لا يخلو أي حوار عن تركيا من ذكر السيد رجب طيب أردوغان، ما بين موالٍ شديد الولاء، أو رافضٍ شديد الرفض، وقد سمعت من الطرفين لقب السلطان أردوغان وإن اختلفت نوايا قائليه. فأصحاب الرأي الأول يرونه بطلًا مسلمًا سيعيد مجد الخلافة قريبًا، والرأي الثاني يقصدون به التهكم على الرجل ونهجه، ويعتبرونه مشروع ديكتاتور بامتياز. وللطرفين حججهما وأدلتهما ومناصريهما الأوفياء، الذين تمتلئ بهم سماوات الفضاء الافتراضي.

وحقيقة الأمر أن الرجل ليس قديسًا يمشي على الأرض، وليس شيطانًا رجيمًا كما يصوره البعض. بل هو سياسي بارع، وخطيب مفوه، وشخصية قيادية فذة، ذو رؤية واضحة لبلاده يسعى لتحقيقها، ومصالح يدور معها وجودًا وعدمًا. ولا يهمني حقًا شخصيته بقدر ما يعنيني تعلق عدد لا يستهان به من العرب بشخصية الرجل، وتسميته بالسلطان.

إن عموم العرب متعلقون جدًا بقيادة الشخص الواحد الذي لا رأي سوى رأيه، وولي الأمر الذي يأمر، فيطاع، والسلطة الأبوية الرمزية والحقيقية للحكام، وهذا ينطبق على العرب من المحيط للخليج بدون أي استثناءات.

ولا يخفى على أحد تجذر هذه الثقافة في وعي الإنسان العربي على مدار قرون طويلة، إذ غذتها المرويات التراثية وتشربت بتفسيرات لنصوص الدين، حتى أصبح مجرد التفكير فيها وتفنيدها خروجًا عن جماعة الأمة ودينها. وبالقوة نفسها -ولكن في الاتجاه الآخر- تجد مغالاة في رفض هذه النزعة – عند من يرفضها- وحدة في التعامل مع مؤيديها بدرجة تتسم بعدم المنطقية والإنصاف.

ولهذا نجد مؤيدي أردوغان من العرب متعصبين جدًا لشخصه ويرونه الفاتح الجديد، وأمير المؤمنين، والمخلص المنتظر، بينما يقف لهم معارضوه من العرب أيضًا موقفًا صارمًا باعتباره ديكتاتورًا محتملًا، يجب محاربته والتصدي لمشروعه.

وقد استخدم الطرفان في ذلك الحيل والأساليب نفسها من مبالغة، وتفسيرات مغلوطة، واستجداء للعواطف، وسرد قصص من هنا وهناك في غير موضعها.

والمفارقة أن الفريقين لا يعنيهما في شيء شخصية الرجل، ولا هم من رعاياه حتى يبالغوا في موالاته أو معاداته، وهذا ما يثير الدهشة والسخرية في آن واحد.

والتساؤل هنا: لماذا العرب منشغلون هكذا بشخصية أردوغان؟ وإذا ما كان هذا الانشغال ذا جدوى، أم هو مجرد هروب من واقع العرب السياسي؟ وهل هذا الانقسام في تحليلات عموم العرب لشخصيته ذو قيمة أم هو اتباع هوى، وميل دراماتيكي فقط؟ وهل هذا الاهتمام منهم بالشأن التركي مبرر، أم هو مجرد رفاهية تنظيرية لا أقل ولا أكثر؟

فلنأخذ الاستفتاء الأخير نموذجًا؛ حيث كتبت ملايين التحليلات، والتوقعات، والتغريدات من العرب بخصوصه، رغم أنه شأن داخلي بامتياز. والمضحك في الأمر أن العرب كلهم عندهم من الهم والمشاكل الداخلية والتقلبات السياسية ما يكفيهم، ولكنهم شحذوا أقلامهم دفاعًا وهجومًا وتحليلًا ونقدًا، واستلهامًا من السيناريوهات السياسية التي تمر بها دولنا منذ ستة أعوام.

أعتقد أن للأمر بعدًا نفسيًا، حيث يجد الإنسان العربي نفسه مضطرًا للمشاركة في وهم صناعة الحدث، والسير مع التيار العام – بطرفيه- وبحثه عن الشعور بالأهمية والتقدير من خلال إبراز قدراته الفكرية والتحليلية وبلورتها في قالب منطقي. وربما البحث عن انتصارات صغيرة في وقت تشتعل فيه المنطقة العربية، أو هو رغبة الشعور بالقوة والحماية تحت لواء قائد ما، أقصد الفريقين على حد سواء. فالمؤيدون للاستفتاء- وأنا حقًا لا أفهم كيف أؤيد أو أرفض شيئًا لا يعنيني- يشعرون بالحماية المعنوية في ظل هذا الرجل القوي، أما المعارضون فهم يتسلحون بقوة تحليلاتهم -التي استنبطوها من التجربة العربية في الاستفتاءات مؤخرًا- و يشعرون بأنهم يومًا ما سيسخرون من غباء مؤيدي غزوة الصناديق التركية.

في النهاية أعتقد – وقد توافقونني الرأي- أن التحليلات والسيناريوهات العربية للاستفتاء التركي – من غير ذوي التخصص- هي مجرد دردشات وتفريغ لطاقة سياسية مكبوتة عند أصحابها، ولا أستثني هذه التدوينة.

أيها السادة إنه من العبث الشديد أن نترك همومنا لنتباحث في هم غيرنا، الذين هم على قدر عال من الخبرة والحنكة السياسية لإدارة بلدهم. فلنشغل أنفسنا بمصائبنا ونترك إدارة تركيا لأهلها فهم أدرى بشعابها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد