تعجبت كثيرًا من كم الكُره والسب والشتم الذي رأيته وسمعته لأم المؤمنين السيدة عائشة – رضى الله عنها – على بعض القنوات الفضائية التي من المفترض أنها تنتمى إلى الإسلام؛ مما جعلنى أبحث في هذا الموضوع؛ حتى أعرف سر هذا الكره لأمنا السيدة عائشة رضى الله عنها.

لكن وقبل الاسترسال في الحديث أحب أن أعرج في سطور قليلة على سيرة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها؛ لأُعرف من يجهل مكانة وقدر هذه الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات – رضي الله عنها – وعن أبيها، وعن سائر زوجات الرسول – صلى الله عليه وسلم – وعن أصحابه الأطهار:

إنها أحب الناس إلى قلب النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد أبيها أبي بكر الصديق – رضى الله عنه – خرجت إلى الدنيا فوجدت نفسها بين أبوين كريمين مؤمنين، وجدت نفسها ابنة خير الناس بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان لها – رضي الله عنها – مكانة خاصة في قلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان يُظهر ذلك الحب ولا يخفيه، حتى إن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة. قال : فمن الرجال؟ قال : أبوها. متفق عليه، والثابت بالإسناد الصحيح أن النبي – صلى الله عليه وسلم – توفي على صدر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

نعود إلى موضوعنا مرة أخرى، لماذا كل هذا الكره لأمنا عائشة رضى الله عنها؟ يُقال لأنها اشتركت في موقعة الجمل التي وقعت بين فريقين من الصحابة الكرام، وكانت هي في الفرقة التي لا تريد خلافة علي ابن أبى طالب – رضى الله عنه – إذًا فإن كان كذلك، فلنر ما ورد عن هذه الموقعة، ونحكم بعد ذلك:

تبدأ الأحداث  المؤدية لهذه الموقعة منذ أن قتل الخليفة عثمان ابن عفان – رضى الله عنه – يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين على المشهور، وبويع علي – رضي الله عنه – بالخلافة، وكان كارهًا لهذه البيعة رافضًا لها، لما وقع من أحداث أدت لمقتل عثمان رضى الله عنه، ولأنه يعلم بأنه ليست لديه القدرة على تنفيذ القصاص في قتلة عثمان – رضي الله عنه – لعدم علمه بأعيانهم، ولاختلاط هؤلاء الخوارج بجيشه، كما أن بعضهم ترك المدينة إلى الأمصار عقب بيعة على، ولوجود كثير من الصحابة خارج المدينة في ذلك الوقت، ومنهم أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، لانشغال الجميع بالحج.

وبعد مرور بعض الوقت على بيعة علي – رضى الله عنه – دون أن ينفذ القصاص للأسباب التي سبق ذكرها، اتفق طلحة والزبير  وأم المؤمنين عائشة – رضي الله عنهم – على الخروج إلى البصرة ليس لهم غرض في القتال، وإنما تمهيدًا للقبض على قتلة عثمان – رضي الله عنه – وإنفاذ القصاص فيهم.

 اعتبر علي – رضي الله عنه – خروجهم إلى البصرة نوعًا من الخروج عن الطاعة، وخشي من تمزق الدولة الإسلامية؛ فسار إليهم – رضي الله عنه – وأرسل القعقاع بن عمرو إلى طلحة والزبير يدعوهما إلى الألفة والجماعة، فبدأ بعائشة – رضي الله عنها – فقال: أي أماه، ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس، ففرح هؤلاء وهؤلاء، فقام علي رضى الله عنه في الناس خطيبًا، فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها، وذكر الإسلام وسعادة أهله بالألفة والجماعة… ثم قال: ألا إني مرتحل غدًا فارتحلوا، ولا يرتحل معي أحد أعان على قتل عثمان.

وبات الناس بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشر ليلة يتشاورون، وأجمعوا على أن يثيروا الحرب؛ فاجتمع من رؤوسهم جماعة، كالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سبأ، وغيرهم في ألفين وخمسمائة، وليس فيهم صحابي، ولله الحمد، فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلا اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم، فإنما اصطلح على دمائنا.

 ثم قال عبد الله بن سبأ: يا قوم إن عيركم في خلطة الناس، فإذا التقى الناس، فانشبوا الحرب والقتال بين الناس، ولا تدعوهم يجتمعون، فنهضوا من قبل طلوع الفجر، فانصرف كل فريق إلى قراباتهم، فهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم، وقام الناس من منامهم إلى السلاح، فقالوا: غدر بنا أهل الكوفة ليلًا، فبلغ الأمر عليًا، فقال: ما للناس؟ فقالوا: غدر بنا أهل البصرة، فثار كل فريق إلى سلاحه، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر،  فنشبت الحرب، وأصحاب عبد الله بن سبأ لا يفترون عن القتل، ومنادي علي ينادي: ألا كفوا ألا كفوا، فلا يسمع أحد….

 أرأيتم من الذى أشعل الحرب؟ إنهم المنافقون وقود الحروب في كل العصور. إذًا فما دخل أم المؤمنين عائشة – رضى الله عنها – بنشوب القتال في هذه الموقعة؟

ألا يدل كل ما تقدم على أن كل هذا الكُره لأم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، ما كان إلا دليلًا على كره دفين للإسلام، وللمسلمين بوجه عام متخفيًا في عباءة المتأسلمين. سلم يا رب سلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد