يبدو أن السيد أردوغان مصرٌّ تمام الإصرار على المضي قدمًا نحو تنفيذ طموحاته نحو تحويل بلده إلى نظام رئاسي مهما كلف ثمن ذلك، ويبدو أن السيد لم يعد مباليًا بالأصوات المنتقدة والمعارضة لسياسته بالسير بالبلاد نحو نظام يدار ويقاد بمنطق رجل وحيد أوحد هو رجب أردوغان وفقط.

ويبدو كذلك أن تعنت الرجل وتماديه في استعداء كل من يعارضه والدفع بتنحية كل من يقف في طريقه، كلها عوامل قد لا تصل بالبلد إلى بر الأمان، وقد لا تسير الأمور كما أراد السلطان وخطط لها دائمًا حتى وإن ضمن مبدئيًّا موافقة من حزبه ما دام الأخير سيذهب لاختيار رئيس جديد للحكومة بمرشح وحيد وهو وزير النقل المقرب جدًّا من أردوغان «بن علي يلديريم» بعدما تم اختياره رئيسًا للحزب قبل ذلك.

لا أحد ينكر دور أردوغان قائدًا ذا كاريزما مؤثرة في النهضة الاقتصادية التركية الحديثة، كما لا ضرورة من التذكير بالمنجزات غير الهينة التي حققتها تركيا خلال فترة حكمه منذ بداية هذا القرن، كما أنه يحسب لأردوغان كونه من الرؤساء القلائل إذا لم يكن الزعيم الوحيد في العالم الذي جاهر بمواقف مناهضة ومنددة بالعديد من السياسات والانتهاكات ضد العديد من الشعوب في المنطقة وخارجها، رغم ما جر عليه ذلك من عواقب وتبعات وخيمة على بلاده وعلى علاقتها ببلدان وأنظمة عديدة.

ولا يمكن أيضًا أن نتجاهل المواقف «الرجولية» للسيد أردوغان حول مختلف القضايا السياسية في المنطقة، ليس فقط تجاه شعبه وإنما تجاه كل الشعوب العربية والإسلامية، حتى أصبح ينظر إليه الكثير من محبيه بكونه ناصر المظلومين ورمزًا للقائد البطل والزعيم المخلص للمسلمين من الهيمنة والتبعية والظلم الغربي والحكام التابعين له.

كل هذا جميل للغاية وكل هذا يحسب للسيد أردوغان وحزبه، لكن اللا جميل والوجه المظلم في كل هذا وذاك أن السيد أردوغان لا يعي أنه بدأ يهدم كل تلك الأشياء الجميلة التي بناها، فالسيد أردوغان وبعد أن جعل من بلده نموذجًا مثاليًّا تحلم به كل شعوب المنطقة، وفي ظل توليفة نظام إسلامي-علماني، أصبح بعد سياساته المتواصلة للسعي ليكون الرجل الأول والأخير والآمر الناهي الوحيد في الدولة يبدو في نظر الشعوب رجلًا ساعيًا نحو التأبد في السلطة أكثر من أي شيء آخر.

إذ يبدو أن الرجل غارق في عسل الشعبية التي يحظى بها في المنطقة والتي لا ينكرها أحد، غير أن هذه الشعبية نفسها يمكن أن تكون نقمة على الرجل، إذ أصبح الرجل بسببها بشكل غير واعٍ مهووسًا بالزعامة وجعلته يمس بنوع من «جنون العظمة»، للدرجة التي أصبح يتعامل مع معارضيه سواء داخل تركيا أو خارجها بنوع من التعالي وربما حتى الاستخفاف والازدراء، وأصبح الرجل لا يطيق أي صوت أو أي تيار ينتقد أو يعارض أيًّا من سياساته أو قراراته.

كما لا ننسى أيضًا أن سياسة الرجل هذه، سواء على المستوى  الداخلي أو الخارجي، قد خلقت له الكثير من العداءات والضغائن مع الكثير من الأطراف المختلفة وأصبح رأسه مطلوبًا أكثر من أي وقت مضى، إذ إن في أقل من خمس سنوات تحولت إستراتيجية «صفر مشاكل» والتي كانت سببًا رئيسيًّا في الطفرة الاقتصادية التي عرفتها تركيا، إلى بلد يحيط به الأعداء والتهديدات من كل جانب وصوب.

فسياسة الرجل الجديدة في استعداء الأصوات المنتقدة والمعارضة له، بما في ذلك التي تصدر من قيادات من داخل حزبه، والسعي إلى الظهور بمظهر الرجل الوحيد القادر وحده فقط على قيادة البلد، وتماديه في خلق أعداء وعداوات جديدة؛ كلها أسباب كافية لتحول البلد من حلم كانت تصبو إليه كل دولة وشعب في المنطقة، إلى كابوس مخيف وغير مرغوب فيه من أي كيان.

وقد لا نبالغ إذا قلنا أن ذلك ربما سيكون بداية لنهاية «النهضة التركية الجديدة»، كون في حال تحقق ذلك فيعني تحول تركيا من دولة مؤسسات تعرف اقتسامًا حقيقيًا للسلط، إلى دولة أفراد وزعامات يشكل أردوغان الركيزة الأساسية فيها وربما الوحيدة، وبذلك سيكرر نفس الخطأ الكبير الذي عانت منه المنطقة ولا تزال منذ التاريخ، وهو ربط  كل مصالح الدولة بشخص واحد وهو الشخص القائد وزعيم الدولة، وبه تتم شخصنة كل القرارات الإستراتيجية عوض مأسستها، فيصبح عندما يموت الزعيم أو يعجز عن أداء مهامه تعجز معه البلد بكاملها وينسف كل ما تم بناؤه في لحظة واحدة.

أما حتى لو افترضنا جدلًا وآمنا بصدق نوايا الرجل، وربما قد يكون فعلًا كما كان يرى ذلك أن من مصلحة تركيا أن يكون لها نظام رئاسي وبصلاحيات أكبر لرئيس الجمهورية، فإن هذه الفكرة ليست سوية وهي ستكون خطأ حتى لو حققت النجاح المطلوب، ببساطة لأن ذلك سيؤسس لمنهج ونمط خاطئ في تدبير نظام الحكم، لأنه ليس هناك من يضمن أن لا يتم استغلال ذلك نحو طموحات شخصية، أو حتى يفتح المجال لشرعنة ذلك لمن يأتي من بعده، وبذلك يصبح معه كل رئيس أو زعيم مستقبلي، يعدل الدستور حسب رغباته ومقاسه الشخصي، وهذا ما قد يجعل من تركيا بعد أن كانت «النموذج المثالي» الذي تطمح العديد من الشعوب في المنطقة إلى تحقيقه، أن تتحول إلى دولة سلطوية مرة أخرى شأنها شأن مثيلاتها في المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد