كنت أحب صدام حسين وبشاشته، وكنت أحب عروبته، لأنه كان عربيًا قبل أن يكون جائرًا أو سلطانًا، لكن الزمان وتقلباته خيبت أملي وقصفت عليّ براميل اليأس، وكنت شغوفًا بقذافي ودولته الأبية ووحدتها وعزتها المتحدية، وكنت متابعا لأي حركة تنفجر من إحساس المجد وأحن إلى عالم يرفع فيه الإسلام راية المجد والشرف.

تركيا الجديدة، التي تشع قبسات الأمل وتبعث من تاريخها الأبي بحلته المتنورة، لقد حدق أطرافي ذلك الرجل العملاق، رجب طيب أردوغان، الذي يعرفه الطفل والرجل، ويصفه الشعر والنثر، وتحدو إليه أرواح المجد حتى لا تضمحل حكومته ولا ترتحل قبضته، مع أني أصفه عنقاء نهض من ركام الانقلاب وصقرا تحلق فوق سماء الدين الإسلامي، وقد أخذت الكثير هالته الإسلامية ونبضته للأخوة والوفاء والعالم الإسلامي، فإن تركيا التي تقتنصها معالم البطولات لا بد من إعادة هذا التراث التليد وبناء دولة من جديد، لأن في تربتها رياح تلقح آثار الإسلام والخلافة، الخلافة التي سلطت على العالم الإسلامي لأكثر من ثلاثة قرون، الخلافة التي وحدت كلمة الأمة لولا انشقاقات وتحزبيات، لكنها كانت آخر مغارة تأوي إليها أفئدة الأمة جمعاء، وقد عمت في كوكب الأرض، ومدت جسرًا متينًا بين القارات الثلاث، من آسيا وأفريقيا وأوروبا، وفعلت كسفير أمين مع أنها بعدت من دار الإسلام أميالا وترامت من قلبها أشواطا، لكنها ثبتت ثبت الجبال الراسيات أمام كل من المشكلات والعراقيل التي انجرفت من كنائس أوروبا وانهمرت من سهول آسيا وصحارى أفريقيا، بل كانت لها أن تصدى الصراعات الداخلية التي أثرت جرحًا واسع العمق والألم.

لمحات من تركيا القديمة

من الخلافة العثمانية، ومن بلاطها وسلاطينها امتصت تركيا دماء الفخر وقوة الإرادة، وتألقت من بين الأمم والشعوب بهذه الملكة والمملكة القوية العارمة، رجال شدوا حزامهم لحماية الأدب والعلوم وبناء الحضارة والثقافة ونصرة المظلوم، عضلاتهم فتية وإرادتهم قوية، وما زالوا كذلك وقد اتسعت أسوار دولتهم بين القارات، وذلت لهم أسوار تستر وبلاط القسطنيطينية، بل خاضت إلى مجر، وبلقان، وصربيا، وبلغاريا، وأدرنة، وهذه الحروب التي مهدت الطرق لهم في أوروبا أودت بحياتها وأمنها الداخلي، لأنها حرضت وهيجت مشاعر النصرانية فتجمعوا وفعلوا معها فعل الثعلب المكار، وهكذا بدأت شعلة الحرب تستشيط وتستطير.

ففي تاريخ تركيا مسلسلات من البطولات، التي تبرر استماتتها والمخاطرة بنفسها لأجل الوطن والمجد، فإنه لما أصيب السلطان المراد العثماني في الحرب مع كوسوفا لم تنزلق الجنود ولم تذهب أنفسها هلعًا، بل تقدموا حتى رفعوا راية الانتصار، فإن هذا المشهد العظيم لا يرى إلا في تاريخ العثمانية وإلا في رجال تركيا العظيمة، قوادهم مثل خير الدين بربروس، كانوا أيضا يمثلون غاية الشجاعة والبسالة، ويقضون على التمرد والخروج على الدولة.

ولم يزل هذا الإعصار العثماني يزعزع عروش فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والمغرب وتونس، وفيينا، حتى تم فتح صوماليا على يد سليمان، وكان هذا الفتح أكبر ضربة على وجه أوروبا وكبريائها، ويقول التاريخ: بأنه كان هنالك مليون مسلم تحت سطوة هذا الخليفة، سليمان القانوني.

وأما العثمانية وإسهاماتها في تنشيط نسائج الدعوة الإسلامية مشهورة وجدرية بالقراءة، ويقال عنهم كما حكى فارس المنابر عبد الحميد كشك «إنهم كانوا لو دخلوا المسجد ورأوا فيها المصاحف لم ينصرفوا منها مولين أدبارهم بل انصرفوا ووجوهم مقبلة نحو كلام الله»، وقد كانت سماتهم عالية الأهداف وعلى أساس من الأخوة، ومن دعوتهم انسلت أشعة الإسلام إلى حنادس أوروبا المتربعة حول المغريات والملذات الدنيوية، وأرسوا دعاة وعلماء لتعليم مبادئ الدين وقراءة القرآن، وبنوا مدارس على أساس السنة والتقاليد الإسلامية الساذجة، بل كانت الخلافة رائدة الفنون والعمارات، فمن أجلها نحقق ونقول: «أن للآثار أفكار».

وكانت النتيجة فوق ما توقعوا، لأن شعوب أوروبا كانت تتعرض لتشريدات وتهميشات من قبل الملوك الجبابرة، وكانت تحن إلى سلوة وإلى خلاص من هذه الحياة المكبلة، فأصبحت أوروبا تتعرف وتنهال على الإسلام، وكانت بداية ثورة هادئة انطلقت من الإسلام، فتركيا القديمة هي منسوجة بالإيمان والإخلاص، وهي عبارة عن شعب تحدى الجبال الصم والرجال المكرة، وهي لا تزال لامعة ومنشورة في التاريخ حتى عجزت التجديدات الزائفة التي ظهرت في العشرينيات لطمس معالم الخلافة المثالية.

إرهاصات تركيا الجديدة

تركيا، ما زالت حبكة الدهر وبطل التاريخ، ولم تزل وديانها زاخرة بالفتوحات والمعارك القدسية، لكنها غابت من جدران التاريخ عندما نفخ أتاترك كير العلمنة وإساءة الإسلام، وقد كان رجلا ذا وجهين، يشج بأيد ويأسو بأخرى، ولم يدرك الشعب هذا الماكر والمقامر إلا بعدما سمّرت جنازة الخلافة وصلبت تحت سمعهم وأبصارهم، هكذا انتهت الخلافة بكل الشين والوقاحة، بكل المذلة والهوان للعالم الإسلامي، لأن الخلافة مهما تفكك أمرها أو تشتت شملها كانت مصفا واحدا ومنبرا للأمة الإسلامية جمعاء.

تركيا فعلت فعل أشقائها من أندلس وقبرص وغرناطة، ورافقت معها في تشييع جنازة الأمة، ولم يندمل جرحها حتى الآن ولو من بعد تسعين عامًا على تلك الكارثة والمدلهمة، ولم تتحرر الأمة من ذكرياتها الأليمة بل ظلت بجدة المراثي وثرثرة الشعراء.

فإن تركيا لها ماض باسم وتاريخ تليد، بل فيها دروس وعبر للأمة، وهي تعلمها أسس النجاة والخلاص، لكن لو عادت تركيا إلى ذاتها واستنشقت من مجلداتها عطر العز والشموخ للاح في أفق الإسلام نجم يحيي الكون باسم السلام.

فإن من أكثر الأمور عجبًا أن نشهد صحوة إسلامية في بلد يلتزم بالعلمانية الشديدة، فإن تركيا وعلمانيتها تحاربان أوربا وسياستها، فإن سقوط الخلافة سنة 1924 كان حادثًا مروعًا كارثيًا، ترثي له قلوب المسلمين، فإن الكارثة كانت شمولية، حيث دمرت رموز الخلافة بل قضت على من ينادي بقضايا المسلمين ورفع عرائضهم إلى المنظر العام، لكن تركيا لم تركع أمام تقلبات شكلتها استبدادات أتاترك لتكريس العلمانية ومن حف حوله من الشباب الأتراك.

وكان الإسلام يرتصد كل حركة ويراقبها، حتى أطلق أول رصاصة من زناد سعيد بيران، لكنه كان وسط عيون حاقدة، ولم يمض على قيد الحياة بعيدا وتم إعدامه، ثم كانت نوبة عدنان مندريسي، وفعل ما فعل، وأعاد اللغة العربية إلى المآذن وضمن الدروس الدينية في المناهج، ولكن القضاء اختطفه وغيبه في أسلاك الجيش التركي الهلع، لأن شعلة الإيمان لو بدأت في قلوب أصالتها الإسلام والعشق مع الله لا تتوقف إلا بعد أتت على الأخضر واليابس وأعادت من تراثها سلالم الغد المناهض، ثم كانت نوبة نجم الدين أربكان وحزب السلامة، وكان ينادي «النظام العادل»، ويبرز جوفية العلمانية المتشددة، وكانت له حدة فكرة حتى لم تظهر بوجه إسلامي بل خاض المعركة باسم الإصلاح والتنمية والعدالة.

أرطغرل من جديد

وبعد تأسيس «حزب السلامة» التقى أربكان مع رجب طيب أردوغان وكان طالبًا في كلية الاقتصاد والسياسة بمرمرة، وأعجبت به هذه الحركة إعجابًا شديدًا واعتزم للمسير على درب أستاذه الموقر أربكان، ولكن عين المراقبة كانت تحوم على حزب السلامة، وسعوا في إلغاء هويتها وشرعيتها، حتى أعاد أربكان تشكيل حزب باسم «حزب الرفاه» سنة 1980، وهنا تنعطف القضية وتتجه نحو أخرى، حيث لمع أردغان نجمًا ساطعًا وأصبح رئيسًا لفرع الحزب في إسطنبول سنة 1985 ولم يبلغ من العمر إلا 31 فقط، وهذا الرجل الذي باع البطيخ في شوارع تركيا لم يلبث حتى تولى مقاليد الرئاسة ببلدية إسطنبول، وحقق مفاجأة كبيرة بهذا الفوز.

والمفاجأة الكبرى كانت صعود إسلامي إلى رئاسة إسطنبول، بل هو إقبال إصلاحي ولم ييأس شعب تركيا تحت ظل هذا «الأرطغرل الجديد»، إنجازات هائلة لم تخطر ببالهم منذ زمان، لأنها كانت تشكو انقلابات عسكرية متواصلة، لم تخمد نارها إلا أطارت أخرى عن قريب، فظلت تسمع نداءات من أصل التنمية والعدالة، واحتشدت وراء هالة أردغان القائد، وأسس حزبًا جديدًا باسم «حزب العدالة والتنمية» وانطلقت بمبادرات بناءة أدت إلى تغيير مجرى تركيا العلمانية، ونالت قبولًا واسعًا في أوساطها، وشاركت فيها رجالًا ونساء وشبابًا، وأثارت هذه الشعبية الجارفة قلقًا وضغوطًا في خلايا العلمانية، وفرشوا أشواكًا لإضناء حركتها وردع كتائبها لكنها نسفت آمالهم بفوز يسحق جميع العداة والمكرة، ولم يزل هذا الرجل يحقق المستحيل حتى سمعنا أصداءه في ليلة الانقلاب العسكري الفاشل، المحاولة المدبرة التي حاكتها «حماة تركيا» والتي باءت بالفشل الذريع.

أحبه لأجل كلمته الصادقة وإن سماها الأعدء «كلمة معسولة اصطناعية» لكن لها صدى واسعًا في عالم يصمت فيه الجبناء.

نعم، إنه الصوت الحر للعالم الصامت، الذي يستمد قوته من الشعب، وبصيص الأمل للملايين، إنه رفيق الغرباء، عاشت تركيا إلى جديد، وعاشت وعاشت، وكل التوفيق للأرطغرل القادم بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تعليقات الفيسبوك