى دولكم المُهْتَرِئة وأنظمتكم القمعية التي تقدِّم قرابين الولاء إلى الدول الاستعمارية لبقاء حكمها وتسليط قبضتها الأمنية على شعوبكم المسكينة، هل بنيتم دولة واحدة مثل تركيا على أسس حضارية يندمج فيها التركي والكردي والعربي رافعةً رأسها بتاريخها العثماني الذي كان جدارًا في وجه الهجمات الصليبية الأوروبية، وآخِذةً بأسباب الحضارة والتطور التكنولوجي، فتركيا الآن ضمن مجموعة العشرين الاقتصادية (G20) وتحتل المرتبة الـ16 عالميًّا، وتصنع سلاحها الوطني وغذاءها الوطني ودواءها الوطني، ويُحسَب لها ألفُ حسابٍ في الملفات الإقليمية، وتفاوض الأوروبيين بكرامة، وتعقد صفقات التسلح النوعي مع روسيا (منظومة صواريخ الـ S400 على سبيل المثال) غيرَ عابئة بتحالفها مع دول الناتو، فهل بينكم من ينتمي إلى دولة بمثل هذه القوة؟ وهل يمكنكم أن تسترجعوا عقولكم حتى تدركوا فداحة الموقف الذي أنتم فيه؟

في اعتقادي أنا؛ يجب عليَّ أن أهتمَّ بأردوغان وتجربته الاقتصادية والسياسية في النهضة بتركيا، وأقول له: هنيئًا لك يا سيدي، أمَّا أن أستقلَّ آلة الزمن لأعيش نزاعًا خاضه مجموعةٌ من الناس بالسيف والرمح وألطم وجهي وأقطع ثوبي وأُفنِيَ حياتي باحثًا عمَّنْ هو أحقُّ بالخلافة أبو بكر أم عليٌّ؟ وعمَّن قتل الحسين؟ وهل كان معاوية خليفة أم ملكًا؟ وهل كان يزيد يشرب الخمر قبل أن يُصلِّيَ الفجر بالناس؟ فما أظنُّ هذا إلا قلة عقلٍ لا يُقِرُّها دِينٌ ولا توجبها حكمةٌ، بل هي مهزلةٌ على هؤلاء أن يتخلَّصوا منها بأسرع وقت!

مقتل الحسين ليس مبحثًا شرعيًّا لا في باب أصول الديانة ولا العبادات ولا المعاملات، إنما هو حدث تاريخيٌّ ينبغي معالجته بوسائل البحث التاريخي فقط، المبحث الشرعي المُلْقَى على عاتقنا اليومَ هو الأخذُ بأسباب القوة والعزة لتحقيق كرامة الإنسان المسلم وبناء الدولة التي ترعى أمن الشعوب الإسلامية وتصُدُّ جحافل الغزاة وتقيمُ العدالة بين الناس الذين يسكنون أراضيَها، أما ما نشهده من غَرَقٍ في أوحال التاريخ فذلك عنوانُ حِطَّةٍ لا حضارة، فهل من مُدَّكِر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات