نشأ التيار الديني في مصر في أوائل القرن الماضي، لاهثًا وراء خلافته الضائعة، وأمجاده المنتكسة كما كان يراها ولا يزال. التيار الديني الساعي للخلافة والمجد، أستاذية العالم، لم ير طريقًا لهذه الأشياء سوى القائد الملهم والزعيم المخلص، بدأ السيد حسن البنا طريق دعوته لإقامة الخلافة على المقهى يستقطب الناس عبر حكايات المجد في التاريخ الإسلامي، كل الزعماء التاريخيين في ظرف لحظة أصبحوا مؤدلجين بأفكار البنا، يراهم يقومون بما يريد، يفكرون كما يفكر، يتعبدون كما يتعبد، كلهم أصبحوا متسامحين أذكياء متدينين ما داموا في السياسة هم الفائزون. حكى البنا لأتباعه حكايات الزعيم فلان، والخليفة علان، والمعركة س، والسرية ص، والهزيمة الساحقة وبعدها النصر المبين، لابد سينتصر في النهاية، وإلا لما توافرت فيه الشروط التي أسلفها الداعية. رأت الحركات الدينية التاريخ والحق والخير والجمال من أعلى حيث ضباب السحاب، فلا يرون كثيرًا من في الأسفل، لا يهمهم كثيرًا على ما يبدو كل من في القاع، إلا أنهم جنود طيعون يحبون الخليفة والخلافة والأستاذية.

على النقيض ظهرت الحركة العلمانية في مصر مع تقدم الغرب الحضاري العلماني، استيقظ العلماني من مهد الولادة فوجد الواقع والحلم البعيد، علمانية أوروبا الحرة المتقدمة تقنيًا وفكريًا، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، إنها الحرية، إنه المستقبل لا الماضي الرجعي، ولا الحاضر التعس. التخلي عن الماضي والانفصال التام عنه مبتغى، وهدف حضاري للعلماني. كل ما هو إسلامي رجعي ومتخلف، وكل ما هو عربي بدوي، لا فن لا أدب لا شعر، لا عمارة ولا تراث، لا معارك ولا فكر ولا قيمة لكل ما مضى مما يزيد عن الألف عام، لا شيء سوى الرجعية والتخلف والانحطاط، كل شيء يأخذ نفس الحكم، كلهم في خانة واحدة، حتى الاستشراق أصبح لا يهمه، لا يهمه التفنيد والنقد، بل هو الإقصاء التام. تاريخه يراه بعين الغربي كحزمة واحدة في منطقة واحدة تجمعهم حالة واحدة: لا بحث، واذا بحث كان بحثًا انتقائيًا، كان كل شيء سيئًا تمامًا.

طرف ثالث

يبدأ الصراع الحقيقي بين التيار العلماني والتيار الديني دومًا عند سؤال الحداثة والتاريخ، تاريخيًا أول بداية كانت مع أتاتورك والدولة القومية في تركيا، لكن الصراع الحقيقي ظهر في مصر مع انقلاب يوليو، أو ثورته التي بدأها حركة ضباط، كان أهم ضلع فيها عضو في الإخوان المسلمين، رأس التيار الديني وأصله. يعني أن عبد الناصر كان متدينًا يرى الدين حلًا لمشاكل العباد والبلاد لم يكن عبد الناصر علمانيا مطلقًا، جل الخلاف بين عبد الناصر والإخوان لم يكن سوى أن شعاره مصر للمصريين، وكان شعار الإسلاميين مصر للعالم الإسلامي. وأزعم أن اشتراكيته لم تكن سوى أداة لتحقيق هذا الشعار، ثم ضرورة عسكرية فيما بعد لحماية اشتراكيته من رأسمالية الأمريكان وحماية مشروعه العربي، الذي كان انجرارًا لنفس أداة الإسلاميين في الجامعة الإسلامية إلى جامعة عربية، حمايته من إسرائيل والذي هزمه – الحلم العربي –  الأمريكان واليهود بسهولة؛ لأنه لم يكن يهم السوفييت سوى اشتراكية عبد الناصر.

الدولة القومية المصرية لم تكن يومًا دولة علمانية الإسلامية التي لا تعجب الإسلاميين ليس شرطًا أن تكون علمانية. فالدولة المصرية نشأت نشأة عسكرية بثورة أعلن العسكريون حمايتهم لها، أهدافها واضحة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا كلها تخدم نشأة هذه القومية، لم يكن يعني عداء الإسلاميين وعبد الناصر المشترك للملك استمرار التحالف، فما قبل الملك أعدى لما بعده.

رحل عبد الناصر وجاء السادات، لم يكن السادات يعادي عبد الناصر ولا مشروعه السياسي، لكنه كان يعادي مشروعه الاقتصادي، واستغل عداء الإسلاميين له لإحكام قبضته على الدولة، وشكل معلمًا جديدًا في ملامح الدولة المصرية لم يكن عبد الناصر اهتم به أو التفت له: وهو الدين، ودعي السادات بالرئيس المؤمن، الرئيس المسلم، وليس الإسلامي. المصري القومي، لكن الاقتصاد لم يعد للمصريين، إنما للانفتاح والرأسمالية. وبهذا تكونت الدولة المصرية ونواتها من الدين الساداتي الشعراوي، والاقتصاد المنفتح وقومية كامب ديفيد وقبول للإسلاميين ما داموا مسالمين متماهين. ومع كل نقطة خلاف يزج بمعتدليهم أشهر قليلة في السجن، ومتطرفيهم سنوات طوال، واستمر الحال كما هو عليه إلى أن وصلنا  لما بعد الثورة المصرية في يناير وسؤال الهوية.

الهوية

لماذا قام الجنرال السيسي بانقلابه على مرسي؟ لماذا أيد العلمانيون الانقلاب العسكري؟ لم يكن هنالك أي سبب اقتصادي لانقلاب الجيش على مرسي، كانوا متفقين تمامًا في نقطة اقتصاد العسكريين، ولم يكن هناك أي سبب سياسي أو اقتصادي لتأييد العلمانيين، أو غالبية الشعب المصري  لهذا الانقلاب، لو كان الاقتصاد سببًا رئيسيًا لما استمر الجنرال، رغم ما أفسد، ولوجدنا الجنرال أدراج الرياح، لكنها كانت الهوية، يعرف الإسلاميون جيدًا ما هي هوية الشعب المصري ومراده وقوميته وسردياته الوطنية منذ يوليو 1952 إلى يناير 2011، يتعالى الإسلامي على هذه الهوية، ويراها إيمانا منقوصًا ووطنية زائفة، صنمية في بعض الأحيان. شكليًا هذه اللحى الطويلة والجلاليب القصيرة دخيلة على المجتمع المصري، هذه الأحاديث والخطابات غريبة كثيرًا على السمع المصري، وكذلك الأهداف والمجد والخلافة لم تكن يومًا في بال المصري العادي في أسفل الهرم، ولا تهمه كثيرًا أو قليلًا، لا اليوم، ولا عندما اتخذوا منه جندًا كثيرًا، لا شيء يهم المصري من كل هذا. يعلم الإسلامي جيدًا أن خطابه سلطوي بحت لا يمت لمطالب ثورتي يوليو أو يناير، الذي شارك فيهما، ونادى بشعاراتهما بصلة، ربما كانت أداة برجماتية أو تعديلًا في خطته، أو حتى اقتناعًا، لا يهم، لكن هدفه الأهم والأسمى كما يرى، يقع هناك في أعلى الهرم. فالإسلامي هدفًا وشكلًا وخطابًا يريد ما لا يريده الناس، بل إنه يريد ما يعادي الناس أنفسهم، يعادي سردية خطابهم الوطني والتاريخي، لكن هناك نقطة هامة، يتقارب الإسلامي كثيرًا مع خطاب العرف والدين الصوفي- إسلاموي بتأثير الشعراوي / السادات، منذ سبعينيات القرن الماضي، لذا يفوز في الانتخابات، لكن يظل الخلاف قائمًا، ليس دينيًا، كما لم يكن الخلاف بين الإسلاميين وعبد الناصر دينيًا، وإنما بشكل واضح كان قوميًا عثمانيًا.

الجنرال السيسي العسكري البيروقراطي القومي المتدين المصري، كان رأس الحربة في الدفاع عن الهوية المصرية، عبد الفتاح السيسي الذي سيتخذ اجراءات نيوليبرالية مجحفة فيما بعد يتحدث أنه خليفة عبد الناصر، لم يكن خليفته في فكره الاشتراكي وإصلاحاته الاقتصادية، وإنما خليفته في الدولة المصرية القومية العسكرية التي أسسها من ستين عامًا. الجنرال السيسي الذي سيتخلى عن جزيرتين مصريتين فيما بعد، يتحدث عن حلمه بالسادات، وسيفه الموحد والأوميجا، وحرب أكتوبر. لم يكن السيسي محاربًا ولا مسالمًا، لم يكن سوى تابع طيع، ولكنه خليفة السادات في الحفاظ على الشكل القومي الساداتي للدولة المصرية. وعلي جمعة من الشعراوي، كالسيسي من السادات، وهلم جرا. ويظل كل ما سبق لا يهم الإسلاميين في شيء، هو في الأسفل أيضًا بعيدًا عما يفكرون به.

أصولي جاهل وتقدمي رجعي

تميزت الحركات الدينية بالسطحية والجهل والانفصال عن أفكارها وأصولها، إلا من رؤية انتقائية للتاريخ نقيًا نقاء الماء، كله مجد وأستاذية، تختار السطحية الفكرية دومًا عدوًا لها؛ لتحمله أوزاره وأوزاراها وأوزارًا أخرى على أوزارهما .. الغرب، العلمانيون، لابد أن الحداثة والعلمانية أفكار يهودية. هذا الماركس، فرويد، أو لينين، يهود يخفون يهوديتهم وراء إلحاد، ولابد من أن العلمانيين مدسوسون بتأثير الماسونية، كان أتاتورك يهوديًا يعادي الإسلام، زرعه اليهود لإسقاط الخلافة، والسيسي أمه يهودية. كلهم متآمرون. عندها يصبح كل ما يفعله الآخر ويفكر به ويقول – ما لم يكن مثلي – مؤامرة، هم يريدون الحريات .. لا أنهم يريدون الانحلال والفسق والفجور، يريدون حرية الرأي والتعبير لنشر الإلحاد. طرح أحد الصحافيين منذ فترة سؤالًا هامًا: كيف يقرأ المشايخ الأدب؟.. الأدب أداة للعلمانيين لنشر الإلحاد والانحلال، لابد أن هذه الجملة يعني كاتبها أن الله ليس موجودًا، هو يرمز للأنبياء يريد أن ينشر الكفر. في الاقتصاد، عبد الناصر كان يعادينا، إنه حليف الملاحدة الشيوعيين، كان اشتراكيًا، إذن الاشتراكية مخالفة للدين، الاشتراكية فكر يهودي للسيطرة على أموال المسلمين، في السياسة، العلمانية تعني لا دين. ليبرالية يعني أن تخلع أمك الحجاب، هذه مؤامرة ضد القيم الإسلامية. نقد التراث عداء للإسلام والفقهن تفنيد التاريخ تشويه للإسلام السمح ومحاولة إظهار الفاتحين العرب بصورة الوحشيين … إلخ.

لابد أن ينجر الخصم إلى أداة خصمه وخطابه وأسلوبه، حتى لا يكاد بعدها يعرف نفسه من خصمه، إلا عن طريق هدفه، تتميز الحركات العلمانية بالسطحية والعصبية، يرى العلماني أن الحرية هي مبتغاه. هذا الإسلامي تضايقه العدمية، إذا جئت لا أعلم من أين؟ّ يضايقه الجنس، إذا فصلت من جنس النساء عباءة، ماذا تقدس؟ القيم والأخلاق والتدين، خذ هذا في خلفية أخلاقك وتدينك ومبادئك، لا تعجبك الحداثة، إذا التاريخ الإسلامي كله عنف وتطرف، صلاح الدين كان إرهابيا متطرفًا، وليس بطلًا كما ترى، تريد خلافة عثمانية أو أموية أو أية خلافة، إذا أنا أؤيد الدولة القومية العسكرية الدينية ضدك، هل ستصل بالديمقراطية إلى الدولة الدينية؟.. سأؤيد انقلابًا عسكريًا. ودائمًا ما ينسى العلماني أن الحرية هي أن يفعل ما يريد، لا ما لا يريده الآخر فعله، ينسى أن اجتزاء الحدث والفكر من سياقاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إجحاف وتدليس، ينسى كل هذا، وينجر إلى السطحية بسطحية تماثلها تمامًا، وبعناد بقدر عناد الآخر، وتعصب كتعصبه.

الختام

السطحية تلتهم الجميع، الابتذال أصبح واقع الأغلبية، ماذا يريد الآخر؟ هل يريد العيش المشترك والسلم، أنا أريد الحرب والعراك، هل يريد الجنة؟ أنا أريد النار، تقول إحدى النكات: حكم على اثنين بالإعدام، وكان لكل منهما أمنية، طلب الأول أن يرى والدته، وطلب الآخر أن لا يرى الأول والدته. الدولة ديكتاتورية أساسها إقصاء الآخر، الآخر بدايته إقصاء الآخرين، الأغلبية ترى العالم بنظرة أحادية أنا أو الآخر. يعيش الغسلامي وهم خلافته الضائعة، ينتظر مهديًا لا يأتي، يقف العلماني أمام الإسلامي، ويشتم المهدي، تنكل الدولة بهما، وتسكت صوتهما المزعج لها. الشعب حاضره مكون من تشوهات الإسلام السياسي نفسه، والديكتاتوريات العسكرية، الخطاب الديني العسكري الشعبوي يملأ رؤس الأغلبية المطلقة. ما الحل؟ّ!

لا أحد يستطيع الجزم بحل، أغلبهم لا يدري  العقدة ليبحث عن الحل،  بداية الطريق لحل تبدأ من سؤال الوجود، لا أحد يستطيع فرض شيء على شعب بأكمله، لكن يستطيع أن يفكك سرديته وينقدها، أولى بالإسلامي بدلًا عن تمجيد من ماتوا أن ينظر في حاضره قليلًا، ويسأل نفسه ماذا يريد؟ هل يريد الخير للناس فعلًا؟ هل الناس هدف واحد لا شريك له؟! . لابد أن يسأل العلماني نفسه هل يريد فعلًا الناس والوطن؟ هل يريد الحداثة؟ هل يمكنه التوقف عن استدعاء عظام رميم من قبرها للعراك معها؛ ليغيظ بهم الإسلاميين؟ أم يريد واقعًا أفضل له ولغيره؟ هذا هو السؤال الوجودي الأهم من أسئلة الرجعية والحداثة، وبعدها نرى هل سنستمر في الحياة أم سيهال علينا التراب أحياءً أو أمواتًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, فكر, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد