من هنا مروا، أو بالأحرى من هنا عبروا إلى الموت القاسي.

وأين كان الموت؟ في سوريا أم تركيا أم تلك الجزيرة الغامضة أم ساحل الإسكندرية؟ أم هناك على الشاطئ الأخر؟

في الحقيقة لقد صاحبهم الموت طيلة الرحلة، وإن اختلفت درجة قسوته من نقطة إلى أخرى.

(1)….

من سوريا كانت نقطة الموت الأولى؛ فالشقيقان زكريا 20عاما ورشيد 19عاما مطلوبان للتجنيد بجيش بشار الأسد، وهما لا يريدان.

وكان اتخاذهما قرار الهرب سريعا جدا، بقدر سرعة قتل الحلم في وطنهم.

ولم يرحل زكريا ورشيد بمفردهما، فاضطرا لاصطحاب الصغير ضياء 13عاما؛ خوفا عليه من بطش مستقبلي من قبل رجال الأسد، ليفر الأشقاء الثلاثة إلى تركيا، تاركين الوالدين مع باقي العمر في وطن الموت المحتمل.

(2)…

وفي تركيا لم يكن البقاء بهذه السهولة التي أملها الأشقاء؛ ففشلوا في الحصول على إقامة أو عمل يكفيهم موت الانتظار بمعسكرات اللاجئين القابعة على الحدود التركية السورية؛ ليكون قرار الهرب مرة أخرى.

وتقول المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، في تقريرها الصادر في يوليو 2015، إن تركيا تحتضن أكبر عدد من اللاجئين السوريين، فيصل عددهم نحو 1.8مليون لاجئ، بخلاف أربعة ملايين لاجئ بالدول المجاورة لسوريا.

(3)...

أتي صوت ضياء مهتزاً عبر الهاتف: رفضنا العودة إلى سوريا واخترنا الهجرة إلى إيطاليا عبر مركب للمهربين.

لماذا اختاروك يا ضياء لتتحدث عنهم؟ لماذا تكشف قسوتي وأنا أكتب كلماتك فقط لأنجز عملي الصحفي؟

احك يا صغير..

ليل 25 أكتوبر الماضي، كان الأخوة بمركب متجهة إلى إحدى جزر إيطاليا مع101سوري أخر.

وبعد ساعات من تلاطم أمواج البحر والحلم، توقف المركب؛ فالمهربون – وكانوا سوريين – أخبروهم أن مركبا آخر ستقلهم إلى إيطاليا طبقا لقواعد الرحلة.

وبعد انتظار، حضر مركب تابع لمهربين مصريين؛ ليحدث خلاف بين مهربي سوريا ومصر على الحصة المالية من وراء الرحلة، وانتهى بانتقال “الشحنة البشرية” إلى المركب المصري تحت تهديد السلاح.

ويبدو أن المهربين المصريين اكتشفوا تورطهم في أكثر من مائة شخص، فكان الخيار بين إلقاء الورطة في البحر أو تركها بجزيرة غير مأهولة قرب ساحل مدينة الإسكندرية.

وكان الموت رءوفا جدا بهم، وكان بقاؤهم بالجزيرة.

وبينما كان الأسد يتناول عشاء خفيفا على أنغام موسيقى روسية، كان المهاجرون ـ بينهم رُضع وعجائز- ملقون بالجزيرة بفتات طعام تقاسموه.

وظلوا بالجزيرة ثلاثة أيام، حتى ألقت قوات خفر السواحل المصرية القبض عليهم في1نوفمبر الماضي.

(4)..

هذي البلاد سفينةٌ

والغربُ ريحٌ

والطغاةُ همُ الشراع

والراكبونَ بكل ناحيةٍ مشاع

(5)..

وإلى موت آخر، نُقلوا إلى قسم شرطة كرموز – بمحافظة الإسكندرية شمال مصر- وبعد تحقيقات حصلوا على البراءة من تهمة التسلل عبر الحدود.

وأمر المحققون بترحيلهم من البلاد؛ تنفيذا للقرار الحكومي الصادر في يوليو 2013 الذي يحظر استقبال سوريين دون الحصول على تأشيرات دخول مسبقة وموافقة أمنية.

ولأن غالبيتهم لا يملك جوازات سفر؛ فالأمن المصري سمح فقط بعودة 32 شخص يملكون جوازات إلى تركيا.

أما الباقون فمنعوا من البقاء بمصر، كما لم تقبل أي دولة استقبالهم.

ومع فشل مخاطبات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية؛ أصبحوا أمام خيارين مرين، إما العودة إلى سوريا أو البقاء بالزنازين المصرية.

 (6)…

ولأن الموقوفين السبعين يملكون براءة “مع وقف التنفيذ” سُمح لهم باصطحاب هواتفهم الخلوية داخل الزنازين، وهكذا تحدث ضياء.

وجبة واحدة فقط في اليوم، كان يحصل عليها كل منهم، وكانت تقدمها مفوضية اللاجئين، وحدث أن أضربوا عن الطعام لفترة، وأمام تجاهل الجميع لأمعائهم، فكوا الإضراب.

وأنا أكتب وراء الطفل السوري، تفاصيل الموت بزنزانة مصرية، تبرز الحقيقة السمجة في زٍي أسئلة،

“ما جدوى الكتابة؟ هل كلماتي ستُوقف قتل بشار للسوريين؟ هل حكايتهم ستؤثر على منافسات خليج البترول في تشييد أعلى برج أو مستوى مباريات الدوري الإنجليزي أو مبيعات أفلام جيم كاري؟”.

وأمام كل تواطؤ العالم ضد ضياء، فضياء يؤمل فيّ.

أنا التي ستكتبه في تقرير باهت يلوك معلومة واحدة “سوريون عالقون بمصر”، سأختصر بؤس حياته الميتة في “أرقام”.

لا تأمل فيّ يا ضياء، فأنا لن أساعدك، لأن العالم لا يحسب لكلماتي حساب، لأنها أصفار على شمال أرقام المصالح.

أنا لا أملك سوى قلم “صنع في الصين” يكتبك يا ضياء،  وربما لن يقرأك سوى عجوز عايش الحرب العالمية الثانية؛ فيتحسر على أيام مضت.

(7)…

اعتذرت لضياء، بالنيابة عن أي إنسان، وبالنيابة عن الأسد الذي تأله على سوريا فدفع شعبه للهرب إلى الله في مكان أخر.

(8)…

وإلى قسوتي أنا..

في نفس زنازين قسم كرموز، يقبع ثلاثة سوريون من أصل فلسطيني، كانوا قد فروا من سوريا، في سبتمبر الماضي، على متن مركب متجهة إلى إيطاليا ضمن 133 مهاجر، لكن المركب تعطل، وظلوا عالقين بين موت وحياة حتى أنقذتهم البحرية المصرية.

ورُحل الموقفون الذين يحملون جوازات سفر إلى تركيا، دون الثلاثة.

ومن بين الثلاثة الذين لا يحملون جوازات سفر، كان خالد 33سنة، وربما قسوتي كانت في خالد.

وداخل الشاب الثلاثيني سجن آخر غير سجن كرموز؛ فزوجته وطفله سبقوه في مركب غير شرعي إلى إيطاليا لكن المركب غرق، ولم ينج سوى 11شخص، وحتى الآن لا يعرف هل زوجته وابنه ضمن الناجين أم لا.

وسألني خالد مساعدته في معرفة مصير أسرته الصغيرة، خاصة أن أنباء تواترت عن حبس الناجين من المركب بسجن العازولي.

قالها ببساطة “سجن العازولي”.

وأنا رددت بسماجة الصحفي المتعجل لإنهاء عمله لضمان تسيلمه في الميعاد المحدد “أنت لا تعلم سجن العازولي؟!! مذيلة سؤالي الاستنكاري بضحكة يائسة خافتة، أعتقد أنه سمعها.

ثم قلت: سأبحث.

ولم أبحث، لمدة شهر لم أبحث، ربما لأن سوريا هي فلسطين هي مصر، لأننا جميعا في سجن العازولي!!.

وسألت بعد شهر لأسكت ضميري، ومن سألتهم قالوا سنبحث، ولم يُسكتوا ضمائرهم.

ولم أرد على خالد الذي ينتظرني لأبلغه الحياة أو الموت أو فشل التأكد، ليستريح.

(9)…

وسجن العازولي يقع داخل معسكر تابع للجيش المصري – وليس وزارة الداخلية كباقي السجون- بمدينة الإسماعيلية على بعد 130 كم شمال شرق العاصمة القاهرة.

وفي تقرير لها عن السجن، قالت منظمة العفو الدولية، إن روايات المحتجزين الذين أفرج عنهم من العازولي مروعة.

وتحدث التقرير عن تعذيب المحتجزين باستخدام الصعق بالكهرباء والحرق وأشكال أخرى للتعذيب، بخلاف حظر رؤية الأهل والتواصل مع محامين.

 (10)…

ولأكمل تقريري عن العالقين؛ تحدثت لماهينور المصري المحامية والناشطة بحركة التضامن مع اللاجئين.

وحكت لي عن الأوضاع الغير إنسانية بقسم كرموز، ومنها إصابة أطفال سوريين بالجرب نتيجة البيئة الغير صحية.

وأضافت أن أزمة السوريين والفلسطينيين تعقدت بعد الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو 2013؛ إذ تصاعد خطاب الكراهية تجاه أهل سوريا وفلسطين في إطار ما وصفته بـ”بروباجندا الحرب على الإرهاب التي تبنتها الدولة المصرية”.

(11)….

هل تعلم يا خالد لماذا نحن جميعا في سجن العازولي؟

لأن بعد أيام قليلة من محادثتي لماهينور المحامية التي تابعت حالتك، ألقي القبض عليها لتنفيذ عقوبة السجن عامين مع تسعة شباب آخرين؛ لإدانتهم بالتظاهر داخل قسم شرطة احتجاجا على اعتداء الأمن على محامين أثناء حضورهم التحقيق مع ٣ نشطاء سياسيين.

وكانت ماهينور تعرضت للحبس قبلها بأشهر لتظاهرها أثناء النطق بالحكم في قضية الشاب خالد سعيد الذي يعد أيقونة ثورة الخامس والعشرين من يناير.

(12)….

وفي مايو الماضي، نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً بعنوان “من موت إلى موت”، وثقت فيه أبرز حوادث موت السوريين غرقاً أثناء الهجرة غير الشرعية، وأكدت غرق ما لا يقل عن 2157 سوري، معظمهم من النساء والأطفال منذ نهاية عام 2011.

 (13)….

يونيو 2015.

أتجول بملل بين صفحات الفيس بوك؛ فأتعثر بخبر نشرته مجموعة دُشنت لدعم الموقوفين بقسم كرموز.

يقول الخبر “البدء في ترحيل المجموعة الأولى من ‫المحتجزين في ‫‏كرموز إلى ‫ألمانيا والمؤلفة من 42 شخص”.

ومازال الباقون بانتظار موافقة السويد ‫‏وفرنسا على حق اللجوء.

لقد عبروا إلى الشاطئ الآخر أو إلى موت أقل قسوة.

وأنا هنا، ممددة قلمي على حافة شاطئ مصري، أراقب الموت العابر بدرجات قسوته، وربما يوما أحاول العبور للشاطئ الآخر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

هروب
عرض التعليقات
تحميل المزيد