يعتقد البعض أن التقارب التركي الإيراني الأخير بسبب الاستفتاء المزمع عقده في إقليم كرستان العراق في سبتمبر (أيلول) المقبل، ربما يكون هذا التفسير يحمل قدرًا من الصحة، لكن المدقق في جوانب التقارب في الملفات الإقليمية الأخيرة يرى أكثر من ذلك، خصوصًا في الملفين القطري والسوري، كما أن هذا التقارب له انعكاسات كبيرة على ملف الطاقة في أوروبا كما سنوضح.

تعاون تركي إيراني

بعد تعاون إيران مع تركيا في فك الحصار عن قطر عن طريق إمداداها بالمواد الغذائية الضرورية وفتح المجال الجوي أمام الطائرات وتطور التنسيق إلى قيام تركيا بدراسة مشروع طريق بري يربط تركيا بقطر عن طريق إيران، استمر هذا التعاون في الملف السوري لتقريب وجهات النظر، وتم الاتفاق على إقامة مناطق تهدئة في سوريا بالاتفاق مع موسكو، كما أن الشق الاقتصادي حاضر بقوة في هذا التقارب فمن الممكن أن يسفر هذا التقارب عن نجاح عملية تصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا عن  طريق ربط الخط الإيراني بخط غاز (تاناب) المزمع تشغيله في 2018، والذي من المفترض أن ينقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا عبر تركيا.

زيارة رئيس الأركان الإيراني إلى تركيا

تعد تلك الزيارة هي الأولي من نوعها منذ عام 1979 وتحمل في طياتها دلالة قوية إلى رفض الدولتين فكرة إقامة دولة للأكراد في شمال العراق، حيث ينوي إقليم كردستان إقامة استطلاع رأي للمحافظات الكردية الثلاث حول رأيهم في الانفصال عن العراق، وبالرغم من أن هذا الاستفتاء غير ملزم، إلا أنه يعتبر جس جرس إنذار وبوادر رغبة في الانفصال.

تركيا وإيران تبحثان شن هجوم ضد الأكراد

حصار قطر وحصار تركيا وبداية تشكيل تحالفات جديدة

بالتوازي مع حصار قطر وطلب دول الحصار قطع العلاقات مع إيران في ٧ يونيو (حزيران) 2017 وبعد يوم واحد فقط من مصادقة البرلمان التركي على إرسال قوات تركية إلى القاعدة العسكرية في قطر في السابع من يونيو، تم الإعلان عن نية الإقليم الكردي في إقامة استفتاء لاستطلاع رأي السكان في اليوم التالي مباشرة 8 يونيو، وما يفسر ذلك الإجراء هو الضغوط الإماراتية على حكام الإقليم، حيث تدعم أبو ظبي التطلعات الكردية لإقامة دولة لهم، في إطار التضيق على حكومة أردوغان في تركيا.

الإمارات ودعم انفصال الأكراد

تم الكشف عن تأييد الإمارات لانفصال كردستان عن العراق من خلال توقيع أربيل مذكرة تفاهم مع رئيس مركز الإمارات للسياسات ابتسام الكتبي، للمساعدة في تنظيم عملية استفتاء الانفصال، كما قامت قيادات حزبي التغيير والاتحاد الديمقراطي المعارضين في مدينتي السليمانية ودهوك، بنقل معلومات إلى حكومة بغداد، أكدت فيها قيام أبوظبي بدعم مشروع انفصال منطقة كردستان العراق.

وبموجب هذه المعلومات، فقد تعهدت أبوظبي لأربيل بتمويل مشروع الاستفتاء الشعبي المزمع إجراؤه نهاية العام الحالي على الرغم من رفض بغداد.

في تلك الأثناء كان وزير الخارجية الإيراني يزور أنقرة للتنسيق بين البلدين إزاء محاولة حصار قطر وتركيا معًا، حيث ترتبط إيران بمصالح مشتركة مع كلتا الدولتين، بالرغم من الخلافات في بعض الملفات، مثل الملف السوري، حيث تمثل القضية الكردية نقطة لالتقاء وجهات النظر بين تركيا وإيران بسبب الانتشار الكردي بين الحدود الإيرانية والكردية.

الحصار الخليجي والحسابات السياسية الخاطئة

يعتبر هذا التحرك من جانب دول الحصار الخليجي محاولة لحصار تركيا وإخضاها لتبتعد عن دعم قطر عسكريًا ولوجستيًا تمهيدًا لتحجيم نفوذ التحالف القطري التركي مع جماعة الإخوان وحركة حماس.

إلا أن حسابات دول الحصار كانت خاطئة، فلدى التحالف التركي القطري عدة بدائل سياسية وجيو – إستراتيجية للخروج من هذا الحصار، عن طريق التحالف مع إيران وتعزيز التعاون مع عدة دول أوروبية قوية تربطهم عدة مصالح مثل فرنسا.

حيث تقيم شركة توتال الفرنسية شراكات ضخمة مع قطر وإيران في حقل الشمال (أكبر حقل غاز في العالم) فضلًا عن الإاستثمارات القطرية الرياضية في فرنسا وغيرها من الاستثمرات في عدة دول أوروبية.

تاريخ الخلافات بين تركيا وإيران

أطلق الرئيس السوري بشار الأسد مشروع ربط البحار الأربعة (البحر المتوسط والأسود وبحر قزوين والخليج العربي) وذلك في عام 2009 وفي سبيل ذلك تم الاتفاق بين فرنسا وتركيا وسوريا على إمداد أنبوب غاز من الخليج العربي (قطر) إلى أوروبا عبر الأردن وسوريا وتركيا، إلا أن الجانب السوري تراجع بإيعاز من روسيا التي لا تريد بديلًا للغاز الروسي أن يغزو السوق الأوروبي.

الغاز الإيراني وحلم الوصول لأوروبا

في المقابل قامت طهران بتوقيع عقد لمشروع خط الغاز الإسلامي (يوليو2011) الذي يمر من إيران عبر العراق ثم سوريا انتهاء بجنوب لبنان بطول 2000 كم، ثم يمتد في قاع البحر إلى اليونان وإيطاليا بإجمالي طول 4900 كم، ويتميز ذلك المشروع عن المشروع القطري بمواقفة روسيا عليه لأن وجهات النظر الروسية والإيرانية متقاربة ويمكن أن يشكلوا معًا لوبي سياسيًا اقتصاديًا للضغط على المصالح الأوروبية وتطويعها لصالحهم.

بعد الاتفاق مباشرة تحولت المظاهرات السورية إلى ثورة مسلحة مدعومة من دول الخليج التي كانت ترفض وبشدة وجود أي دول إقليمي لإيران، حيث يعتبر هذا الخط بديلًا لمشروع خط الغاز القطري إلى أوروبا عبر تركيا والذي يمر أيضًا بالسعودية والأردن، والذي رفضته سوريا عام 2009.

الذهب مقابل الغاز

بالرغم من التباين في وجهات النظر بالنسبة للموقف في سوريا، إلا أن وجود حدود مشتركة شكل أهمية إستراتيجية للعلاقات بينهما، حيث يمثل الغاز الإيراني المصدر لتركيا 20% من الغاز الذي تستهلكه تركيا (بالرغم من ارتفاع سعره)، وترغب تركيا في وجود بدائل قوية للغاز الروسي خصوصًا بعد الأزمة التي شابت العلاقات بين البلدين في عام 2015.

بينما كانت تجارة الغاز مربحة لإيران لأن تركيا كانت تقوم بدفع ثمن الغاز في صورة ذهب بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، حيث تنص العقوبات على منع تحويل دولارات أو يورو إلى إيران فكانت البنوك التركية تبيع الذهب لإيران بالليرة التركية، ومن ثم يجد الذهب طريقه إلى الخزائن الإيرانية، الأمر الذي مكن إيران من تعويض النقص في احتياطي العملة الصعبة.

تقارب وجهات النظر بين تركيا وروسيا وإيران حول سوريا

بعد سنوات من الحرب في سوريا بدون التوصل إلى نتيجة ملموسة، وبعد قيام أمريكا بدعم الأكراد في شمال سوريا لحصار تركيا؛ مما أغضب الأتراك والإيرانيون بسبب حساسية تلك القضية، وزادت مخاوفهما من إنشاء دولة كردية في المنطقة، (حيث يشكل الأكراد 11 مليون نسمة من سكان تركيا و5 ملايين نسمة في إيران) ويوجد أحزاب كردية مسلحة في البلدين لها نزعات انفصالية قوية، شكل هذا التقارب أولى لبنات التعاون الإستراتيجي في سوريا، كما أن الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا والذي تدعمه أمريكا دفع تركيا إلى تقوية علاقتها مع روسيا وإيران بعد دعم أوروبا لجماعة جولن الانقلابية.

خط الغاز الإيراني لأوروبا

نجحت تركيا في إقناع الجانب الإيراني بجدوي تصدير الغاز لأوروبا عن طريق استخدام أراضيها حيث يفاضل الجانب الإيراني بين عدة خيارات، مثل مرور الغاز بالعراق وسوريا (فشل مع قيام الثورة السورية) أو حتى مرور الأنبوب بأرمينيا وجورجيا إلى البحر الأسود حتى رومانيا، إلا أن التقاء المصالح المشتركة بين الجانب الإيراني والتركي قد رجح مروره بالأراضي التركية، خصوصًا أن تكلفة الخط ستكون أقل في حالة ربطه مع خط تاناب الأزري الذي يمر بتركيا.

كما أن هناك خطة أخرى لتصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا عبر تركيا (من الحقل المشترك بين إيران وقطر في الخليج العربي)، وتم وضع مخطط لمد أنبوب بطول 3300 كم بسعة 40 مليار متر مكعب، يبدأ الأنبوب من الخليج العربي إلى حدود تركيا مع إيران حتى يصل إلى اليونان، ثم إلى إيطاليا، فيما ينقسم الأنبوب إلى شقين بعد ذلك، أحدهما إلى سويسرا والنمسا وألمانيا، فيما يتجه الشق الآخر إلى فرنسا وأسبانيا.

إلا أن الخطة كانت متوقفة على رفع العقوبات عن إيران، وهو ما حدث فعلًا في 2016 من قبل إدرة أوباما.

يتماشي ذلك المخطط مع إستراتيجية الاتحاد الأوروبي في تنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن روسيا التي تزود الاتحاد بـ 39% من احتياجاته من الغاز، حيث تعتمد 28 دولة على استيراد 53% من احتياجاتها من النفط والغاز، الأمر الذي يمثل تهديدًا لأمنها القومي في ظل اعتماد على مورد وحيد للطاقة.

في نفس الإطار وقعت شركة توتال الفرنسية للطاقة عقدًا لتطوير حقل غاز بارس الجنوبي المشترك مع قطر، حيث ارتفعت صادرات إيران من الغاز المسال إلى 125 مليون برميل منذ رفع العقوبات عنها وتأمل في زيادة إنتاج الغاز المسال وتصديره إلى الهند وباكستان.

المساندة الأمريكية لأوروبا

قام الكونجرس الأمريكي بالتصويت بأغلبية ساحقة على قانون يعاقب روسيا، حيث يمنع شركات الغاز الأوروبية من المشاركة في إتمام مشروع (السيل الشمالي 2) الذي يغذي شمال أوروبا بالغاز والمتوقع إتمامه في 2019، بالتزامن مع الضغط على قطر بشأن زيادة إنتاجها مع الغاز بنسبة 30% لزيادة المعروض في السوق الدولية، كما قامت الإدارة الأمريكية السابقة برفع العقوبات عن إيران والسماح لها بزيادة إنتاج الغاز الطبيعي، مع استمرار المشاريع الأمريكية الداخلية لزيادة إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا عن طريق استكمال بناء 30 ميناء لتسيل الغاز الصخري المكتشف حديثًا في أمريكا.

بهذه الإجراءات تكون أمريكا قد قيدت النفوذ الاقتصادي لروسيا على أوروبا ونوعت مصادر الغاز.

القلق الأوروبي المتزايد من تركيا

بالرغم من تعدد مسارات أنابيب الغاز المصدرة لأوروبا من جهة الشرق، إلا أن مرور معظمها بالأراضي التركية يجعل الكثير من أورواق الضغط بأيدي حكومة أردوغان ذات التوجه الإسلامي، الأمر الذي يقلق أوروبا كثيرًا، وهو ما انعكس على برود العلاقات التركية الألمانية والتركية الهولندية مؤخرًا.

حيث تم توقيع عقد لتصدير الغاز من أذربيجان إلى جنوب أوروبا مرورًا بتركيا في عام 2016، كما قام بوتين بتدشين بناء السيل التركي في نفس العام، ومع اكتمال مفاوضات مشروع الأنبوب الإيراني لأوروبا تكون تركيا قد أصبحت مركزًا عالميًا لخطوط نقل الطاقة إلى أوروبا ويزيد من نفوذها الإقليمي والعالمي، طبعًا مع الأخذ في الاعتبار مشروع أنبوب الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا.

تذبذب العلاقات الأمريكية الإيرانية

بعد التوتر الذي شاب العلاقات بين السعودية وأمريكا عقب إلغاء العقوبات على طهران في بداية 2016 ثم أعقبه قانون جاستا الذي يتيح لأمريكا مقاضة الحكومة السعودية وطلب تعويضات لضحايا 11 سبتمبر (أيلول) في انحياز مفاجئ لإيران، شهدت السياسية الأمريكية تحولًا كبيرًا تجاه إيران مع قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة، والذي توج بعقد قمة الدول الإسلامية في الرياض، الأمر قد شجع السعودية على تقريب وجهات النظر مع العراق للحد من النفوذ الإيراني فيها.

قلق سعودي متزايد من التقارب التركي الإيراني

الأمر الأخر الذي دفع السعودية إلى تكثيف اتصالاتها مع الجانب العراقي هو ذلك التنافس السياسي والعسكري في اليمن والبحرين وسوريا بين الرياض وطهران، حيث قامت الرياض بطرح فكرة إعادة إعمار المناطق السنة التي دمرتها الحرب على داعش الذي يتكلف 100 مليار دولار على 4 سنوات؛ مما يمكنها من التنفذ داخل أروقة السياسة العراقية والتأثير فيها، خاصة بعد فشل الحصار على قطر وتزايد التقارب القطري الإيراني التركي.

وأيضًا من أجل كسر الحصار السياسي المفروض على السعودية بسبب السياسة الخاطئة في اليمن قامت بتوسيط العراق من أجل تخفيف التوترمع إيران، حيث خسرت علاقتها مع دولة إقليمية قوية مثل تركيا، كما تم تحييد عدد آخر من القوى، مثل سلطنة عمان والأردن (بعد زيارة أردوغان الأخيرة إلى العاصمة الأردنية عمًان).

كلمة أخيرة

وخلاصة القول فإن المرونة السياسية التي تتمتع بها تركيا مكنها من تحويل البوصلة السياسية نحو المصالح الأيديولجية والاقتصادية من أجل صناعة تحالفات جديدة لمواجهة المؤامرات الأمريكية والأوروبية التي تريد السيطرة على مقدرات المنطقة وترفض خروج المنطقة من التبعية السياسية والاقتصادية للغرب، حيث يقوم الغرب برسم السياسات وفرضها على النخب الحاكمة في المنطقة، إلا أن وجود حزب إسلامي ذات نظرة سياسية اقتصادية مستقلة وعميقة عمل على الخروج من تلك التبعية ورسم خارطة جديدة للمنطقة من منطلق مصالح الشعوب ومكن من استغلال الموقع الجيو – إستراتيجي لتركيا؛ لتتبوأ مكانة إقليمية ودولية، تمكنها من صناعة التحالفات ورسم مستقبل لتركيا والمنطقة الاقتصادي والسياسي بعيدًا عن دائرة النفوذ الأمريكية والروسية.

بينما على النقيض من ذلك فإن استمرار السياسة الخارجية للسعودية والإمارات القائمة على عمل انقلابات وفرض حصار يستنزفها ماليًا وسياسيًا ويجعلهما ضحية لألاعيب السياسة الأمريكية، التي تساوم حكام الخليج للحفاظ على مناصبهم مقابل تنفيذ الإملاءات الغربية، والتي آلت إلى فشل ذريع وخسائر سياسية نتيجة التهور وقلة الخبرة السياسية وغياب الرؤية.

فهل تستمر تلك التبعية الخليجية للغرب، أم يحذوا حكام الخليج حذو الطيب أرودغان في الاستقلال السياسي والتخلص من تلك التبعية المميتة؟ وهل ستصمت أوروبا وتترك خطوط الطاقة تتركز بأيدي أردوغان وبوتين، أم أن الساسة الأوروبيين سيكون لهم رأي آخر؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!