منذ تسلم الجنرال عبد الفتاح السيسي مقاليد السلطة، ضابط المخابرات السابق، رسميًا في مصر منتصف 2014، عكف علي استكمال الصراع الوجودي مع جماعة الإخوان المسلمين، والجهات الداعمة لها، وفي مقدمتها رئيس وزراء تركيا الطيب أردوغان، وكان الهدف الرئيس هو إزاحة أردوغان عن الحكم نهائيًا.

حيث عمل علي التعاون الكامل مع كل أعداء تركيا الإقليميين والمحليين (خصوصًا محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي وحركة الخدمة التي يتزعمها جولن) لتطويقها وأضعافها، كما عمل علي خلق أعداء جدد تمهيدًا لإسقاط حكم أردوغان، مستعينًا بالأموال الإمارتية والدعم المخابراتي الأمريكي والأوروبي له.

تحريض اليونان ضد تركيا

البداية كانت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 في قمة الكالاماتا في القاهرة.

جمعت تلك القمة بين الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، ورئيس وزراء اليونان «أنتونيس ساماراس»، والرئيس القبرص «نيكوس أناستاسيادس»، دارت مجريات القمة بشكل رئيسي حول ترسيم الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط، حيث نص إعلان القاهرة الصادر عن القمة على مسكونية انطباقه على كل الحالات، وهو الاتفاق الذي يعطي اليونان حقًا في شريط مائي يمتد بين مصر وتركيا، ويقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر، الأمر الذي وصفه مراقبون بأنه تنازل جديد تقدمه مصر في حقوقها البحرية لأهداف سياسية، بهدف حرمان الجانب التركي من الاستفادة من الموارد النفطية في تلك المساحة.

على الجانب المقابل وبعد انتخاب رئيس الوزراء اليوناني اليساري تسيبراس في فبراير (شباط) 2015، توجه مباشرة إلى روسيا لمناقشة المساعدات الروسية لليونان، حيث عرض بوتين عليه فكرة السيل التركي الذي يمد الغاز من روسيا عبر تركيا إلى اليونان ومنه إلى أوروبا (بعد معاقبة الاتحاد الأوروبي لبوتين وإلغاء للسيل الجنوبي بسبب أحداث أوكرانيا أواخر 2014، ورحب تسيبراس بالفكرة، وكان لزامًا عليه وقف محاولات ترسيم الحدود مع مصر وقبرص في البحر المتوسط حتى لا يثير حفيظة تركيا، دولة الممر.

على الجهة الأخري من المتوسط، كان السيسي يدرك خطورة هذا التقارب الروسي التركي اليوناني على مشروعه خصوصًا بعد فشل قمة الكالاماتا الثانية أبريل (نيسان) 2015 في قبرص في التقدم في عملية ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط وحرمان تركيا من مياها الإقليمية الغنية بالغاز واستمرار تركيا في عملية البحث السيزمي عن الغاز بواسطة سفينة الأبحاث التركية، فكان لزامًا عليه أن يجب وسيلة أخرى لمنع هذا التحالف.

ورأت الحكومة اليونانية الجديدة في ذلك الإتفاق فرصة للخروج من شبح الإفلاس ومواجهة الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها ونجحت الضغوط التركية في وقف ترسيم الحدود بين مصر واليونان، في قمة الكلاماتا الثالثة التي عقدت في اليونان في ديسمبر (كانون الأول) 2015.

استعانة السيسي بإسرائيل لحصار تركيا

شكلت تلك الاتفاقية ضربة لنظام السيسي الذي فشل في عزل تركيا عن محيطها الأقليمي وتقزيم دورها، فلجأ إلى صديقه نتنياهو للضغط علي اليونان وقبرص لترسيم الحدود مع مصر وقطع الطريق أمام أي تقارب يوناني تركي، فقام بعقد قمة في القدس المحتلة في يناير (كانون الثاني) 2016 لإقناعهم بالجدوى الاقتصادية لمشروع خط أنابيب لتصدير الغاز الإسرائيلي والقبرصي إلى أوروبا المتوقع الانتهاء منه في 2025، ويتكلف 6 مليار دولار، هذا المشروع يدعم معسكر الاصطفاف ضد تركيا المتمثل في السيسي وإسرائيل وقبرص واليونان.

يمر هذا الأنبوب بالمنطقة الإقتصادية الواقعة بين مصر وتركيا في البحر المتوسط، مما يستلزم ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط.

خط الغاز الإسرائيلي التركي:

ومرة أخرى نجحت إدارة أردوغان في المفاوضات هذه المرة مع الجانب الإسرائيلي، وتم التفاوض علي إنشاء خط لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر الأراضي التركية نظرًا لقربها الجغرافي من حقول الغاز في المتوسط، وهو ما يساعد على سرعة التنفيذ ورخص التكاليف مقارنة بالمشروع القبرصي اليوناني حيث يتكلف 2.5 مليار دولار فقط مقارنة ب 6 مليار دولار تكلفة خط الغاز القبرصي اليوناني.

تعد هذه الاتفاقية هي الضربة الثانية التي يتلقاها نظام السيسي وتحالفه، حيث رسخت هذه الاتفاقية مركزية موقع تركيا في كونها الممر الرئيس لنقل الغاز من شرق المتوسط وروسيا إلى أوروبا، مما يكسبها ميزة تنافسية في مواقفها السياسية مع الغرب.

إضافة لذلك فقد شملت الإتفاقية السماح بنقل مواد الإعاشة إلى قطاع غزة وإنشاء محطة كهرباء ومستشفى داخل القطاع، مما نقل أوراق اللعبة السياسية ومحاولة حصار قطاع غزة وحركة حماس من مصر إلى تركيا.

القضية الكردية

في أغسطس (آب) 2014 وسط أجواء المشحونة بالحرب بين الأكراد وتنظيم الدولة في شمال سوريا حول مدينة عن العرب كوباني وتضخيمها إعلاميًا، ووسط إتهامات لأردوغان بمساندة تنظيم الدولة ضد أكراد سوريا، وخلال حملة إعلامية تشرف عليها الإمارات لتشويه صورة أردوغان لدى حلفائه التقليديين من الأكراد، جرت أول انتخابات رئاسية تركية تجري بالاقتراع المباشر في تركيا، وتم الدفع بمرشح كردي هو صلاح ديمرتاش رئيس حزب الشعوب الديموقراطي لاختبار مدى قوة الحزب في الحشد ضد أردوغان، وكان المطلوب هو الحصول على نسبة 10% على الأقل من أصوات الناخبين، وهو ما يلزم تصويت معظم الأكراد له وعدم ترشيح أردوغان.

حيث نجح ديمرتاش في الحصول علي 10% في تلك الانتخابات، وهو ما يعني نجاح المرحلة الأولي من الخطة المتمثلة في حشد كتلة التصويتية الكردية التي إعتادت التصويت لأردوغان وخصمها من رصيد الحزب لصالح حزب ذي ميول كردية، وبدء المرحلة الثانية المتمثلة في دخول حزب الشعوب الكردي الممول من الإمارات ( وهو ما تم كشفه لاحقًا) في الانتخابات البرلمانية اللاحقة في يونيو (حزيران) 2015 ونجح الحزب في الفوز بـ 12 % من أصوات الناخبين، وكانت أغلب الأصوات من الأكراد، ودخل الحزب إلي البرلمان لأول مرة منذ إنشائه بعد أن اعتاد على دخول أعضائه كمستقلين، (لا يسمح للحزب بالدخول إلى البرلمان إلا بتخطيه حاجز الـ 10% الانتخابي حسب القانون التركي) وهو ما أدى إلى حرمان حزب العدالة والتنمية من تشكيل الحكومة منفردًا لأول مرة منذ 12 عامًا.

حيث اكتفى بالحصول على 40% بعد خسارته لأصوات الأكراد التي كانت تصوت لأردوغان بصفة منتظمة، وهو ما يعني نجاح مخطط (بن زايد – السيسي) مرحليًا.

وكان على أردوغان أن يقدم تنازلات في الملف الكردي والسوري والمصري لكي يتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية، ولكن أردوغان أعاد ترتيب أوراقه الداخلية وسمح بمرشحي حزبه ذي الجماهيرية العالية للنزول مرة أخرى في الانتخابات المبكرة التي دعا إليها حتي يتمكن من كسب المزيد من المقاعد (وألغى نظام الاكتفاء بـ3 دورات برلمانية داخل الحزب) كي يتمكن مهندسو النهضة التركية للعودة للبرلمان، وقام بمخاطبة شرائح أكبر من الشباب لحثهم علي النزول لتمكين حزب واحد من تشكيل الحكومة المستقرة والبعد عن شبح الحكومات الائتلافية المدمرة، ونجح في الفوز بانتخابات نوفمبر (تشرين الأول) 2015.

محاولة الوقيعة بين تركيا وروسيا

بعد التقارب الروسي التركي اليوناني من أجل إتمام مشروع السيل الروسي حيث تم التقارب في منتصف عام 2015، وإثر نجاح الجزء الأول من الخطة ومنع أردوغان من تشكيل الحكومة لأول مرة منذ 12 عامًا (بعد نجاحهم في إدخال حزب الشعوب القومي إلى البرلمان) لجأ تحالف (السيسي – بن زايد) إلي ضربة مزدوجة لنظام أردوغان تتمثل في ضرب علاقة أردوغان مع روسيا وتكملة إخفاق انتخابات البرلمان في ضربة واحدة وذلك عن طريق إسقاط طائرة ليلة إنتخابات البرلمان المبكرة.

تقوم الخطة على إسقاط طائرة ركاب روسية في جنوب تركيا ليلية الانتخابات البرلمانية، ومن ثم الضغط على النظام التركي .. حيث يؤدي ذلك إلى التفات الناخبين الأتراك عن انتخاب حزب أردوغان بسبب افتعال مشكلة كبيرة مع دولة كبرى وتوريطهم في حرب محتملة، وحدوث ارتباك كبير في المشهد.

ويبدو أن توقيت تفجير الطائرة كان غير دقيق، فسقطت في صحراء سيناء.

شواهد على إسقاط السيسي الطائرة الروسية

فور الإعلان عن سقوط الطائرة الروسية، أعلن تنظيم ولاية سيناء ( أنصار بيت المقدس سابقًا)، والذي أعلن بيعته لداعش العام الماضي، وتواجده الأساسي في محافظة شمال سيناء – مسؤوليته عن الحادث، في بيان مفاده: إسقاط طائرة روسية وهلاك ما يزيد على 220 صليبيًّا روسيًّا كانوا على متنها.

لكن اللافت للنظر أن الطائرة وقت اختفائها عن الرادار كانت على ارتفاع 31000 قدم، ومن المستحيل أن تكون الطائرة قد تم استهدافها بصاروخ من هذا الارتفاع، خصوصًا أن مثل هذه القذائف التي تستطيع إسقاط طائرات من ارتفاع عالٍ، ليست متاحة للتنظيم، ولا يمكنه الوصول إليها.

من ناحية أخرى دأب السيسي على مثل عمل تلك العمليات من أجل اتخاذها زريعة للقيام بهدف معين:

1-مثل عمليات قتل الأقباط في ليبيا والمنيا، وأعقب ذلك بضرب تمركز الثوار الليبين في درنة لمساعدة حفتر ليبيا علي التقدم غربًا.

2- قام بتفجير البطرسية والكنيسة المرقصية في الأسكندرية بهدف إنشاء مركز مكافحة التطرف للسيطرة على الأزهر كليًا.

كما قام تحالف (السيسي – زايد – جولن) بتكرار الحادثة بعد 3 أسابيع في شمال سوريا وإسقاط طائرة روسية كما سنوضح.

بعد فشل المحاولة الأولى تمت المحاولة الثانية بعد ثلاثة أسابيع في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وتمثلت في إسقاط طائرة روسية مقاتلة من طراز سوخوي في محافظة اللاذقية بشمال سوريا من قبل طيارين تركيين بزعم دخولها إلى الأراضي التركية، وبالرغم من وجود معلومات قوية عن تغلغل التنظيم الموازي بقيادة فتح الله جولن في القوات الجوية التركية بشكل كبير، إلا أن المؤامرة لم تكتشف أبعادها إلا بعد حدوث محاولة الانقلاب العسكري في تركيا في يوليو (تموز) 2016 وضلوع الطيارين نفسهما في محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، وأكد وزير العدل التركي القبض عليهما إثر اشتراكمها في محاولة الانقلاب، مما يؤكد أن إسقاط الطائرة الروسية في شمال سوريا كان من عمل منظمة جولن بهدف تهديد العلاقات الروسية التركية، وهو ما حدث فعلا بعدها اذ ظلت العلاقات متوترة لمدة 7 شهور وتوقف مشروع السيل التركي مؤقتًا.

وهذه النقطة تحديدًا هي أقوي دليل على أن إسقاط الطائرة الروسية في شرم الشيخ كان هو أولى المحاولات الفاشلة لقطع العلاقات بين روسيا وتركيا.

لم ييأس أركان التآمر وقرروا إفساد العلاقات الروسية عبر أحد عناصر التنظيم الموازي (بعد أن تحسنت مرة أخرى عقب كشف مؤامرة إسقاط الطائرة الروسية) عبر اغتيال السفير الروسي في تركيا أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2016، عقب الانقلاب العسكري الفاشل، إلا أن عقلية رجل المخابرات السابق بوتين وذئب السياسة التركي أردوغان قد فطنا هذه اللعبة، خصوصًا بعد اكتشاف تبعية القاتل لمنظمة الخدمة التي يقودها فتح الله جولن.

يعد التحالف التركي الروسي هو أخطر تحالف يهدد الاتحاد الأوروبي واستقلاليته بسبب تحكم الدولتين بشرايين إمداد أوروبا بالغاز، ومحاولة إلحاق الضرر بالعلاقة يصب في مصلحة أمريكا وأوروبا.

بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في صيف 2016 بواسطة جماعة فتح الله جولن وبدعم إعلامي إماراتي ومصري، تمت محاولة انقلاب اقتصادي في نهاية العام عن طريق سحب 25 مليار دولار من السوق التركية وانخفاض الليرة التركية؛ مما أحدث هزة بالاقتصاد التركي، وانخفاض حاد في سعر صرف الليرة التركي.

دعم أعداء أردوغان (جولن والأكراد)

قام النظام الانقلابي في مصر بالسماح لمنظمة فتح الله جولن بالعمل في مصر حيث سمحت باستمرار مدارس صلاح الدين الدولية التابعة له (حيث يترأسها علي جمعة المفتي السابق) ونقلت مقر جريدة الزمان إلي القاهرة (النسخة العربية) وسمحت بممارسة نشاط المنظمة في مصر وسمحت لعائلات الإنقلابيين في تركيا بالهرب إلى مصر لعدم القبض عليهم.

علي الجانب الأخر قامت الإمارات بدعم أكراد شمال سوريا كقوات بي كي كي وقوات بي واي دي العلوية الكردية بهدف خلق بؤر توتر في جنوب تركيا .

بعد إفشال كل المؤامرات التي قام بها تحالف (السيسي – بن زايد – جولن) ومن ورائهم أمريكا وأوروبا بهدف إفشال تجربة تيار الإسلام السياسي ومنعه من التمدد في المنطقة ،فكان لابد علي تركيا من إيجاد شركاء إقليميين ودوليين، فكان الشريك الإقليمي هي قطر وحماس والشريك الدولي هو روسيا.

قام تحالف السيسي – بن زايد بمحاصرة دولة قطر لعزلها والتوقف عن مساندة تركيا وحماس إعلاميا، تمهيدًا لصفقة القرن المزمع عقدها في شبه جزيرة سيناء، إلا أن التحركات الدبلوماسية الخارجية للخارجية القطرية وتحييد دور أمريكا بعقد صفقة طائرات مع ترامب، وتدخل أردوغان السريع، بالإضافة إلى إستخدام قطر لقوتها الناعمة المتمثلة في توسيع إنتاج الغاز الطبيعي وصناديق استثمارتها في أوروبا، الأمر الذي أدى إلى قيام تحالفات جديدة في المنطقة بين كل من إيران وقطر وحماس وتركيا من جهة وبين السعودية والإمارات والسيسي من جهة أخرى.

ولا تزال حياكة المؤامرات من نصيب السيسي وبن زايد بهدف الحفاظ عل كراسي الحكم، فيما لايزال إفساد المؤامرات هو شغل أردوغان الشاغل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!