ساقني القدر إلى أن أكون أحد المستمعين لحوار في زيارة إلى أحد الأقارب، بعد عودته من رحلة علاج خارج الوطن، هذا الحوار الذي كان بين صاحب البيت، وأحد الذين سافروا بحثًا عن حياة جديدة ولم يحالفه الحظ، وعاد منبهرًا بما رأى وسمع، ذهبت بعدها في التفكير في كثير من التناقضات الحاصلة في المجتمع، حاولت الوصول إلى صورة واضحة عن العلاقة بين النسيج الاجتماعي ومفهوم النسق السياسي المتعارف عليه، بين ما نقول وما نفعل، لكني فشلت.

حاولت أن أصل إلى نقطة مشتركة بين ما هو كائن، وما يجب أن يكون، لكن التناقضات العجيبة كانت بالمرصاد، شعرت للحظة أني سأكتب خارج المألوف، وأيقنت أنه على الرغم من تنامي الوعي الشعبي، فإن تناقضه المستمر عبر مواقع التواصل الاجتماعي واكتسابه الخبرات المريرة والحزينة، والقامعة للحريات أدى إلى تجميد الإبداع والمبادرات الطموحة، إلى الحد الذي وصلت فيه الأمور إلى تحويل الطاقات إلى خدمة الاستبداد بصوره المتعددة، وإلى اعتياد تصرفات وأقوال ومبادئ ننتقدها ونفعلها في الوقت نفسه.

وليس كأي حوار، سمعت ذلك الذي انبهر يرفض فكرة الهجرة بلا عودة، وإنما كان يرى في السفر الذي فشل فيه فرصة لتجديد حياته، أو البحث عنها، يلمع من خلالها من تبقى من صدأ العمر، وأن عودته كانت حياة جديدة بعد أن عاش الغربة بأنواعها.

تصادف هذا الحدث مع تصريحات إسرائيلية حول مشروع لتسهيل الهجرة «الطوعية» لسكان غزة، عبر أحد مطاراتها في النقب، الغرض منه التخفيف من الضغوط على الاحتلال، وتوسيع دائرة التفريغ الديموغرافي لصالحه، وقابل هذه التصريحات، تصريحات مضادة من القيادات الفلسطينية النافية لما سيحدث، بحجة أن غزة تعرضت لثلاث حروب «عدوان»، لم تؤثر في النسيج الوطني، ولم تنقص من الانتماء الوطني أو التمسك بالثوابت، لكن للأسف، وبنظرة الباحث، لا أجد هذه التصريحات إلا تنظيرًا بعيدًا عن الواقعية، فغزة تعيش أسوأ حالاتها ليس اقتصاديًّا فحسب، بل اجتماعيًّا ووطنيًّا، وحتى ترفيهيًّا «شاطئ البحر لم يعد صحيًّا للاستجمام»، وأن التعويل على المصطلحات السياسية والوطنية ومحفزات الصمود لم يعد مجديًا في ظل الأرقام القياسية التي وصلت إليها، والتي فيها على سبيل المثال:-

نسبة البطالة وصلت إلى 69% «الأعلى عالميًّا»، 75% منها بين الخريجين «حملة المؤهلات العلمية».

– نسبة 70% من السكان تحت خط الفقر، 35% منهم يعيشون الفقر المدقع.

نسبة 67% نسبة انعدام الأمن الغذائي.

– نسبة 61% من الشباب يفكرون في الهجرة وفق أحدث استطلاعات الرأي، 75% من الذين هاجروا عام 2018م من الكفاءات .

– نسبة 84% من الذين يفكرون في الهجرة غير كارهين للمواطنة، وإنما مرغمين عليها لضيق العيش.

هناك زيادة في نسبة الرغبة في الهجرة 10% ما بين عامي 2018- 2019م وفق نتائج استطلاع الرأي الذي أعده مركز الدراسات وقياسات الرأي بجامعة الأقصى، وأن 96% من عينة الاستطلاع أفادت بأن الأسباب الاقتصادية والسياسية، وعدم تقدير الكفاءات وتقديم الولاء السياسي على الكفاءة العلمية، هي أهم العوامل المؤثرة في اتجاهاتهم نحو الهجرة.

هاجر خلال السنوات القليلة الماضية 35 ألف نسمة من غزة، وأعتقد أنه لو نجح الاحتلال في إقناع واحدة من الدول لاستيعاب الشباب الفلسطيني، فإن عدد «غير بسيط» سيتوجه إلى هذا الخيار، في ظل الواقع المعاش «الحصار- البطالة- الفساد- عدم تكافؤ الفرص- التضييق على الحريات- خصخصة الحقوق….»

تجدر الإشارة إلى أن المشروع – قيد الدراسة من الجانب الإسرائيلي- من قبل زعيمة اليمين الإسرائيلي الجديد «إيليت شاكيد» ومجموعة من اليمين الديني المتطرف تستهدف الشباب في غزة والضفة الغربية على حد سواء، حتى لو اضطرت إسرائيل لدفع تكاليف السفر.

لا أحد ينكر أن ظاهرة الهجرة – أو التهجير إن صح القول- تتفق مع أهداف الاحتلال الإسرائيلي، وأن المشكلة وإن كانت دوافعها اقتصادية وسياسية، فإن أسبابها من وجهة نظري هو القصور الثقافي لدى الشباب في التعامل مع مفاهيم «الحق- الواجب» وانتشار ظاهرة تقديس القيادات، والرضا أو الخنوع للأمر الواقع بحجة عدم توفر البديل، وإن كانت فكرة الهجرة في حد ذاتها تمثل عاملًا إيجابيًّا في اكتساب الفرد مهارات جديدة، وتعلم لغات جديدة، والانفتاح على ثقافات متنوعة، إلا أن هذا الوجه لا ينطبق على حالة غزة؛ لأن الذين يفكرون في الهجرة قد تشكلت لديهم قناعات بعدم جدوى البقاء، نتيجة لارتفاع مستوى الضغط النفسي الناجم عن أسلوب إدارة قطاع غزة، فقد طالت التناقضات كل شيء في ظل تنصل المسؤولين من التزاماتهم، وتبنيهم لاستراتيجيات الإلهاء، والتنظير السياسي الداعي للصمود، وعدم الانجرار وراء المغريات الإسرائيلية، في الوقت الذي لا تتوفر فيه أدنى مقومات العيش الكريم أو الحفاظ على الكرامة، ليس للعاطلين عن العمل فحسب، بل الموظفين منهم.

بملء اللغة أو بأكثر قليلًا، مقالي هذا ليس إلا وصفًا وتشخيصًا يزاحم الكثير من الحناجر، التي ترغم يوميًّا وفي كل ساعة على أن تتذوق حلاوة الرحيق المختوم، في بلاد تموج فيها رائحة الموت، ولا يكبر فيها إلا المقابر.

عائلات كاملة شطبت من سجل الأحوال المدنية، بعد أن قررت الهروب إلى الحياة، فسلكت طريقًا مجهولًا كانت فيه ضحية لسماسرة الهجرة، في وجع لا ينتهي، وتحت مسميات غريبة تبدأ من الهجرة غير الشرعية «السرية- غير القانونية- غير النظامية- غير الموثوقة» وتنتهي عند اللجوء القسري، لإنقاذ ما تبقى من الحياة، التي يحاصرها فزاعة «المصلحة الوطنية».

أي مصلحة وطنية هذه التي يغلب فيها الانتماء الحزبي على الانتماء الوطني؟ أي مصلحة هذه التي لا يحاسب فيها الفاسدون؟! التي يسمح فيها ببكاء الرجال حسرة على أولادهم من الجوع؟! أي مصلحة هذه التي يموت الشباب فيها كمدًا على مستقبلهم المجهول؟! التي يُحبس من أجلها مليونا شخص يحرمون من أدنى مقومات الحياة؟ أي مصلحة هذه التي تتطلب صمود فئة دون أخرى؟! وتستوجب الصبر والحرمان من فئة دون أخرى؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد