ليس الهروب هروبا ماديا، فالصندوق الذي يستدعي ذلك لا وجود له، بيد أن هناك صندوقا أخطر – نسبيا – من أن يتم الاستقرار فيه، ذلك الذي قد نجد أنفسنا فيه منذ نعومة أظفارنا معتنقين مذهبه، مبادئه وأفكاره التي نعيش وفقا لها، فهذا الصندوق هو الوجود بأكمله بالنسبة لنا، فيه تعشش الحقيقة المطلقة، وكل ما هو خارجه يعتبر وهم وخطير، لذلك أية مسألة أو حدث يجب أن نتعامل معها وفق المعلومات، الاستنتاجات والأفكار التي نستقيها من الصندوق، بمعنى أوضح نقوم بلي الحقائق لتناسب معتقده، ونفهم العالم كما نريد.

 فهل لديك الرغبة في البقاء هنا في الداخل؟

هذا الصندوق هو منطقة الراحة الفكرية، لأنه يقدم لك الأفكار التي تعتنقها بدون استنزاف طاقتك وجهدك في البحث والتفكير عن التفسير والأسباب والنتائج، فهو بهذا يريح خلايا مخك من الارهاق الذي يصيب كل المفكرين أثناء بحثهم الجاد، تريد ألما أقل؟ – يسأل نيتشه، ثم يجيب – انكمش إذًا وكن جزءا من القطيع، وهذا ما نحرض على تجنبه في هذا المقال، إيمانا منا أن الصندوق الذي ينكمش فيه القطيع هو في الحقيقة موحش جدا، مستنقع يقبع في قاع القاع مهما بدت مبادؤه جيدة، لأنه يكبل حريتك في التفكير، بل الأبشع من ذلك هو جعله إياك تعتقد أنك تفكر، وأن الأفكار التي تعتنقها وتتعصب لها – في بعض الأحيان – هي ثمرة تفكيرك العقلاني، لذلك وقبل أن تدافع عن أفكارك بهذه الشراسة – كما يقال – قم أولا بالقاء نظرة عليها من خارج الصندوق، لكن قبل ذلك تذكر أن الضوء في الخارج قد يعمي بصرك في اللحظة الأولى التي تندفع فيها خارجا، ما قد يقنعك بالرجوع للصندوق على الفور، لذلك ينصح تسلق السلم بهدوء مستعدا لما ستراه، فقد يقلب حياتك رأسا على عقب، حيث ستدخل الى منطقة القلق الفكري، القلق الذي سيزيل التعصب من عقلك، باعتباره أسمى أشكال القلق الذي يصيب الإنسان، فهو يعبر عن نضجك الفكري وتقبلك لمختلف الآراء بتسامح وحب، وفي نفس الوقت يسمح لك بالشك في كل شيء، واتباع الدليل إلى أين يقودك، وحتى مع افتراض أنك خرجت من الصندوق، يجب أن لا تهمل فكرة قراءة هكذا مقالات التي تحث على ترك ما تركته، فقد يكون تركك شكليا، لجوء إلى صندوق آخر أو مجرد خدعة من خدع الصندوق.

وقد يحدث أن تسخر من خرافات المذاهب الأخرى – وهذا شائع جدا – في اللحظة التي يسخر فيها الآخر في مكان ما على خرافات تعتنقها أنت، بالنسبة لك هذه الأمور التي تضحكه حقائق لا يمكن نقضها، بالرغم من أنك في الواقع لم تتحقق من ذلك، لأن مفتاح الفهم تم دفنه مع أجدادك الذين أوجدوا هذه الحقيقة، أما في عقل صديقنا الآخر أنت تؤمن بالخرافة والوهم، وهو استنتج هذا بالعقل والمنطق كما فعلت أنت بالضبط في تفحصك لمعتقده، فنحن دائما نميل إلى التفكير بعقلانية في معتقدات الآخرين، متجاوزين المعتقدات التي نؤمن بها، لأنها وكما أسلفنا الذكر حقائق مطلقة تم إثباتها قبل قرون، ومن خلال ما سبق نستنتج أن ما تعتنقه أنت، وليست حقائق مطلقة، بل قد تكون مجرد أوهام.

فكرت في كل الأفكار التي تتبناها والمعتقدات التي تعتنقها؟

 قد يتبادر إلى ذهنك أن كل ما تعتنقه من أفكار ومعتقدات قمت بالتفكير فيها بعقلانية، وعلى أساس ذلك تتبناها كحقائق، لكن هل سألت نفسك عن مدى جرأتك بالشك في معتقدك؟ هل قمت بطرح أسئلة جريئة حوله وبحثت عن الأجوبة؟ وأين بحثت؟ 

حسنا! لتكون صريحا مع نفسك يجب عليك أولا أن تتسلق السلم وتخرج من الصندوق لتتفحص هذه الأسئلة، ثم تبحث عن الأجوبة من هناك، لأنك في هذا الموقع ترى ما في الصندوق من سلبيات وإيجابيات، أنت هنا متحرر من قيود الإيمان اللاعقلاني المتعصب، بالإضافة لذلك تجد أمامك مجموعة كبيرة من الأفكار الممنوع عليك الاقتراب منها في الداخل، أنت حر تستطيع التفكير بعيدا عن أغلال الصندوق، أنت تصنع مفتاح الفهم خاصتك، تنظر للأحداث من كل الزوايا، فلا تكتفي بالزاوية الضيقة التي يفرضها عليك ذلك السجن، ومن هنا تكون قد تخطيت أوجاع الأصفاد، منتصرا على المصير الذي أرادوك أن تنغمس فيه.

أنا أفكر إذًا أنا موجود

لا شك أن المعتقد الذي يرتكز عليه الصندوق مؤثر جدا ومدغدغ للمشاعر وأساسه قوي على أن يتم هدمه بسهولة، كما أنه ليس بالضرورة معتقدا سيئا، لكن أسوأ ما فيه هو الخطوط الحمراء التي سطرها لعقلك لكي يمنعك من التفكير والانفتاح على المعتقدات الأخرى، فمعتقدك بعظمته مجرد صنم بالنسبة للصندوق، لذلك يجب عليك أن تحطمه بالتفكير المنطقي لاستجلاء وجه الحقيقة، وبناءا على هذا يجب الحرص على أن يكون المنهج سليما، لأنه ضروري جدا في عملية التفكير، لذلك يجب أن تتبنى المنهج الذي يقربك من الحقيقة أكثر، لكن كن متيقنا أن هذا المنهج لن يفيدك بشيء داخل الإطار الذي يمنعك بالسؤال والتشكيك في المعتقدات التي تمثله، بمعنى آخر حتى لو سمح لك هذا السجن بالتفكير العقلاني فإنه يضع لك خطوطا حمراء لا يجب تجاوزها، لأن تجاوزها قد يهدم الأساس الذي بني عليه الصندوق، أما في الخارج فيمكنك تجاوز الخطوط.. بل لا وجود لخطوط حمراء، فما دمت إنسانا قادرا على التفكير، فمن حقك طرح السؤال والشك في كل شيء، وبالتالي الاقتراب من الحقيقة أكثر .

وهذا ما يؤيده قول برتراند راسل:

أن نفهم العالم الحقيقي كما هو وليس كما نريد له أن يكون هو بداية الحكمة.

لتجد نفسك فكر بنفسك

أن تخرج من الصندوق معناه الدخول إلى ذاتك، لتسبر أغوارها العميقة، لتكتشف مدى سعة ما تستطيع التفكير فيه، نعم أيها الإنسان، اعرف نفسك بنفسك كما قال سقراط، تخلص من وصاية رجال الدين والساسة، وحتى المفكرين والفلاسفة، لا تدعهم يكفرون نيابة عنك مهما كانو أذكياء، أنت أيضا لديك عقل وبالتالي أنت الآخر ذكي، لا تسمح لنفسك بالبقاء في ذلك الجحيم، كن جريئا في التساؤل مهما كان غير مرغوب فيه، وابحث عن الإجابة وراء الخطوط الحمراء، وحتى في الأماكن غير المتوقعة.

اثبت وجودك، فأنت موجود لأنك تفكر،فلا تتخل عن حقك في الوجود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد