.

لا بد وأنك يومًا ما خلال طفولتك وفي جلسة أُنسٍ مع جدتك، أو في حصة مع معلمك الابتدائي، سمعت عن مَثل أعواد الحطب، وسهولة كسر كل عود على حدة، على النقيض من حال تجمعها في حزمة واحدة. تلك الفكرة التي لطالما حاولوا زرعها فينا، ربما آملين خروج أجيالٍ على قلب رجلٍ واحد، أو ربما لأنهم توارثوا هذا المثل دون تدبر معناه.

والناظر في تاريخ سابقينا من المسلمين الأوائل، يرى بلا شكٍ أن بداية الوهن كانت بالتحزب والانتماء إلى أطياف مختلفة، دون اتفاق القلوب على مفهوم الأمة، أو عملها تحت راية الإسلام دونما اختلاف، ولا أعني هنا اختلاف الآراء والتفكير الذي يدعو للمشورة والتفكر والنقاش، متبوعين بقرارٍ من حاكم ارتضته جموع المسلمين، فذلك أمر صحي ووجوده إن لم يقو الأمة لن يضعفها.

لكني قصدت تلك الفتن التي اندلعت بداية من الخلاف بين علي ومعاوية – رضي الله عنهم-. وحدوث الفتنة الكبرى بعد أن قتل خوارج أهل الأمصار شجاعنا عثمان بن عفان – رضي الله عنه-. نتج من ذلك انشقاق سياسي في صفوف المسلمين، ومن ثم نشأت شيعة علي – كرم الله وجهه- «وهم بريئون من تدليس شيعة عصرنا وخرافاتهم التي ابتدعوها».

مرورًا بنشأة الدولة الأموية، ثم ثورة الشيعة عليها في خراسان، ثم سيطرة الخوارج على الكوفة والموصل، ومن ثم ظهور الدولة العباسية، ثم سيطرة العباسيين على الكوفة، ثم إعلانهم نهاية الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية.

تبع ذلك قيام عبد الرحمن بن معاوية – عبد الرحمن الداخل- بتأسيس دولة أموية جديدة في الأندلس، ثم عودته للثأر من العباسيين وهزيمتهم. مارين بتأسيس الخوارج لدولة بنو مدرار بالمغرب، ثم قيام الدولة الرستمية، ثم دولة الأدارسة.

كل هذة الأحداث التي سُردَت هي مختصر لخلافات بين المسلمين حدثت فقط في قرنين من الزمان بين المسلمين الأوائل، ولا أعني بذلك نفي وجود عقود من الازدهار والسيادة في العلوم والمعارف في تلك الفترات، لكني أركز الضوء هنا على كون التحيز لأطياف دينية داخلية هو الجالب الأساسي للتفرق والضعف في صفوف المسلمين.

والمجال هنا لا يتسع لسرد أحداثٍ تجاوز عمرها أربعة عشر قرنًا من الزمان، ما بين نهوضٍ وسقوطٍ لدول الإسلام المتتابعة، ويؤسفني هنا تحتم ذكر كلمة دولٍ وليست دولة. لكن لا شك أن تلك الفتن والانشقاقات أساسها الأوحد هو التحيز والانتصار للنفس أو لطائفةٍ من المسلمين، دون التفكير في الإسلام نفسه.

وأكتفي هنا بذكر أسباب سقوط دولة الأندلس المسلمة، التي وصفها المؤرخون بأنها من أعظم الحضارات على مر التاريخ، وكان السبب الرئيس في سقوطها هو التقسيم، وظهور ما يسمى بملوك الطوائف، إذ استقل كل أميرٍ بنفسه بانيًا دويلة صغيرة على أملاكه ومقاطعاته، ومؤسسًا أسرة حاكمة من أهله وذويه، إذ زاد عدد تلك الأسر على العشرين في مدن إشبيلية، وقرطبة، ومالقة، وغرناطة، وسرقسطة، والسهلة، وبطيلطلة، وبطليوس، وبلنسية.

وأدى ذلك إلى وهنٍ ظاهرٍ في دولة الأندلس؛ فكل أميرٍ انشغل بأمور نفسه دون الدولة، وعلى غرار هذا الوهن طلب الأندلسيون المعونة من الأمير يوسف بن تاشفين قائد دولة المرابطين بالمغرب، ونجح في مهمته، وأصبحت تبعية معظم مدن الأندلس لدولة المرابطين.

لكن سرعان ما انهارت دولة المرابطين إثر ثورة قام بها الموحدون بالمغرب، معلنين قيام دولتهم وتحول تبعية الأندلس إليها.

لكن سرعان ما انهارت دولة الموحدين هي الأخرى، وسقطت غرناطة في يد الكاثوليك بعد حصارها، مضيعين بذلك عصرًا من العزة والحضارة والصناعة العلمية والأدبية لم يشهده التاريخ من قبل، وكل ذلك الأسى نتاج أعوام من التفرق والتحزب، ومحاولات الانتصار للذات دون الجمع.

وإذا تدبرنا أسباب سقوط كل دولة على حدة، فلن تخلو إحداها من تلك الأسباب في فترة وهنها، ودناسة أحد القائمين على أمورها، وعمله على مصلحة نفسه دون جماعة الدولة.

وفي التاريخ الحديث نجد أن الدول الاستخرابية عملت على تقسيمنا لدويلات بخط قلمٍ مشى على ورقة، حسب هوى قاداتها؛ نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو عام 1916، إذ تعاهدت كل من فرنسا والمملكة المتحدة بمباركة روسيا وإيطاليا على تقسيم أرض العرب «دون شبه الجزيرة العربية» بينهم وتحت قيادتهم، مضيعين بذلك الدولة العثمانية العظيمة، وضامنين انشغال كل شبه دولة جديدة بنفسها، دون العودة لكابوس جموع المسلمين الذي لطالما أرعبهم.

ومن المؤسف أننا إذا تأملنا الأفراد في دولنا الآن، نجد أغلبهم منشغلًا بذاته، يعمل على مصلحتها فقط لا مصلحة الجمع، متحيزًا ومنتميًا لمصلحته ليس إلا.

فكيف ستعود المصلحة العامة دون الانتماء لتيارات أو أحزاب؟ وأنى للحزمة أن تجتمع؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد