لاعبُ كرةِ القدم الذي وضع بلاده على خارطةِ أقوى اقتصاداتِ الدنيا. والحاكمُ الذي لم يخسرِ انتخاباتٍ ديموقراطيةً قط. ماذا تعرف عن رجب طيب أردوغان؟

ولد في عام 1954، في حي قاسم باشا بمدينة إسطنبول في تركيا، وباع السميت والبطّيخ في صغره ليُساعد والده أحمد أردوغان – رحمه الله – وتخرّج من ثانوية إسطنبول للأئمة والخُطباء عام 1973، ثم بدأ الدراسة في جامعة مرمرة في كلية الاقتصاد والعلوم التجارية، طفولةٌ فقيرة ومعارك شعبيّة، دروسٌ دينية وأخرى في علم الاقتصاد الحديث !

تلك هي الخلطة السحرية لِمن سيكون في قادم الأيّام الزعيم الشعبي الأوحد لتركيا، لكنّ شيئًا وحيدًا كان ينقُصها، وهو فنُّ مناورة الخصوم، وهو فنٌّ سيكتسبه القائد أردوغان من ملاعب كرة القدم وبسرعة.

في عام 1976، رفضَ الطيّب أردوغان الانضمام لنادي فنار بهشة التركي، إرضاءً لوالده، تلك المواهب التي لم تسطَع فقط في ملاعب كرة القدم بل تعدّتها إلى ملعب أكبر، وهو ملعب السياسة.

البِدايات

انضمّ الرئيس أردوغان إلى حزب السلامة الوطني مُبَكِّرًا، ثم التحق بحزب الرفاه الذي بعد ذلك أصبح رئيسَ فرعه في إسطنبول، وبعد الرفاه التحق بحزب الفضيلة، أحزاب إسلامية بقيادة نجم الدين أربكان، رحمه الله، وحظرها الجيش تباعًا!

رئيس بلدية إسطنبول الكُبرى

في عام 1994 أصبح الرئيس أردوغان رئيس بلدية إسطنبول، المدينة الكبيرة بحجمها ومشاكلها،حوّلها الرئيس من أكبر مكبٍّ للقُمامة في العالم، إلى أجمل مُدُنِ العالم

استورد الغاز من روسيا فحلَّ مُشكلة التلوُّث المُنبعث من فحم التدفئة، ونصب أحدث المُنشآت لتدوير النفايات، فانتهت مُشكلة القُمامة إلى الأبد، وشيَّد سبعة سدود مائيّة، ومدّ شبكة أنابيب ضخمة ليُوصل مياه الشرب إلى كل منزل في إسطنبول.

أنشأ أكثر من 50 جسرًا وطريقًا سريعًا ونَفَقًا لِيَحُلَّ مشكلة النقل بشكلٍ كبير وفوق هذا كُلِّه حققت بلدية إسطنبول في عهده أرباحًا تزيد على 4 مليارات دولار، بعد أن كانت تدين بأكثر من ـِ 2 مليار دولار، 4 مليارات وأبع سنوات كانت كفيلة بصنع ما عجز عنه الآخرون في سوريا واليمن وليبيا خلال أربعة عقود!

لقد أُنجزت المهمة وبات الطريق مُمهَّدًا الآن لرئاسة الحكومة، ولكنّ بضعة أبيات من الشعر كانت كفيلة بتوقف المسيرة:

«مساجدنا ثكناتنا.. قبابنا خوذاتنا.. مآذننا حرابنا.. والمؤمنون جنودنا.. هذا هو الجيش المقدس.. الذي يحرس ديننا».

أبيات شعر صدح بها رئيس بلدية إسطنبول رجب طيب أردوغان من قلب ميدان ولاية «سيرت» شرق تركيا عام 1997 وقادته للسجن لمدة أربعة أشهر من قبل المُجرمين حُرَّاسُ الأتاتوركية، ومنع من العمل في الوظائف الحكومية ومنها الترشح للانتخابات العامة لاتهامه بمُعاداة العلمانية!

لبث في سجنه أربعة شهور أعاد النظر في التجربة برمتها، فقرر أنّه لا بُدّ من كسر الجدار، وبناءِ رؤية جديدة، خرج الطيب عام 1998 من سجنه ليترك معلَّمه القديم أربكان، ويؤسس حزبه الجديد، العدالة والتنمية، حزبٌ مُقَدّرٌ له ألا يخسرَ أيّةَ انتخاباتٍ يخوضوها منذُ وصوله للسُّلطة.

أردوغان الزعيم وحصاد الإنجازات

أصبح الطيب أردوغان رئيسًا للوزراء عام 2003 وبدأ بناء تركيا الحديثة بروح عُثمانية، فترُكيا الأتاتوركية قديمًا التي أشاحت بوجهها عن عمقها الإسلامي، أعاد الرئيس أردوغان توجيهها شرقًا لتمد نفوذها داخل الجغرافية الإسلامية، عبر قوتها الناعمة ومُساندة قضايا المُسلمين.

كان سعي الرئيس أردوغان منذ البداية واضحًا وفق سياسية صفر مشاكل، فتمكّن عام 2005 من بدء مفاوضات مع الاتّحاد الأوروبي للانضمام إليه، فلم تعد تركيا جسرًا بين الشرق والغرب فحسب، بل باتت رقمًا صعبًا في الغرب، وقوّة وازنة في الشرق، فقد بنى الرئيس أردوغان اقتصادًا قويًّا خلال 13 سنة.

على المستوى الاقتصادي

بسبب الأزمة المالية التي ألمَّت بتركيا بين عامي 1999 و2002 بسبب القرض الذي اقترضته تركيا من صندوق النقد الدولي في حكومة بولنت أجاويد، ارتفع حجم الديون الخارجية لتركيا وارتفع العجز في الميزان التجاري، وأدى لتعطيل عمل البنوك وإغلاق آلاف الشركات وانخفضت الاستثمارات في تركيا وارتفعت البطالة لكن حزب العدالة والتنمية وقبل الانتخابات الأولى له قدمّ رؤيته لحل الأزمة من خلال  «عبد الله غل».

حزب العدالة والتنمية في الميدان

وبذلك استطاعت تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية تحقيق منجزات اقتصادية ومنها ارتفاع دخل الفرد السنوي من 3500 دولار عام 2002، إلى 17468 ألف دولار، حسب إحصاءات برنامج الاقتصاد التركي لعام 2013، ووصلت صادراتها من 36 مليار دولار أمريكي واستمرت في الارتفاع إلى أن وصلت إلى 140 مليار دولار عام 2013، ومن المتوقع لها أن تصل إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2023، العام الذى ستحتفل به تركيا بالذكرى المئوية لقيام الجمهورية التركية.

وافتتاح أكثر من 125 جامعة في تركيا، ازداد النمو الاقتصادي في عهد أردوغان 5%، بين عامي 2002 و2013، تحتل تركيا الآن المرتبة السادسة عشرة في ترتيب الاقتصاديات على مستوى العالم، وتحتل مدينة إسطنبول المرتبة 27 على مستوى العالم من حيث المدن الأكثر تأثيرًا على مستوى العالم.

رجب طيب أردوغان وأحمد داوود أوغلو، اختارتهما مجلة «فورين بوليسي» عام 2011 ضمن أهم مفكري العالم، على أساس أنهما وراء النهضة الاقتصادية التي تشهدها تركيا الحديثة

خطط داخلية

أنشئت العديد من سكك القطارات السريعة التي تربط عدة ولاياتٍ بعضها ببعض، كما أنشئت سكة مترو مرمراي، الذي يربط بين قطبي مدينة إسطنبول الأوروبية والآسيوية، كما يجري إنشاء الجسر الثالث فوق مضيق البوسفور، والذي سيكون أكبر جسر في العالم يحمل سكة حديد، وافتتح ما يزيد على 30 مطارًا في عدد من المحافظات التركية، وما زال العمل جاريًا على إتمام مطار إسطنبول الدولي الثالث، ونفق أوراسيا الذي سيربط بين قطبي مدينة إسطنبول الآسيوية والأوروبية بطريق للسيارات تحت سطح الماء.

كل تلك الإنجازات الاقتصادية التي تنعم بها تركيا هي بفضل قيادة رجب طيب أردوغان.

على المستويين الداخلي والخارجي

وأشار إلى اعتزام تركيا إطلاق القمر الصناعي «توركسات 5 إيه» في الربع الثالث من العام الجاري.

وأضاف: «سنستكمل العام الجاري مشروع القمر الصناعي المحلي الأول للاتصالات (توركسات 6 إيه)، وسنطلقه العام القادم».

وأوضح الرئيس التركي أن بلاده ستعلن عن برنامج الفضاء الوطني في النصف الأول من العام الجاري.

من جهة أخرى، قال أردوغان إن عدد المرضى الأجانب الوافدين إلى تركيا عبر السياحة الطبية منذ مطلع 2019 حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، بلغ 470 ألف مريض.

واستدرك: «نهدف لرفع هذا العدد إلى 1.5 مليون».

وتابع قائلًا: «أثق بأن تركيا ستحقق أهدافها في مجال السياحة، وسنصل إلى هدف جذب 75 مليون سائح وعائدات بقيمة 65 مليار دولار».

وفيما يخص الجانب الاقتصادي، قال أردوغان: «نسعى لتوظيف 3.2 مليون يد عاملة خلال السنوات الثلاث القادمة وخفض البطالة إلى حدود 9.8% في 2022».

وأضاف أن معدل التضخم وفق البرنامج الاقتصادي الجديد سينخفض إلى 8.5% خلال 2020.

ولفت إلى أن تركيا تسعى لتحقيق نمو بنسبة 5% خلال العام الجاري، وتعمل على تجاوز متوسط النمو العالمي المتوقع 3.4%.

وأوضح أن نسب الفائدة في البلاد بدأت بالانخفاض تدريجيًّا، وأنها ستواصل التراجع خلال الفترة القادمة إلى الحدود المرجوة.

وأشار إلى أن بلاده تعتزم البدء قريبًا بشق قناة إسطنبول التي ستربط البحر الأسود ببحر مرمرة.

وعلى صعيد علاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي، قال الرئيس التركي: «آمل أن تكتسب العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي زخمًا جديدًا في المرحلة المقبلة».

ولفت أيضًا إلى أن تركيا تعتزم خلال 2020 إصدار تراخيص للمناطق البحرية المشمولة في الاتفاق مع ليبيا، والبدء بأعمال التنقيب فيها.

وأردف قائلًا: «بموجب الاتفاق التركي الليبي، لم يعد ممكنًا القيام بأعمال تنقيب أو تمرير أنابيب في المناطق البحرية المشمولة في الاتفاق، دون موافقة تركيا وليبيا».

واستطرد: «نرسل الآن جنودنا إلى ليبيا للحفاظ على استمرارية الحكومة الشرعية هناك، ولإحلال السلام والاستقرار في ليبيا».

وجدد الرئيس التركي عزم بلاده على حماية مصالح جمهورية شمال قبرص التركية في المتوسط، مبينًا أن أنقرة لم تسمح بإقصاء تركيا وشمال قبرص عن شرق المتوسط وفعاليات التنقيب الجارية في تلك المنطقة.

كما تطرق الرئيس التركي إلى الأوضاع السائدة في محافظة إدلب السورية قائلًا: «كثفنا جهودنا للحفاظ على التهدئة في إدلب، وفتحنا أبوابنا لكافة المظلومين في سوريا والعراق».

وأضاف: «ساهمنا في إيجاد حل للأزمة السورية عبر احتضان عدة قمم لزعماء عدد من الدول الفاعلة في المنطقة».

وأكد أردوغان أن بلاده ستواصل جهودها ومساعيها من أجل إحلال السلام والاستقرار في المنطقة.

في عنق الزجاجة

بدأت تركيا تفقد عمقها الإسلامي شيئًا فشيئًا مع إخماد ثورات الربيع العربي، لتصطدم مع مُحيطها والأنظمة الداعمة للثورات المُضادة، كالنظام الإماراتي والنظام المصري، الدّاعمين للانقلابي حفتر، وبدأت كذلك اندلاع أزمات داخلية في البلاد، ففي عام 2013 كانت هناك مظاهرات ضد حكومة الرئيس أردوغان في حديقة غيزي بارك في ميدان تقسيم الشهر، ما لبثت أن عمّت البلاد أغلبها، وقابلتها الشرطة بالقوّة، وخلَّفت أربعة قتلى بين المُتظاهرين، وسبعة من أفراد الشرطة، ولم تكن هذه الأحداث هي الملمح الرئيس لاضطراب المسار في تركيا، فقد بدأت الأزمات من فقدان شعرة معاوية بين نظام بشار وبين حلفائه من خلفه، وبين تركيا التي اختارت جانب الثورة والوقوف مع الشعوب المظلومة، وتعاظمت المشكلة حين تأزمت العلاقة مع روسيا بعد إسقاط طائرتها العسكرية عام 2015، كما توترت العلاقات مع الولايات المتحدة بسبب دعمها للأكراد في سوريا، وزاد الموقف سوءًا وصول مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي لطريق مسدود، وبدأت أن سياسة صفر مشاكل استحالت مشاكل من جميع الاتجاهات، دبابات تملأ الشوارع في تركيا عام 2016 بقيادة انقلابيين في الجيش التركي وغيره من القوّات، والهدف رأس الرئيس أردوغان، آلاف نزلوا للشوارع وحاصروا الدبابات واعتقلوا الجنود، وأسقطوا الانقلاب، خرج الرئيس من عنق الزجاحة وصفحة جديدة بدأت.

يدٌ من حديد

أعلن الرئيس أردوغان حالة الطوارئ في البلاد واعتقل 50 ألفًا وفصل 110 آلاف شخص من وظائفهم، بتهمة العلاقة مع تنظيم غولن الإرهابي، طالت الاعتقالات 13 برلمانيًّا كرديًّا، بتهم تتعلق بالإرهاب، وعشرات الصحافيين بتهم الانتماء للتنظيم الموازي.

الرئيس أردوغان

فاز الطيب أردوغان بانتخابات رئاسية مُباشرة من قبل الشعب التركي في عام 2018، وتمكَّن في الوقت ذاته من إعادة الاستقرار لتركيا واقتصادها، وعاد النمو لسابق عهده، وتدفق السياح مجددًا لإسطنبول، وعادت المشاريع لسابق عهدها.

شتّان بين رجل بنى وبلاده وساهم في قوّتها وآخر في سوريا دمرها وجلس فوق خرابها، شتّان بين رجل نهض باقتصاد وطنه وبين زين العابدين بن علي في تونس، الذي سرق مليارات البلاد وفرّ هاربًا، بين من رفع دولته لتكون بين العشرين الكبار، وبين من جعلها أخطر بقعةٍ على وجه الأرض، بين حاكمٍ يُسانده غالبية الشعب وبين طاغية في سوريا يكرهه أغلب الشعب.

انظر إلى أردوغان كما تشاء فهو جاء بانتخابات نزيهة وحرّة ويستطيع الشعب إعادته لمنزله كذلك بالصندوق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد