يومًا بعد يوم تؤكد التجربة التركية نضجها ونهوضها من كبوتها الطويلة، والتي كانت يكنيها الأوربيون بتركة الرجل المريض، في ظل غيبوبة عربية مخجلة، وما زال الجدل البيزنطي قائمًا في بلاد العرب، بين أنصار التوجه الإسلامي من جهة، ومناهضيه من جهة أخرى، إذ أصبح الانتصار للرأي أهم من الوطن لكلا الطرفين، وما تجربتا تونس ومصر منا ببعيد، وكأن قضية التنمية والازدهار المرتقبة مرهونة بانتصار حزب على آخر بالانتخابات، أو هذا ما يصوره محدودو الرؤية عند العرب؛ لذلك كان المواطن وما زال في حلقة مفرغة من الخيبات، بغض النظر عن توجه الأحزاب الحاكمة له، والتي انتخبها الشعب، سواء كانت يمينية، أم يسارية، أم حتى شرقية.

إن نهضة العرب مرتبطة بالقيادة والإدارة السليمة أكثر من ارتباطها بتوجهات الأحزاب الحاكمة كما يتصور البعض، ففي نهاية العام 1996 ميلادية نشرت مؤسسة «الدراسات المتوازنة» دراسة أجرتها في كافة أنحاء تركيا، تقيس بها الرأي العام حول الانتخابات، فكانت النتائج تدل على أن أصوات الناخبين تنحاز في العادة للشخصيات المرشحة، أكثر من انحيازها للأحزاب وتوجهاتها المختلفة، ولنعرض التجربة التركية المتمثلة في شخصية زعيمها رجب طيب أردوغان، وبعضًا من إنجازاته والحروب التي خاضها داخل الأحزاب التي انتمى لها، كحزب الرفاة والفضيلة وأخيرًا حزب العدالة والتنمية، وكيف تخطى الصعوبات والعقليات المنغلقة عند الأحزاب الإسلامية المؤيدة له، وأيضًا بعضًا من الصعوبات التي واجهها من قبل خصومه السياسيين خارج حزبه.

لطالما أعلن أردوغان مبدأه الفلسفي في الحياة وهو: عليك أن تجعل الإنسان يعيش حتى تعيش الدولة، وعند سجنه عندما كان رئيسًا لبلدية أسطنبول، وحاولوا القضاء على مستقبلة السياسي للأبد، قدم وثيقة فيها إنجازاته في أثناء حبسه وقال بالحرف: «لم تعد في إسطنبول جبال قمامة كما كانت بالأمس، ولم تعد تسكب القذارة من الصنابير بدل المياه، ولم يعد أهالي إسطنبول يشتكون من الهواء الملوث، ولم تعد شوكة الفساد والرشوة قوية في الإدارة»، وكتب أيضًا في الوثيقة ذاتها أنه غرس في إسطنبول مليون شجرة خلال توليه رئاسة البلدية. هكذا يتحدث أردوغان بكل ثقة عن نفسه، بعد تنكيل خصومه به بالحبس، حتى إن أحد وزراء السويد طلب منه عندما تولى الرئاسة زيارة ديار بكر، فاشترط عليه إذا أحب زيارتها الآن، فعليه أن يزورها بعد سنة حتى يرى بأم عينيه الفرق خلال سنة واحدة.

من تقاليد أردوغان منذ توليه بلدية إسطنبول، التي مثلت انطلاقته الحقيقية في تركيا، وهو تحديد تاريخ الانتهاء من المشروع عند وضع حجر أساسه، والجدير بالذكر هنا أنه لم يخلف ميعادًا من المواعيد التي تخص الانتهاء من المشروعات قط، كما يؤكد الباحثان حسين بزلي، وعمر أوزباي؛ فلم يحدث أن تأجل هذا الميعاد أو حتى تغير، بل كان ينتهي حسب الجدول الزمني المحدد له تمامًا، وحكى «دوردن علي تشودر»، الذي كان يشغل مدير إدارة المياه والصرف الصحي بإسطنبول، والذي لم يعتد على وفاء أردوغان لوعوده من قبل، ففي أثناء وضع حجر الأساس لأحد السدود إذ هو يقول لأردوغان إنني على علم بهذه الأمور لسنوات طوال في شركة المياه الحكومية، وليس من الممكن الانتهاء من السد في التاريخ الذي حددته، وأسوأ ما في الأمر أنك تربط نفسك بوعد أمام الصحافة، فرد عليه: لا تقلق يا أخي إن شاء الله سندعوك إلى الافتتاح وسترى أننا لن نخذلك، وهذا ما حدث بالفعل.

في أحد الخطابات استشهد أردوغان بأبيات شعرية لشاعر تركي قديم، وقال فيها بعد الترجمة: «إن المساجد ثكنات المؤمنين، وقبابها خوذاتهم، أما مآذنها فهي رماحهم..»، فشنت الصحافة المعارضة عليه حملة شعواء إلى أن أصدرت المحكمة في قضية رأي عام الحكم بالسجن أربعة أشهر مع القضاء على مستقبله السياسي، هكذا كان الوضع في تركيا ديكتاتوريًّا حتى النخاع، وصنعه خصومه بطلًا في عيون الشعب التركي من حيث لا يشعرون؛ بسبب حبسه، ويحسب له أيضًا انسحابه الهادئ خلف القضبان، حتى أكمل فترته، ثم عاد ليتخلص من الحظر بإنشاء حزبه الجديد «حزب العدالة والتنمية»، ويترشح بعدها للرئاسة، ثم يتوج رئيسًا لتركيا، والجدير بالذكر أنه في خطابه التأسيسي لحزبه الجديد وعد الأتراك بعدم الهجرة لمصر وليبيا، فأين هي مصر وليبيا الآن وأين تركيا؟!

مخطئ من يظن أن طريق أردوغان كان مفروشًا بالزهور؛ فقد كان محاربًا من أصدقائه قبل خصومه، إذ يعد من المجددين للحزب، والأكثر انفتاحًا من غيره، ولطالما انتقدوه أمام الملأ على تجاوزاته الفظة عن توجهات حزبه، والخروج عن جادة الصواب، ومنها استقطابه لفتيات غير محجبات في الحزب، بل إن ما يحسب له هو سماحه للمرأة التركية بالانضمام للحزب وهذا شيء لا يحدث عند أحزاب الإسلام السياسي عادة في تركيا، فقبل أردوغان لم يكن يسمح للمرأة خوض غمار السياسة، وفي الاجتماعات الداخلية للحزب كانت هنالك عادات يبغضها أردوغان بغضًا شديدًا، منها ضرورة دخولهم حفاة لأي اجتماع وتقبيل يد رئيس الحزب! وهو دائمًا ينتقد الأحزاب التي انتمى لها، ويصوب أخطاءها، لكنه في نهاية المطاف وبعد ما قطع الأمل من شدة تعنتهم، قرر تأسيس حزبه الجديد «حزب العدالة والتنمية»، ودعا للانفتاح مع الآخر وحمل هم تركيا قاطبة، بجميع تنوعاتها الإيديولوجية، وقد وضع فوق شعار المصباح الذي اتخذه رمزًا لحزبه سبع هالات، وفيها إشارة لإضاءة أقاليم تركيا السبعة بالمصباح.

إن أكثر ما يعانيه العالم العربي في الوقت الراهن هو طوبائية أحزابه الحاكمة، مثلها مثل المعارضة إذا ما أتيح لها الوصول إلى السلطة، وأصبح التنظير سمة بارزة لدى جميع السياسيين، حتى فقد الشعب ثقته في جميع أحزابه، وفي حال مشاركتهم في العملية السياسية، فإنهم يشاركون على مضض؛ نظرًا إلى اتساع الهوة بين الطرفين، وقد عانت تركيا من مشكلتين أساسيتين، المشكلة الأولى وهي تأرجحها لفترة طويلة بين التغريب الذي طمس هويتها العثمانية، على يد جنرالاتها، والمشكلة الأخرى، وهي ما ذكرناه سابقًا عن بلاد العرب، من اتساع الهوة بين الشعب وأحزابه السياسية، وخير مثال نجده يضرب للمشكلتين هو ما ترجمه ابن المقفع في كتاب «كليلة ودمنة»، إذ قال الملك دبشليم للفليسوف بيدبا أخبرني عمن يدع عمله الذي يليق به ويطلب سواه فلا يقدر عليه. فيراجع الذي كان في يده ويفوته ويبقى حيران مترددًا. فقال الفيلسوف: إن «غرابًا» رأى «حجلة» فأعجبته مشيتها، فطمع في تعلمها، فراض نفسه فلم يقدر على أحكامها، فانصرف إلى مشيته التي كان عليها، فلم يحسن ذلك، لما كان في يده الحفظ. ثم قال الفيلسوف للملك: إن الولاة في قلة تعاهدهم للرعية ألوم وأسوأ تدبيرًا، فإن تنقل الناس من منازلهم فيه صعوبة ومشقة شديدة، ثم إن الأشياء في ذلك تجري في منازل متفرقة حتى تنتهي إلى الخطر الجسيم، وهو مضادة الملك في ملكه.

وقد طبق أردوغان هذا المثل بحذافيره، فقد انتهج حزبه سياسة الاتصال المباشر مع الجماهير وخدماتهم الناجحة بجموع الشعب، بجانب الأعمال التي تميزت بالجودة، واشتغالهم بالعمل السياسي أفضل من مركزية الحزب، عكس ما كان سابقًا، كما أنه لم يمارس عملية التغريب وطمس الهوية العثمانية، والتي كان يتميز بها أسلافه ممن سبقوه إلى سدة الحكم، بل على العكس، فقد أحيا الثقافة العثمانية وحظي بذلك أردوغان بحب الشعب التركي وقربه، ولهذا يحبونه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات