يقصد بالتفكير مجمل العمليات الذهنية التي يؤديها عقل الإنسان، عندما يتعرض لمثير ما، والتي تمكنه من التعامل مع محيطه بفعالية أكبر لتحقيق أهدافه وخططه وغاياته، وقد جبل الانسان على السعي الى الكمال رغم يقينه الراسخ بأن لا سبيل له للوصول إليه، وهكذا غالبًا ما يتطلع إلى تمثل الحياد، إن على مستوى التفكير أو على مستوى السلوك المترجم لهذا التفكير، خصوصًا إذا تعلق الأمر بشخص تعلقت بتفكيره مصائر الكثيرين، القاضي على سبيل المثال. غير أنه، وتبعًا لمجموعة من الأبحاث والدراسات التي يلوح بها علماء النفس فينة بعد فينة، نتأكد يومًا بعد يوم، إنه لا يوجد تفكير يحمل صفة الحياد بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة.

نشرت مجلة «وقائع الاكاديمية الوطنية للعلوم» (Proceedings of the National Academy of Sciences) تجربة جرت على ثمانية قضاة مكلفين بالإفراج المشروط بكفالة، حيث يمتد عملهم على طول اليوم وتتخلل ذلك ثلاث فترات استراحة تصاحب كل واحدة منها وجبة طعام. رصد واضعو الدراسة نسبة الطلبات الموافق عليها في مقابل الوقت الذي انقضى منذ آخر استراحة طعام، حيث بينت التجربة أن معدل الموافقة بعد كل وجبة يرتفع، فتتم الوافقة على 65٪ من الطلبات. بينما خلال الساعتين أو ما يقارب ذلك حتى يتناول القضاة وجبتهم التالية، ينخفض معدل الموافقة بانتظام إلى نحو الصفر قبل الوجبة. طبعًا جلي ما يمكننا استنتاجه من هذه التجربة، لا يمكننا إنكار تأثير الجانب البيولوجي على القدرات الذهنية والفكرية، على اعتبار تفاعل المكونات الغذائية على مراكز اللذة في الدماغ، وما يصاحب ذلك من إحساس بالراحة والاسترخاء و… وعلى ضوء هذه التجربة يمكننا طرح سؤال الحياد؟

يمكننا الحديث أيضًا عن نزوع العقل البشري إلى استخدام أقل جهد خلال عمليات التفكير، وبالتالي يكون احتمال الوقوع في عدة مغالطات منطقية جد وارد، لقد توصل عالم النفس داني أوبنهايمر (Daniel M. Oppenheimer) من جامعة برينستون (Princeton) إلى دحض فكرة خاطئة كانت سائدة بين الطلاب، مفادها أن الأساتذة يميلون للإعجاب أكثر بالطلبة الذين يستخدمون لغة متعالمة ومعقدة أكثر، فكون ورقة الإجابة مكتوبة بلغة بسيطة تيسر الفهم للأستاذ، وبخط واضح لا يستدعي بذل جهد ذهني، هذا عامل مؤثر على تفكير وذهن الأستاذ وهو ما تنقلب عقباه أثرًا حسنا على نقطة الطالب.

والأبعد من ذلك أن بينت بعض الدراسات التي أجريت في سويسرا على بعض المستثمرين أنهم يعتقدون أن الأسهم التي يسهل نطق اسمها ستحقق أرباحا أعلى من تلك الأسهم ذات الأسماء ثقيلة الوقع على الأذن، بل يمكن للتفكير أن ينحاز إلى اتخاذ قرار ما بناء على تأثير التكرار، والذي يؤدي إلى الميل للإعجاب بأشياء لا يوجد أي دافع منطقي للإعجاب بها، يؤدي هذا المفعول أثره حتى عند عرض الكلمات او الصور المتكررة بسرعة فائقة بحيث لا يتمكن المشاركون في التجربة من معرفة ما إذا كانو رأوا هذه الكلمات وهذه الصور أم لا، أي أنهم رأوها بطريقة لا واعية، وهذا ما يمكننا استخلاصه من تجارب عالم النفس روبرت زاينتس من جامعة (michigan)،

إن شركات الإعلانات تستعمل هذا الميكانيزم للوصول إلى غايات التسويق، فالإعلانات الإشهارية الآن، لا تعتمد بالأساس على مبدأ التعامل مع الجانب المنطقي عتد المستهلك واللجوء إلى منتج إشهاري يقنع المتلقي، إنما بغيتها الأساسية هي تكرار الوصلة لأكثر عدد مرات ممكنة في أكثر أوقات الدروة، وهذا ما يؤدي بالمستهلك بشكل لا واع إلى اختيار المنتج المعين بشكل تلقائي، لأن مستقبلاته تعودته ونشا بين المنتج والذاكرة المستهلك ما سماه دانيال كانمان في كتابه التفكير السريع والبطيء بـ«الألفة» رغم أننا إذا استفسرنا عن دافع الاختيار لقدم كل امرئ منهم مجموعة من التبريرات، وهنا يمكننا طرح سؤال الحياد؟

بالإضافة إلى كل ما سبق يمكن للتفكير أن يتاثر بأي رقم خلال العملية الذهنية، فقد بينت تجربة قامت بها جامعة أوريجون ذلك، حيث تم عرض رقم 10 على مجموعة معينة من المشاركين بينما تم عرض رقم 25 على مجموعة أخرى وبعد ذلك سئلت المجموعتان عن نسبة الدول الأفريقية بين أعضاء الأمم المتحدة، فكان متوسط المجموعة الثانية أكبر من المجموعة الأولى، ونفس الشيء حتى بالنسبة للخبراء في مجال ما، ففي تجربة منح وكلاء عقاريين فرصة تحديد قيمة منزل كان مطروحًا للبيع، حيث زار الوكلاء المنزل ودرسوا كتيبًا شاملًا لمعلومات المنزل بما في ذلك السعر المطلوب للبيع، كان متوسط الثمن الذي حدده الوكلاء الذين عرض عليهم ثمن أكبر من متوسط المجموعة الأخرى، على الرغم من كونهم يؤكدون أنهم حددو الثمن بناء على خبرتهم الواسعة في المجال. وهنا يمكننا طرح سؤال الحياد؟

كل هذه المعطيات، بقدر ما تدعونا إلى الحذر من الوقوع في إحدى هذه المغالطات المنطقية، تدعونا كذلك للتاكد من أن وجهات نظرنا لا تحمل بالضرورة الحقيقة، وإنما جانبًا من الصواب ناتج عن الزاوية التي ننظر منها، والانحيازات طالتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد