كانت انتخابات البلدية التركية هي الأبرز في الصحف العالمية، لما لها من أهمية كبيرة في تركيا بشكل خاص، بعد التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي وهو النظام الذي لم تألفه البلاد من قبل، وكذا في عدد من دول العالم بشكل عام. وسنحاول في هذا المقال بشكل موضوعي إن شاء الله إلقاء الضوء عن نتائج الحزب الحاكم في تركيا في الانتخابات البرلمانية والمحلية التي نافس فيها منذ تشكيله للحكومة في عام 2002 وكذا الأوضاع الاقتصادية في البلاد وتأثيرها على المواطن التركي.

حصل حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية على 52 في المئة في انتخابات البلدية التي أجريت الأحد الماضي، إلا أن الحزب الحاكم قد تعرض لخسارة بلديات مهمة جدًا وهي إسطنبول، على الأرجح رغم أنه مازال هناك طعون لإعادة فرز بعض الأصوات، وأنقرة وإزمير.

فهذه البلديات هي بمثابة العمود الفقري للحزب الحاكم، حيث ووصل الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السلطة من خلال رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994 والتي ظلت تحت سيطرة الحزب الحاكم منذ 2002.

وتعرض أيضًا حزب الحركة القومية لخسارة في بعض المدن مقارنة بالانتخابات السابقة.

جرت الانتخابات على 81 بلدية والتي تنافس فيها 12 حزبًا سياسيًا وهي العدالة والتنمية والحركة القومية، والسعادة، والجيد، والشعب الجمهوري، والشعوب الديمقراطي، واليسار الديمقراطي، والوطن، والشيوعي التركي، وتركيا المستقلة، والوحدة الكبرى والديمقراطي.

يسيطر الحزب الحاكم وحليفه على 40 محافظة من أصل 81، وجاءت النتيجة كالتالي: فاز الحزب الحاكم بـ44.95 في المئة من إجمالي البلديات، وحزب الشعب الجمهوري المعارض القوي 30.25٪، وحزب الجيد المعارض 7.39 في المئة، وحزب الحركة القومية 6.80 في المئة، وحزب الشعوب الديمقراطي 4.01 في المئة، والأحزاب الأخرى 6.60٪.

وفاز حزب العدالة والتنمية بـ778 بلدية، ليحتل المرتبة الأولى من بين الأحزاب السياسية في تركيا لمدة 15 عامًا، وحزب الشعب الجمهوري على 242 بلدية، والحركة القومية على 236 بلدية، والشعوب الديمقراطي على 63 بلدية، والحزب الجيد على 22 بلدية، والأحزاب الأخرى على 42 بلدية.

وهذا يعني أن الحزب الحاكم – مع حليفه – سيظل يسيطر على اتخاذ وتمرير القرارات في البلاد حتى في المحافظات التي لم يفز فيها برئاستها.

في أعقاب النتائج أرجع بعض المحليين أن السبب وراء تراجع شعبية الحزب تكمن في تراجع الليرة التركية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة وغيرها.

لا أنفي تراجع شعبية الحزب الحاكم إلا أنني أراه في مصلحته، فالديمقراطية هي قبول إرادة الشعب مهما كانت النتيجة، وتركيا والشعب التركي هما الفائزان في هذ الانتخابات بغض النظر عن أردوغان وحزبه.

أمر لابد أن يحسب للحزب الحاكم وهو احترام الديمقراطية، ففي بلدية إسطنبول هزم بن على يلدريم، رئيس البرلمان السابق ورئيس الحكومة ورئيس الحزب الحاكم، وهذا ينفي فكرة أن أردوغان ديكتاتور ويقوض الديمقراطية، فلو كان هكذا لحاول الحزب الحاكم تزوير الانتخابات لصالحه.

هناك طعون لإعادة فرز بعض الأصوات في إسطنبول من الممكن أن تؤكد هزيمة يلدريم أو تعلن فوزه، وهذا أيضًا لا يوجد إلا في البلاد التي تتمتع بالديمقراطية، فالحزب الحاكم يطعن على النتائج وهو الذي يسيطر على كل مؤسسات الدولة.

في كلمة له أمام حشد كبير، أعلن أردوغان عن قصور ما حدث نتيجة تراجع الحزب في هذه البلديات وأنه من الضروري معالجة هذا القصور، وهذا يعني أنه وضع يده على الجرح.

فلم يكابر أردوغان ولم يناور، بل اعترف بأن هناك خطأً ما، وقال إن هذا التراجع لا يجعل الحزب يعاقب أولئك الذين لم ينتخبوه، بل على العكس سيحاول الوصول إليهم من خلال خدمات أكثر.

أعتقد أن الحزب الحاكم سيعمل على معالجة المشكلات التي يعاني منها الشعب، من خلال زيادة الصادرات ورفع مستوى المعيشة وزيادة فرص العمل فضلًا عن محاولة الوصول إلى الشارع بشكل مكثف لمحاولة تحقيق مطالبه واستعادة شعبيته… إلخ.

على مدى الفترة الماضية، انخفضت نسبة التضخم إلى 19.5٪ خلال مارس الماضي بعدما تخطت 25.24٪ خلال العام الماضي قبل أن تتراجع إلى 20.3% مع نهاية العام، بحسب بيانات الإحصاء المركزي التركي.

وتوقع وزير المالية أن يصل التضخم إلى 10٪ في سبتمبر (أيلول) القادم.

وخلال العام الماضي، زادت أسعار المستهلك بنسبة 16.33 في المئة، وارتفع معدل البطالة إلى 11٪ بزيادة 0.1٪ عن العام 2017، ووصل عدد العاطلين عن العمل إلى 3 ملايين و537 ألف شخص، بزيادة 83 ألفًا عن العام 2017

في حين سجلت الصادرات الخارجية أعلى مستوى تاريخي خلال العام الماضي لتصل إلى 168.1 مليار دولار، بارتفاع 7.1٪ عن العام 2017، وفقًا لما أعلنته وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان التي أكدت في المقابل تراجع الواردات إلى 223.1 مليار دولار بنسبة 4.6٪.

فيما يتعلق بالحد الأدنى للأجور في عام 2019، ارتفع بنسبة 26٪ ليصبح إلى 2020 ليرة ما يعادل 381 دولار شهريًا بعدما تم رفعه في العام الماضي بنسبة 14٪.

أعلن محافظ البنك المركزي ارتفاع إجمالي الاحتياطيات لدى البنك بمقدار 4.3 مليارات دولار خلال الأسبوع الأخير من مارس (آذار) الجاري لتصل إلى 96.7 مليار دولار.

في الانتخابات البرلمانية السابقة حصل حزب الجيد على نسبة أصوات من حزب العدالة والتنمية ومن حزب الحركة القومية مكنته من دخول البرلمان.

وحصل حزب العدالة والتنمية على حوالي 42٪ من الأصوات، وهو تراجع كبير، وحافظ حزب الشعب الجمهوري على أصواته بنسبة 25٪، وبلغت أصوات الحزب الكردي حوالي 12٪، ودخل الحزب البرلمان كذلك.

في انتخابات البرلمان عام 2002 حصل حزب العدالة والتنمية على 363 مقعدًا، وهو ما منحه الأغلبية المطلقة، وفي انتخابات 2007 فاز بـ341 مقعدًا، ثم 326 مقعدًا في انتخابات عام 2011، بينما في الانتخابات الأخيرة حصد 260 مقعدًا، ليكون عدد المقاعد الأقل في تاريخ الحزب.

وهذا تراجع في قاعدته الشعبية لكنه منطقي وواقعي في علم السياسة نظرًا لأنه الحزب الذي يحكم منذ 17 عامًا، ويعد واحدًا من الأحزاب المعمّرة على مستوى العالم.

في انتخابات البلدية عام 2004، فاز حزب العدالة والتنمية في 11 بلدية كبرى، وما مجموعه 1950 بلدية أخرى، كما فاز مجددًا في الانتخابات العامة عام 2007، واستطاع تشكيل الحكومة لوحده، ونجح في إخراج نواب له من كل المحافظات التركية الثمانين ما عدا محافظة «تونجالي».

في عام 2009، أصبح حزب العدالة رقم واحد حيث فاز في 11 بلدية كُبرى، وما مجموعه 1442 بلدية أخرى.

في الانتخابات العامة عام 2011، فاز العدالة والتنمية بنسبة 49.53٪ واستمر في إدارة شؤون البلاد.

وفي آخر انتخابات محلية خاضها العدالة والتنمية تحت رئاسة أردوغان، استطاع الحزب الفوز في 18 بلدية كُبرى، وما مجموعه 818 بلدية أخرى.

في النهاية لابد من إحداث تغييرات شاملة في الحزب الحاكم من حيث السياسة والقيادات من أجل إعادة القاعدة الشعبية للحزب التي حصل عليها في انتخابات 2002، واعتقد أن هذا ممكن. ولا ننسى أن أردوغان يُحارب من دول إقليمية ودولية والتي كان لها تأثير ولو بمقدار ضئيل في الانتخابات السابقة. ولا ننسى أيضًا أن اردوغان وحزبه أحدث طفرات اقتصادية كبيرة في تركيا وراتفعت دخول المواطن التركي ثلاثة أضعاف تقريبًا بالإضافة إلى التقدم  الكبير في المجال العسكري والسياحي والعقاري وغيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات