تابع الملايين من المشتاقين للنصر والمحبين للعزة والتائقين لمجد الأمة مسلسل قيامة أرطغرل الذي استمر عرضه أكثر من ثلاثة أعوام؛ لأن منتجيه وممثليه أبدعوا في إخراجه بصورة ممتعة وملهمة أعادوا بها للكثيرين روح الجهاد وحلاوة الانتصار الذي أصبح عملة صعبة  لأمة تبكي ماضيها المنير في حاضرها المرير.

لم يرد كاتب السيناريو أن يعكر صفو عشاق المسلسل فأنهاه نهاية يستعد فيها البطل لانتصارات وفتوحات جديدة. وبينما هم ينتظرون قيامة عثمان جاءتهم خاتمة مرسي كالصاعقة التي تأتي بلا توقع أرصاد ولا صافرة إنذار. ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وأين نحن؟ وماذا بعد؟

هذا هو الواقع المظلم الذي يعكر صفو أي تاريخ مضيء، وهذه هي الحياة الواقعية التي تحمل من الخيالات ما لم تجسدها الأعمال الدرامية، ففي الواقع لم يدرك «تورغوت ألب» و«بامسي ألب» ورفاقهم مرسي كما أدركوا «أرطغرل» من مقصلة الإعدام مرات ومرات؛ فالأمر أصعب من ذلك بكثير؛ فالعسكر أشد ضراوة من مغول أرطغرل، كما لم يدرك الطبيب «أرتوك» الرئيس مرسي حين سقط مغشيًا عليه في قاعة المحكمة؛ فلن يسمحوا لأحد أن ينقذ من أرادوا قتله بعدما أجمعوا على أن يلقوه في غيابات جبهم وظلمة ظلمهم، أرادوا أن يموت لتموت معه أسرار خيانتهم، حسبوا أن موته نهاية ولم يدركوا أن العظماء تحيا بموتهم الأجيال، وأن في خاتمتهم بداية وفي موتهم قيامة.

لقد أثبتت خيانات الواقع ضيق أفق مؤلفي روايات ومسلسلات الخيانة، فالخيانة تطورت عن ذي قبل، فإبان أرطغرل وأثناء فتح القدس ومجابهة التتار كان الخائنون يتلقون الدعم المادي جزاء خيانتهم، أما الذين جاءوا من بعدهم فقد فاقوا إجرام من سبقوهم بالخيانة، إنهم يخونون أمتهم بأموالها، وينفقون المليارات لتتدخل الدول في شؤون شعوبهم، يبيعون القدس بثمن بخس من أموالنا التي دفعوها جزية منصبهم وهم صاغرون! وما صفقة القرن عنا ببعيد؛ فلقد أثبتت أن الخائنين في الواقع المعاصر أجرأ من الخائنين في أرطغرل وفي التاريخ الإسلامي؛ إنهم يجتمعون في بلادنا ليبيعوا مقدساتنا أمام مرأى ومسمع العالم دون حياء أو خجل «سقط القناع عن الوجوه وفعلهم بالسر باح».

انقلبوا على مرسي ونجحوا فيما لم ينجح فيه «كورد أوغلو» حين انقلب على «سليمان شاه»، وفيما فشل فيه «أورال» حين انقلب على «علي يار»، وفيما فشل فيه «بيبولات» حين أراد اغتصاب مملكة القبائل من أرطغرل.

نجحوا ضد مرسي لأن النظام العالمي يريد ذلك؛ فلن يجد العدو حقبة أفضل من هذه لينفذ مخططاته، ولن يجد خائنين أشد إخلاصًا لخيانتهم وأشد كرهًا لأوطانهم وأشد عداوة لدينهم من هؤلاء.

في الواقع يا عزيزي لم يحارب مرسي «كويبك» بل واجه وجابه ألف «كويبك»، ولم يخنه وزير بل خانته وزارات، ولم يقف أمامه عدو مجاور بل تكالب عليه القاصي والداني لوأد ثورة شعب وإجهاض حلم أمة!

أقول هذا الكلام لنخرج من دائرة الأوهام والأحلام إلى دائرة العمل والإقدام، وجب علينا أن نعد العدة ونحيي الأملَ في نفوسِ اليائسين ونبذر بذور الثقةِ في قلوب البائسين ونرويها بغيث الإيمان؛ لتثمرَ أشجارًا ثابتة لا تقتلعها رياح الهزيمة ولا فؤوس الخائنين.

قارنت بين قيامة أرطغرل بكل انتصاراته التي تخيلها الكاتب وبين واقعنا المرير وخاتمة مرسي؛ لنعلم أن الحياة لم تخلق للانتصارات كما صورها لنا «محمد بوزداغ» في أرطغرل، فالحرب سجال يوم لك ويوم عليك، وكثيرون انتصرت فكرتهم بعدما أطلقوا سهام الانتصار وهم على حبل المشنقة، وليس شرطًا أن تعاين الانتصار بنفسك «فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ».

لقد مات الرسول وأتباعه لم يتجاوزوا عشرات الآلاف وهاهم اليوم بالمليارات، وحررت ليبيا بعد وفاة عمر المختار وجهاده بسنوات، وحرر صلاح الدين القدس بعد سنوات من جهاد عماد الدين زنكي ونور الدين محمود ورفاقهم الذين لطالما حاربوا من أجل القدس، وفتح الفاتح القسطنطينية التي وقفت معاندة أمام أبيه وأجداده، هؤلاء لم يروا الانتصار الذي سعوا إليه ولكنهم حققوه بعد موتهم.

مات الأبطال ولم تمت سيرتهم، ولم تخمد جمرة كلماتهم، ولم تجف مياه عزتهم وما زال غيث روحهم يجود على الكثيرين بالعزة والكرامة.

ومثلما لم يبخل التاريخ على أرطغرل وجنّد له من يحيي سيرته بعد قرون من وفاته فلن يبخل على مرسي، وسيسجل اسمه في سجلات المرابطين المدافعين عن حرية أوطانهم وكرامة شعوبهم؛فهو رمز ثبات وأيقونة انتماء «وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر»، ففي الوقت الذي يبيع فيه الخائنون مقدساتنا يبكي الملايين على الذي كانت نفسه تتوق إلى بيت المقدس.

فيا رجال الحق ويا حراس العقيدة، اعلموا أن الطريق صعب ووعر، طريق بسببه ألقي إبراهيم في النار وسُجن يوسف وقُتل زكريا وحُوصر الرسول ورفاقه ثلاثة أعوام، فلا تنشغلوا بقلة سالكيه ولا بكثرة معارضيه ولا بتخاذل عدد من السائرين فيه، وليكن لسان حالك قول الشاعر الثابت:

نعم إن دربي طويل عسير … وديني يأمر أن أصمدا

يرون بي الشوك من كل جنب … ولكن أرى الورد والموردا

فاسلكوا هذا الطريق الصعب مسلحين بالصبر والإيمان؛ فقد يُمكّن لكم كما مكّن اللهُ ليوسف بعد سجنه «فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ» «وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُف»، فانشروا عطرَ الأملِ بين شباب الأمة، وأكدوا للناس وعد الله لعباده المؤمنين؛ فمؤكد أن الله سيخرجهم من سجونهم إلى سعادة دورهم وقصورهم، وسيبدل خوفهم أمنًا ومطاردتهم استقرارًا، فاستعدوا لهذه المرحلة، وربوا أولادكم بسيرة الأبطال الذين ثبتوا حتى لقوا الله «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحبه» ليكونوا ممن قال الله فيهم «وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ» وتمسكوا بالطريق لتنالوا شرف وسام الثبات «وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا»، ربوهم ليكملوا المسيرة؛ فمن سلم الراية لم ينهزم، ومن ربى قائدًا لم يمت، ومن رفض الظلم لم يقصر، ومن مات ثابتًا على دينه بعث يوم القيامة منتصرًا، وظني أن هذا الجيل الذي انهزم لن يرحمه التاريخ إلا إذا ربى جيلًا ينتصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد