عندي 10 أسباب تجعلني أعارض السيد الرئيس رجب طيب أرودغان، لكن عندي العشرات من الأسباب تجعلني أؤيده وأضعه في صف القادة العظماء الكبار في تاريخ العالم الإسلامي الحديث، بالنظر إلى حجم الإنجازات التي حققها في بلاده، والجاهل والجاحد وحده هو الذي ينظر إلى العشرة وينكر ويتجاهل العشرات، وأنا على ثقة من أن معارضي أردوغان في خارج تركيا والحاقدين عليه داخلها يؤذيهم نجاحه وجميعهم ربما راهنوا على فشله، لكي يثبتوا فشل النموذج الذي يمثله، نموذج التعايش بين الحداثة والإسلام، بين الديمقراطية والتدين.

إن الذين زاروا تركيا قبل حوالي 15 عامًا أو يزيد، ثم زاروها هذا العام أو الذي قبله يدركون حجم الفارق، يدركون أنهم أمام دولة أخرى غير تلك التي زاروها من قبل، مستوى الرفاهية للمواطنين ومستوى الخدمات العامة، مستوى البنية الأساسية من طرق واتصالات ومواصلات ونظافة ونظام وتنظيم وقانون يضاهي أي نموذج يمكنك ذكره في العواصم الأوروبية الكبرى، إن مستوى النمو الاقتصادي والصناعي والزراعي مبهر مدهش، مستوى الثراء الإعلامي من صحف وفضائيات ومجلات وإذاعات يستحيل أن يحصرها متابع بمفرده لو أراد، وكان الثراء الإعلامي موجودًا قبل أردوغان في تركيا، ولكن ثراء التنوع والتعددية الحقيقية الآن لم يكن موجودًا قط.

إن فاعلية الشارع السياسي التركي لم يكن مألوفًا أن ترى مليونيات جماهيرية في المدن الكبرى، الآن يمكن أن ترى ذلك كل أسبوع، هناك شعور مختلف لدى المواطن التركي، يتملكه إحساس أكبر بكرامته وحريته وإرادته وثقته بقدرته على التكامل والتغيير، هناك بنية مؤسسية حقيقية وليس ديكورًا فقط، هناك دولة ومؤسسات تشريعية بالغة الشفافية والقوة، هناك سلطة تنفيذية تخضع لرقابة شعبية وبرلمانية وإعلامية وقضائية عنيفة للغاية، وسلطة قضائية عادلة وقوية ومستقلة وإن كانت تعاني آثار معارك الدولة العميقة مع التطور الجديد في البلاد، هناك تنوع بشري غير طبيعي في السلوك والأخلاق والعادات والطباع وفي طريقة التعبير  عن الحق والرأي والدين والعرق لم يكن مألوفًا أبدًا فيما مضى.

إن النجاح الأعظم (لأردوغان) في مسيرته السياسية راجع إلى نجاحه في تحييد المؤسسة العسكرية التركية وأجهزتها الاستخباراتية المخيفة والخطيرة وإخضاعها لسلطة الشعب وقياداته المنتخبة ؛ كانت سيطرة قادة العسكر وأجهزتهم مطلقة على البلاد، وكانت الديمقراطية التركية هي مجرد واجهات «للسلطة» الحقيقية (سلطة الجيش)، وعندما تستعصي أي انتخابات وأي حكومة، يتدخل الجيش فيلغي الانتخابات ويحل البرلمان ويعطل الدستور ويحل الحزب الحاكم أحيانا، ويعتقل رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء ويمكن أن يحكم عليه بالإعدام من خلال القضاة الموالين للجيش، وكان الجنرالات يملكون شبكة معقدة من الولاءات المنظمة التابعة لهم بين رجال الأعمال الكبار وأباطرة الإعلام من صحف وقنوات تليفزيونية وصحفيين وكتاب طامعين في جزء من كعكعة السلطة والنفوذ، وأحزاب ضعيفة بقيادات فاسدة تملك الأجهزة ملفات كافية للزج بهم إلى السجون فيشترون ولاءهم مقابل تركهم يعمهون في فسادهم، وقضاة ظلام  يعادون الحريات، ولديهم مواقف أيديولوجية عنيفة تجاه التيارات المحافظة، فكانوا يخدمون مخططات العسكر ويشكلون مظلة قضائية تبطش بالمعارضة السياسية، وتزج بقياداتها في السجون أو إلى أعواد المشانق، بحيث يبدو وكأن هذا البطش هو حكم العدالة والقضاء وليس توجيهات العسكر.

إستطاع أردوغان بصبر ودأب ونفس طويل وذكاء سياسي خارق، نجح في أن يفكك هذه المنظومة تدريجيا، استغرق الأمر 12 عامًا تقريبًا؛ حتى نجح في وضع المؤسسة العسكرية تحت ولاية الشعب التركي من خلال مؤسساته المدنية المنتخبة، بل وحول العديد من الجنرالات الكبار للمحاكمة على خلفية تآمرهم على الديمقراطية وقيامهم بالانقلاب على القادة المنتخبين، وآخرون حولهم للمحاكمة لتجسسهم على المعارضين، وكانت المفارقة والصدمة عند اكتشافه أن مكتبه كرئيس للوزراء خاضع للتنصت من قبل الاستخبارات، بعد 10 سنوات من وجوده في السلطة!

وبقدر ما نجح أردوغان في السيطرة على الجنرالات وطموحهم وإمبراطوريتهم الاقتصادية وتفكيك دولتهم العميقة بقدر ما نجح في محاصرة الفساد، وتفكيك شبكاته واحدة بواحدة، بقدر ما حقق طفرات اقتصادية وتنموية لم يسبق لها مثيل في تركيا وقد شاهدها العالم كله، مما جعلت تركيا تحتل المراتب الأولى بين الدول العشرين الأعظم على مستوى العالم، سابقا بذلك دول أوروبية كبيرة بعد أن كان ترتيب بلاده المائة تقريبا، كما حقق طفرات علمية وتقنية هائلة، وباختصار، نجح في تحقيق ثورة إصلاحية شاملة في كل المجالات.

كل هذا نجح فيه أردوغان وهو لا يخفي شخصيته المتدينة هو وزوجته وأولاده، ولا التزامه الديني الواضح، ولا إيمانه بالمنظور الإسلامي كأحد أبناء الأحزاب السياسية الإسلامية السابقة (جماعة الإخوان المسلمين)، هو وكثير من قيادات حزبه كذلك، ولكنه نجح في تفجير روح حداثية مبدعة وخلاقة في بلاده، تزاوجت مع هذا الالتزام الديني، واحترمت التنوع الفكري والمذهبي والعلمي، واحترمت التعددية السياسية، واحترمت البناء المؤسسي للدولة الحديثة والفصل بين السلطات وسيادة القانون وسلطة الشعب على قرارات الدولة والحفاظ على الحريات العامة، ولم يكن هذا كله محصورًا في الإطار النظري أو التنظيري كما درج إسلاميون كثر، وإنما كان على مستوى عملي تطبيقي، رآه الناس وعاشوه ولمسوه بأيديهم، وجنى مواطنوه ثماره.

لهذا يخاف كثير من الديكتاتوريات العربية من نموذج أردوغان، ولهذا يفزع كثير من نظم القمع المبنية على شبكات الفساد المماثلة من تجربة أردوغان، لأنها تظل شمس النهار التي تكشف للناس ظلام ليل القمع والفساد والاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد