هناك حقيقة واقعية مفادها أنه فى ديار الإسلام تزداد يومًا بعد يوم دوائر المطحونين؛ وذلك لأن أصحاب الجاه والسلطان يستغلون مواقعهم لتحقيق مصالحهم الخاصة عبر الفساد والمحسوبية، ولا يكترثون إلا لبقاء مناصبهم التي تدر عليهم دخلًا كبيرًا

ولأن شعوب المنطقة فاض بها الكيل فإنها قامت بثورات يبدو أنها لم تكن مستعدة لدفع أثمانها أو لم يسبقها إعداد وتخطيط جيد، فكانت عفوية مدفوعة بالألم ومطموحة بالأمل تلك الحالة الرومانتيكية التي ما أن اصطدمت بالواقع وبالثورات المضادة وبارتفاع النزاعات والصراعات السياسية وإراقة الدماء حتى شكل ذلك صدمة للجميع وإحساس بفقدان الأمان المعنوي والمادي.

تلك الحالة دفعت الناس لسلوك مسلكين: إما الهروب بالدين والتمسك به، أو الهروب من الدين والانفلات منه!

ولعل من أزمات الأمة أنها غير قادرة على الفعل الإيجابي، إنما كل ما تفعله الأمه في مواجهة أزماتها هو التكيف السلبي والاستسلام للظروف المحيطة، وربما تلك هي آفة القابلية للاستعمار لديها، والتي تتوافق مع القابلية للاستبداد، وربما القابلية للاستحمار أيضًا!

فالشعوب تتعجل النصر وتعتقد أنه سيتحقق بالضربة القاضية، فى حين أن أي تغيير حضاري يتطلب عملًا مستمرًا ويستغرق وقتًا طويلًا، والشعوب سرعان ما تأخذ زمام المبادرة حتى تُلقيه من يدها فيتلقفه المتربصون المستفيدون من سُبات الأمة وعقلها الجمعي المستقيل فيحكموها ويُحكِموا قبضتهم عليها حتى تختنق أو تكاد؛ مما يضعفها أكثر فأكثر.

من هنا كان التمسك بالدين أو الانسلاخ منه ليس إلا عملية هروب من الواقع لا مواجهة له، عملية تكييف سلبي تُحسنه الشعوب على ما يبدو!

فاختار قطاع عريض من الناس الهروب بالدين كحل لمواجهة الواقع البائس الذي تبع الثورات المضادة واتخذ ذلك الهروب شكلين:

الأول: تدين ظاهري لا يهتم إلا بالمظهر دون الجوهر، والشكل دون المضمون، يحيا في الماضي وكل ما هو قديم، ويقدس التاريخ وأعلامه بشكل مبالغ فيه، ويعادي العقل ويعتبره فخ الشيطان! ويجد ضالته في اللجوء إلى الحرفية في تفسير النصوص الدينية دون اجتهاد أو إعمال للعقل، فتتم بذلك إلغاء المسافة بين الدال والمدلول، وتُلغي فكرة الزمان – وذلك هو المطلوب من عملية الهروب – فيصبح التاريخ عبارة عن سيناريو مادي فكل ما ورد فى النص المقدس آخذ في التحقق الآن وهنا، فالتاريخ المقدس هو عينه التاريخ الإنساني!

ومن هنا يأتى الإيمان بالمهدى المنتظر وبالحلول السحرية التى ستأتى آخر الزمان، فبعد استقالة العقول تُسلب الارادة لصالح الواقع الذى هو ترجمة حرفية للنص المقدس دون تدخل بشري! فتخلف الأمه وما تعانيه من استبداد لهو شيء مقدس وحكمة خفية، بل إن زيادة الأسعار هو عقاب إلهى لتلك الشعوب!

أما الشكل الآخر فهو على النقيض، وإن كان كلاهما وجهان لعملة واحدة عنوانها الهروب والانسحاب، مع فارق أن الحالة الأولى تؤله الواقع، أما الثانية فهي تنكره وتنسحب منه، فتشكل نوعًا من الصلة الروحية التعويضية، خاصة لمن يعانون من العنف في مواجهة الحكومات المستبدة، وأيضًا تعتبر العقل قاصر على الامساك بتلابيب الحقيقة وعاجز عن إحداث أي تغيير، فلا بديل إلا التحليق إلى عالم الأرواح بأجنحة القلوب! فالمؤمن كُتبت عليه الذلة والمسكنة، وأما النعيم فهو في الآخرة فحسب!

كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس٬ أو ترضيهم بالدون من المعيشة٬ أو تقنعهم بالهون في الحياة٬ أو تصبرهم على قبول البخس، والرضا بالدنية، فهي دعوة فاجرة٬ يراد بها
التمكين للظلم الاجتماعى، وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد. وهي قبل ذلك كله كذب على الإسلام٬ وافتراء على الله. محمد الغزالي

وكان جهل البعض بالفارق بين الأصول والفروع في الدين، وتمتعهم بضيق الأفق مع غلبة النزعة النرجسية لديهم، واعتدادهم بالعقل كمطلق نهائي، نتج عنه شكل من أشكال الهروب من الدين والإحاد التمرد وهو سمة غالبه للملاحدة المراهقين العرب، والذى يتسم بحالة من الانفلات الأخلاقي والتشكيك في الأصول والتكاليف الدينية اعتمادًا على المعايير العقلانية، والتنصل من الالتزامات الأخلاقية والسعي نحو الملذات للهروب من الواقع ومحاولة التخلص من عدم الشعور بالأمان والقلق من المستقبل.

وذلك اتخذ شكلين: شكل من الإلحاد الصريح الذي يري في ما قاله نيتشه فيلسوف ما بعد الحداثة واقعًا متحققًا، (إن الإله قد مات)، وأولئك عادة ما يصطدمون بحوائط صد عالية من عادات وتقاليد رائجة في المجتمعات الإسلامية.

أما الشكل الآخر فإنه إلحاد مقنع يعبر عنه مصطلح آخر وهو (شحوب الإله) أي الإيمان بإله له الخلق، ولكن ليس له الأمر! فهو إله انسحب من العالم وتم تهميشه ولم يحتفظ الا باسمه دون أدنى فعالية، ومن هنا نرى المفطرين في نهار رمضان علنًا دون شعور بالحياء أو الخجل أو الإحساس بالذنب وغيرها من مظاهر الانفلات والهروب من الدين.

إن جوهر المشكلة الذي يولد إلحاد الندية والكبر والتمرد، هو الإصرار على قياس علم وحكمة وأفعال الإله المطلق الأزلي الأبدي الذي لا يحده زمان ولا مكان ولا منظومة الأسباب، على علم وحكمة وأفعال الإنسان المحدود المحكوم بالأسباب. د.عمرو شريف

ولكي نخرج من تلك الحالة فإنه علينا استعادة فاعلية العقل والتفكير كفريضة لابد منها والتخلص من الخرافات والأساطير والأوهام وتلك المسكنات التي نتعاطاها.

والتخلص من المواقف السلبية وأن نضع أهداف واضحة لمستقبلنا المنشود، ليس ذلك فحسب، بل ينبغى النضال من أجل ذلك المستقبل؛ لأنه لا يُتصور أبدًا أن أي تغيير منشود من أجل مستقبل أفضل سيُسَلم لأجيالنا على طبق من فضة، بل لابد من نضال سلمي مستمر ومتراكم وعدم الخنوع أو القبول بالاستسلام مهما بدا الأمر ميؤسًا منه.

والدين لابد وأن يكون في قلب ذلك النضال، الدين على مراد الله لا كما نهواه.

وذلك وحده السبيل بديلًا عن الهروب بالدين أو الهروب منه.

إن عدم اليقين السائد نتيجة سرعة التحولات وارتفاع وتيرة الارتباكات في حياة البشر يدفعهم تارة للعزوف عن السياسة وتارة أخرى لدعم تيارات متطرفة قومية أو دينية بحثًا عن يقين وثبات فلا يزيد ذلك أحوالهم إلا سوءًا، ولا يزيد خوفهم إلا تصاعدًا. د.هبة رءوف عزت

والهروب بالدين لايتم إلا بعملية جمود وتحجر وهو ما يضر الدين ويجعله مجرد دين طقوسي منعزلًا عن الواقع غير فاعل فيه وكلما توغلت الحداثة وكلما تطورت المجتمعات كلما أصبح من السهل عليها أن تتجاوز ذلك الدين وتنفلت من عقاله.

فظاهرتا الهروب بالدين والهروب منه مترابطتان، وتؤثر كل منهما في الأخرى، خاصة في أوقات الأزمات والحروب وهو أمر كثيرًا ما تكرر طوال التاريخ العربي.

فظهر التدين المنقوص بجوار الإلحاد والزندقة، نتيجة سجالات وجدالات كلامية من جهة، ولوجود فساد واستبداد في نظام الحكم والقبض على حياة الشعوب بيد من حديد، وكثيرًا ما كان النظام الحاكم والمعارضة يستغلون الدين في الهجوم على بعضهم البعض وتلك الهزات المعنوية والمادية كثيرًا ما كانت تدفع فريقًا للانعزال عن المجتمع وفريقًا آخر للانعزال عن الدولة؛ فكان من توابع ذلك الانفصام الإلحاد بينهما.

علمًا بإن أصل القطيعة بين المجتمع والدولة في عالمنا العربي هو الدولة التحديثية نفسها، والدولة التحديثية ليست دولة وطنية ولا ديمقراطية، إنما هي دولة انتقالية نشأت كمحاولة لاستنساخ تلك التجربة إثر ظهورها فى العالم الغربي، وأصل الاستبداد الحديث الذي تعانيه الأنظمة العربية هو الدولة ذاتها وسلطاتها المطلقة، ربما لذلك نجد هذا الهاجس المتعلق بالحفاظ على الدولة! ولا يمكن فهم الأزمة الكبرى التي تعيشها مجتمعاتنا إلا بإدراك إفلاس هذه الدولة وما نجم عنه من تجيير السلطة الاحتكارية التي طورتها لصالح الفئة المتحكمة بها، وبالتالي إضافة الفساد الشامل إلى الاستبداد المطلق.

أما توجيه المعركة إلى الدين سواءً باستخدامه لتبرير الواقع البائس الذي تسببت فيه الدولة التحديثية ونخبتها الفاسدة الحاكمة، أو باستغلال ذلك للهجوم على الدين نفسه، فكلاهما توجيه للمعركة في وجهتها غير الصحيحة، وهو نوع من الهروب تارة به وتارة منه.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

المحنة العربية الدولة ضد الامه، برهان غليون
الدين والفكر فى فخ الاستبداد، محمد خاتمي
الحلولية ووحدة الوجود، د.عبدالوهاب المسيري
الالحاد مشكلة نفسية، د.عمرو شريف
عرض التعليقات
تحميل المزيد