أصبحت تركيا برئيسها الحالي رجب طيب أردوغان محط أنظار الجميع.

فبعد سنوات من الانغلاق على نفسها باتت دولة يتحدث عنها الجميع فارضةً نفسها إقليميًّا ودوليًّا بعدة سياسات تأتي من موقعها الجغرافي، وقوة إرادة حاكمي البلاد أردوغان ورفاقه.

ففي الآونة الأخيرة احتلت مكانة هامة في العالمين العربي والإسلامي، بل أنشأت العديد من النوافذ الإلكترونية الإعلامية باللغة العربية التي تهتم بتفاصيل الشأن التركي خارجيًّا وداخليًّا.

بالتأكيد لم تصل تركيا لهذه المنزلة جزافـًا أو مع مرور الزمن لكنها حددت موقعها إقليميًّا، ولعبت على استقرار وضعها الداخلي رغم أن تركيا بها الكثير من العوامل الفاعلة التي تجعلها دولة غير مستقرة؛ حيث تعدد الجنسيات، وحساسية الحدود وقوة الأحزاب المعارضة، وتغلغل الدولة العميقة وتأثيرها.

فتوجهت تركيا إلى العالم الخارجي في أفريقيا وبلاد البلقان ودول الاتحاد السوفيتي ذات الأصول التركية، وأحيت آثار الدولة العثمانية في تلك البلاد لإحياء حضارة واستعادة أمجاد ترمز إلى الدور التاريخي للأتراك في خدمة الإسلام، وساهمت في التعليم فيها وفتحت الأبواب على مصراعيها لمؤسسات الدعم والإغاثة في تلك الدول، حتى أصبحت تركيا فاعلاً مؤثرًا فيها بشكل تلقائي.

عاشت تركيا سنوات الانغلاق على نفسها طوال أكثر من 60 عامًا بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية ومكث الشعب التركي في براثن التأثر الغربي المقيت، فعاشت التطور الغربي في الفن والانحلال وغيرهما دون أية تنمية حقيقة في مصلحة الشعب والمواطن العادي. حيث عاصر الأتراك أكثر من انقلاب عسكري. كما واجهت تركيا فترة طويلة من القمع حُوربت فيها قيم وثقافة قطاع كبير من الشعب التركي.

فاقتصاد ضعيف ومستوى متدني في المعيشة والدخل العام!
ووضع دولي وإقليمي سيئ! علاقتها بالدول الإسلامية ضعيفة! الروابط بين الشعوب الأخرى شبه منقطعة! مما أدى إلى فجوة كبيرة بين الشعب التركي والحكومات حتى أوائل التسعينيات.

لماذا ذكرت كل هذا؟

الوصول لنقطة هامة نفتقدها نحن في منطقتنا وهي ثقة الشعب في الحاكم وفهم الحاكم لشعبه. التجربة التركية بقيادة أردوغان لها ما لها وعليها ما عليها.

 

لكن الدرس الذي نأخذه من هذه التجربة هي كيف يستطيع حاكم أن يفهم شعبه؟

ويفعل كل شيء مستهدفـًا رضا شعبه؛ حتى في طريقة إلقاء خطاباته ونوعيتها ومحتواها الذي يجعل شعبه يستمر في دعمه في استحقاقات انتخابية مستمرة لمدة 13 عامًا.

الشعب التركي في طبعه شعب يحب الزعماء ويقتدي بهم ويقدس الزعيم القوي.
كان رؤساء تركيا قبل أردوغان يقفون أمام رؤساء أمريكا أو أوروبا مطأطئي الرؤوس وكانوا في الاجتماعات الدولية دائمًا في الصفوف الخلفية دائمًا. مثالاً لذلك مشهد معروف لرئيس وزراء تركيا السابق أجاويد وهو يقف أمام الرئيس الأمريكي كلينتون مكتوف الأيدي وناظرًا للأسفل أمامه.

لكن أردوغان مختلف في هذا الأمر فيجلس بجانب أوباما واضعًا قدمًا على قدم ويجعل رئيس فرنسا أسفل منه في الاستقبال الرسمي ردًّا على إهانته لتركيا. يقوم برفع علم تركيا من الأرض في اجتماع الأمم المتحدة ويضعه في جيبه؛ يقف في مؤتمر دافوس ويقول ليبيريز “وان مينيت” ويترك الاجتماع.

وهذه الأفعال تعبر عن الشعب التركي ويعتز بها المواطن العادي. كان لكل هذا تأثير على حب الأتراك لرئيس وزرائهم وعودة الثقة لدى الشعب في حاكمه بأنه حاكم قوي ذو تأثير يمثلهم.

يخرج أردوغان في استقباله لرئيس فلسطين محمود عباس ومن ورائه تشريفة يوجد بها جنود بزي الــ 16 دولة التي أسسها الأتراك على مدى التاريخ بداية من أول دولة تركية في التاريخ، وهي دولة الجوك تورك حتى الدولة العثمانية. فهي رسالة قوية لشعبه وللعالم أن تركيا قد تغيرت. وكل هذه الأمور تستهوي المواطن العادي المعتز بتاريخه وأصوله، على عكس الأحزاب العلمانية التي باعدت بعنف بين الشعب التركي وهويته وتاريخه الأصلي.

خطاب أردوغان دائمًا ما يكون قويًّا مليئًا بتفاصيل يهتم بها المواطن في حياته اليومية؛ يقسو فيه على المعارضة العلمانية والقومية. يتطرق دائمًا على تاريخ تلك الأحزاب التي لم تسهم في تطور تركيا ولا الاهتمام بمطالب المواطنين.

لمس أردوغان في سياسته وطريقة إدارته حاجة الناس وساهم على مدار العشر سنوات السابقة في تحسين مستوى الدخل والاهتمام بخدمة الناس (عن طريق البلديات). نظف البلد وأنشأ الطرق وأكثر من الخدمات فسهل على الناس حياتهم ورفع مستوى تلك الخدمات في المؤسسات الحكومية والمستشفيات وكل ما يلمس حاجة المواطن العادي والأمور التي تهمه شخصيًّا مثل التأمين الصحي والتعليم المجاني في الجامعات وتقليل الأمية وفتح آليات الاستمتاع بالحياة لكافة طوائف شعبه.

كنت في حديث مع زميل تركي يعمل في مجال الأبحاث والإحصائيات فحكى لي أنه بعد انتخابات البلديات في إحدى الدورات الانتخابية فقد حزب العدالة والتنمية إحدى البلديات، ولم ينجح رئيس البلدية السابق في تلك الانتخابات رغم حب المواطنين هناك لحزب العدالة والتنمية، فاكتشفوا بعد دراسة عملية أن هذا الشخص كان مضيقـًا على التجار والبائعين، ولم يكن متجاوبًا أو متفاعلاً معهم. فغير الحزب سياسته وتعامله في تلك المنطقة. فإدارة أردوغان تعمل على الأرض مع الناس وتتفقد احتياجاتهم المادية والنفسية وتترقب ذلك في أعمالها تحسبًا للانتخابات التي تليها.

وللعلم أنه رغم ارتفاع مستوى المعيشة وزيادة موارد الدخل إلا أن المواطن يشعر بصعوبة الحياة والغلاء؛ لكن تسارع الحياة وحركتها تجعل الناس متجاوبين ومتأقلمين مع الوضع وهذا يرجع لأمرين أولهما: ثقة الشعب في أردوغان.

ثانيًا: استقرار الدولة لفترة زمنية طويلة دون اضطرابات تؤرق راحة الشعب عكس الفترات السابقة التي كان يتخللها انقلابات واضطراب اقتصادي وسياسي.

فلعب أردوغان وحزبه على أكبر متطلب للشعوب وهو الاستقرار واستمرار الحياة. حتى إنه جعل “الاستقرار” شعارًا لحملته الانتخابية. فالاستقرار مع نجاحات اقتصادية وسياسية على الواقع جعل الشعب التركي يصوت لأردوغان في كل انتخابات بنسب متقاربة والتي تصل للخمسين في المئة. وهي نسبة لا يحصل عليها أي حزب حاكم جاء بانتخابات نزيهة حقيقة في منطقتنا.

من زار تركيا من الخارج قبل عشر سنوات ويزورها الآن يدرك مدى التغيير الذي حدث على مستويات كثيرة. والمواطن التركي يدرك ذلك جيدًا فتسأل أي مواطن في الشارع أو سائق تاكسي رغم ظروف المعيشة الصعبة حاليًا يقول لك بلدنا الآن أفضل بكثير مما سبق وأردوغان هو من جعل تركيا تصل لهذا الوضع الجيد.

فكيف تثق الشعوب في حكامها في المرحلة القادمة. عندما ننظر إلى دولة كتركيا لم نسمع خلال السنوات السابقة وخصوصًا في موسم الثورات أن الشعب التركي بمختلف طوائفه قام وطالب بإسقاط الحكومة والنظام! وهذا بالرغم من وجود مشاكل داخلية مستعصية في تركيا.

ويرجع ذلك إلى أن الشعب التركي فعلاً يثق في حكومة “العدالة والتنمية” وأردوغان. لأن المواطن يرى نجاحات على كل الأصعدة ويرى تقدمًا، حتى ولو كان بطيئًا من وجهة نظر بعض المعارضين، حكومة استطاعت أن تعيش مع شعبها وتلبي طلباته، وتملك حرفتها في التعامل مع الأزمات، وامتلاكها لإدارة داخلية استطاعت أن تجعل من هذا البلد قوة اقتصادية رهيبة تنافس الأسواق العالمية الآن.

نستخلص من كل ما سبق؛ أن أردوغان وحزبه استطاع أن يستوعب بعمق شعبه ومؤيديه. نجاح يحسب له ولفريقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد