ربما لا يزال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحن إلى أمجاد الإمبراطورية العثمانية، التي امتدت من آسيا الصغرى إلى القارة الأوروبية وشمال أفريقيا، والتي كانت لها قوة عسكرية وسياسية.

هكذا، تبدو تصرفات وخطابات الرئيس التركي، الذي يحاول أن يضع رجله في جميع القارات وفي كل اتجاهات الكرة الأرضية، واضعًا نفسه في مواقف بطولية بالنسبة لبعض الشعوب، التي لم يحقق حكامها ما حققه أردوغان لشعبه التركي، ومصلحية للبعض الآخر.

فالعلاقات الدولية تبنى على المصلحة، ولا شيء دونها، كما نظر إليها هانس مورغانتو، الذي يرى أن جميع الدول ذات فطرة تحاول السيطرة على بعضها البعض، وتفرض نفسها، مثلها مثل الفرد، ولو على حساب الآخرين، وهذا ما يحاول الرئيس التركي أن يثبته لشعبه ولمن يؤمن بخطاباته.

فنظرية المصلحة هي مبدأ أساسي لأي نظام قائم، وذلك من أجل أن يفرض ذاته على الساحة السياسية الدولية، وتحقيق مجموعة من الأهداف خاصة الاقتصادية منها.

ففتح الحدود أمام اللاجئين المختلطين بالمهاجرين غير الشرعيين والحالمين بالفردوس التي لم يجدوها فوق التراب الذي ترعرعوا بين أحضانه، وذلك من أجل العبور إلى القارة الأوروبية التي ترحب بهم تارة وتارة أخرى تضعهم في شبكة العنكبوت، ما هم في أرض الفردوس وما هم يعيشون بإنسانية، فقرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعتبر خرقا لمبدأ سيادة الدول.

إذا كان البعض يرى بأن رجب طيب أردوغان قد قام بذلك نظرًا لطيبته وإنسانيته تجاه المهاجرين واللاجئين القابعين تحت برودة الطقس وحرارة المدافع، ولهب ألسنة المؤتمرات الدولية التي لم ترحمهم في ظل تبادل الأدوار والاتهامات فيما بينهم، فإنه في حقيقة الأمر حاول الركوب على معاناة تلك الفئة، ورفع اسم «تركيا المجيدة».

نعم، فتركيا تبقى مجيدة اقتصاديًا وعسكريًا، وحتى سياسيًا واجتماعيًا، ولا أحد ينكر ذلك، فالذي حققته تركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان لم تحققه من قبل. لكن هل يمكن الركوب على معاناة فئة التي تعاني أكثر من بطش النظام وويل الحروب التي لم ترحم الرضع ولا العجزة، ولم تفرق بين المدنيين والعسكريين، ونرميها فريسة للأمن اليوناني من أجل أن يرتكب في حقهم أبشع طرق التعذيب والتنكيل كما نقلته وسائل الإعلام الدولية، ودماء تلك الفئة التي لا زالت تنزف من جراح الوطن وفراقه، باعتبار اليونان هي البوابة الرئيسية لمرور اللاجئين نحو «الفردوس».

أما كان الأجدر بالرئيس التركي أن يجد ومعه المنتظم الدولي حلًا لتلك القضية التي عمرت طويلًا؟ لكن لا يجب أن ننكر بأن المنتظم الدولي جعل الرئيس التركي يتخبط وحيدًا في الأزمات التي يحاول إقحام نفسه فيها كيفما كانت تلك الأزمة، وذلك بحثًا عن المصلحة، كما تبحث جميع الدول عنها، وهذا ما وقع له عندما حاول أن يضع رجله في المنطقة المغاربية، وإدخال قوته العسكرية لليبيا، حماية لمواطنيها الذين يعيشون بين مطرقة حفتر وسندان السراج، وأظهر جشع الدول التي تبحث عن امتدادها الاقتصادي والثقافي والسياسي، خاصة الدول الخليجية التي تحاول أن تجعل من المنطقة المغاربية «الشرق الأوسط الثاني».

لذلك لا يمكن أن نغطي الشمس بالغربال، لأن الحقيقة واضحة وضوح الشمس، ولا أحد منا ينكر ذلك، خاصة في ظل حاجة تركيا إلى المزيد من براميل النفط والغاز، وكذلك باعتبار ليبيا موقعًا استراتيجيًا هامًا، ليس لتركيا فقط، بل لجميع الدول التي تحاول أن تتغلغل بالمنطقة، باحثة عن خيرات المنطقة التي خلفها المستعمر، ولم يتذوق أهلها حلاوتها بعد.

فهل يعي أردوغان ماذا يفعل؟ أم أنه يحن إلى زمن الإمبراطورية العثمانية فقط؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد