كالعادة حل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضيفًا مرحبًا به في العاصمة الخرطوم.. كيف لا وهو الرجل المرحب به أينما حل وأينما ارتحل.. بكسبه السياسي وبمجهوداته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ودفاعه المستميت عن الإسلام ومبادئ المسلمين.

إن لاعب كرة القدم السابق في نادي قاسم باشا التركي أصبح شخصية تاريخية عظيمة، ورابع أقوى شخصية سياسية في العالم.. فالرجل الذي بني اقتصادا مزدهرا في لمح البصر جعل من تركيا البلد الأكثر نفوذا في الشرق الأوسط.. إن الحديث عن أردوغان الاقتصادي والسياسي والبراجماتي يطول ويطول لأنه ببساطة امتداد للعظماء من الرجال الذين عملوا لأوطانهم بعقولهم قبل سواعدهم.. يقال إن نجاح الرجال يقاس بمدى المصاعب التي واجهوها في حياتهم، ولو صدق هذا المقياس فإن أردوغان عندي هو المثال الأعظم في التاريخ البشري.. فهو وصل إلى قمة السلطة في بلد تسيطر عليه عصابة عسكرية قوية جدًا منظرها الأول مصطفى كمال أتاتورك.. بكل استبداده التاريخي وعلمانيته السلبية.. مضافًا إليه سنوات السجن ظلمًا بدبلجة شريط هذيل التفاصيل وعرضه أمام قاض كتب له قرار المحكمة سلفًا بإدانته بجريمة الدعوة إلى الكراهية بين أفراد المجتمع.

نعم إن اردوغان سياسي عصامي.. لم يكن من طراز عيال زايد.. ولا مثل آل سلول.. ولا مدللا كأمراء الخليج الذين ولدوا ليكونوا حكاما.

تستحضرني حكاية استطلاع أجرته قناة تلفزيونية عراقية في شوارع تركيا عن لمن تسوط في الانتخابات الرئاسية.. أغلب المستطلعين يقولون سنختار أردوغان، سألت أحدهم: لماذا وهذا الرجل إسلامي راديكالي وأنتِ علمانية؟ قالت لا يهمني هذا، المهم أنه بطل نهضتنا الحديثة. وغيرها من مشهد الانقلاب العبثي الذي خططت له أمريكا ودعمه شيخ طقعان.. فأفشله المواطنون دفاعًا عن رجل وضع وطنهم في مقدمة العالم صناعيًا وتجاريا.

لذا ومن أجل ذالك كان مرحبا بالسلطان في الخرطوم!

والفرصة ممتازة للاستفادة من قدرات صديق قوي وواسع النفوذ وأكثر صدقًا وأهمية من عيال زائد الذين يدعمون المعارضة السودانية في رابعة النهار الأغر.. وعائلة سيسي وآل سلول الذين لم يكلفو أنفسهم عناء زيارة بلادنا في الوقت الذي يذورنا بطل إسلامي عالي الشأن ورفيع المستوي.

الحدث الأبرز في تقديري من زيارة الرئيس التركي والذي لفت نظري هو اتفاقية عمل شركة لبناء السفن في مدينة سواكن، لو لم توقع أي اتفاقية غير هذه لكانت هذه الاتفاقية كافية؟ نعم ويكون ذلك في أن تركيا بلد متطور جدًا في صناعة السفن. وتتنافس مع شركة مواني دبي في تصنيع وصيانة السفن، وهناك سباق محموم في مسألة المواني البحرية، فقطر ابتدرت السعي لتحديث ميناء سواكن.

وشركة مواني دبي اللعينة دفعت بعرض مغر لتشغيل ميناء بورتسودان.. ولو فازت بالعطاء ستكون امتلكت 80% من الحركة البحرية في المنطقة؛ فهي تملك ميناء (علي)، وسيطرت بالقوة علي الساحل اليمني على البحر، وهو سبب خلاف الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي مع عيال زايد؛ مما أضعف جهود الحلفاء، والدب الداشر لزم الصمت لأن الإماراتيين حتى لو انفصلت اليمن إى شمالي وجنوبي، فلن يتخلوا عن جشعهم هذا، ونفس الشركة وضعت لها قدما في الساحل المصري (الإسكندرية) ومتواجدة أيضًا في جيبوتي، وهذه الأسباب كانت كافية لطلب دولة قطر تأهيل ميناء سواكن ليعود لأمجاده القديمة، وفي ذلك أهمية اقتصادية وأمنية لكلا البلدين.

فالأهمية الاقتصادية، تخيل أن هذا العمل تمأ هنا سوف تتحول سواكن المدينة البائسة إلي بورتسودان أخرى، تكثر فيها حركة التجارة الخارجية، وحسب وعد أردوغان أن يجعل الحجيج والمعتمرين الأتراك يقصدون الآثار التركية القديمة بعد ترميمها مزارا سياحيًا، وبالتالي فهذه سياحة مضمونة، أضف عليها أنه بدلًا عن أن تقصد السفن ميناء الإسكندرية للصيانة، فستبقى في سواكن لأغراض الصيانة بعد أن تبدأ شركة بناء السفن العمل في الميناء إلى غير ذلك من وجود دولتين بحجم تركيا وقطر كشركا في الميناء.. مع العلم أن لقطر وتركيا مع السودان تجربة شراكة مميزة في مجمع سور لصناعة الملبوسات العسكرية بالخرطوم بحري.

أما الصورة الأمنية فهي تتمثل في ضرورة إيجاد بديل مناسب لميناء بورتسودان، فهو هدف استراتيجي لدول معادية مثل إسرائيل، أو مصر، فمن يدري ربما تطورت مشكلة حلايب ونشب نزاع مسلح بين البلدين، هنا أول ما يتبادر للذهن وبدون تفكير سوف يضرب الطيران السوداني خزان السد العالي لا لإغراق مصر، وإنما لقطع الكهرباء، ولنفس السبب قامت مصر لتلافي هذه المشكلة ببناء أكبر محطة طاقة شمسية في العالم لإنتاج الكهرباء مع محطة للطاقة النووية في ضواحي مصر الغربية (منطقة الضبعة).

وفي هذه الحالة لا يكون أمام مصر إلا أن تضرب ميناء بورتسودان لشل حركة الصادرات والواردات، فهو خيارها الوحيد لأن الطائرات المصرية لا تستطيع أن تصل الخرطوم، فالمسافة تتجاوز ألف كلم.

لذا فمن الأهمية بمكان وجود الأتراك في ميناء سواكن، وفي هذا ضمان حصولنا علي سفن تستطيع أن تعيد أمجاد شركة المواني البحرية إلى مجدها القديم.. ونستطيع أن نحقق تفوق بحري نسبي في منطقة البحر الأحمر، وفي مقدورنا الحصول على بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ بمبلغ زهيد من النوع الذي تصنعه تركيا بشراكة مع هولندا.

إن تركيا في عهد أردوغان يمكن أن تحقق لنا الكثير لا امتنانا من أحد، وإنما شراكة تعززها المصالح بمنتهي المسؤولية. حفظ الله السودان وحفظ الله تركيا وبلاد المسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد