في سيارة ترحيلات معتمة الجوانب ، يتخللها الضوء على استحياء عبر نافذة مزدانة بالقيود التي اعتادت على رؤياها لفترة ليست بالقليلة. جلست تلك الفتاة تُمَن نفسها بأن تتخلص من ذلك القيد الذي وضع في رقبتها، دون أن تدري له سبباً. ولذلك كان دعاؤها.

كانت تدعو الله بأن يلهمها قاضياً عادلاً. تذكرت أن غاب العدل منذ فترة فتحولت دعواها بأن يلهمها قاضياً رحيماً، عسى ألا تكون الرحمة أيضاً قد انتهت من العالم الذي يقبع خلف هذه الجدران، مخاطبة نفسها بأنه سيكون ذلك اليوم الذي ينهي وجودها هناك، اللهم ألهمنا قاضياً رحيماً، اللهم آمين.

بالنسبة لنا كان الأمر محزناً أن ترى الشمس من خلال هذه النافذة المقيدة ، بالنسبة لها كان تنفس الهواء في مكان خارج جدران الزنزانة أمراً غاية في الروعة ، أن ترى الشمس حتى من خلال قضبان نافذة السيارة، أن تصافح الشوارع بعينيها مرة أخرى. أمر عظيم، تعاود الدعاء، والابتسامة تتصاعد في محياها لرؤية نور الشمس من جديد، اللهم ألهمنا قاضياً رحيماً.

في قاعة المحاكمة، كانت تُبادل ذويها الابتسامات، تمنحهم الشجاعة، وإن كانت خائفة، لا تريد أن تعود مرة أخرى.

متكئة على عكازين نظراً لضعفها، تستمد القوة من داخلها فقط في أمنياتها قراراً ينهي معاناتها، بينما حقيقة الأمر أننا في جلسة روتينية عُقد مثلها الآلاف من قبل وسيعقد بعدها الآلاف أيضاً، جلسة تجديد بين أمانيها وأحلامها وبين التحقيق جدار يتم بناؤه على مدار عامين باقتدار، جدار من الواقع المرير لوطن يستنزف طاقته الأهم، وطن يستنزف شبابه دون أن يطرف له جفن.

لذلك كان الأمر عادياً، تجديد الحبس لمدة 45 يوماً ولنرحل في هدوء.. عندئذِ بكت إسراء.

اصطدمت بهذا الجدار فجأة، غابت أحلام الغد وتبقى منها منظرٌ متكررٌ لأربعة جدران تسطر عليها يومياً ما يمر بها، عاد المشهد يراودها بعدما علمت أنها ستعود.

جاءت دموعها كخنجر حاد ينغرس في قلب كل من رآها، يستثيرنا بأن نمد أيدينا ونفعل شيئاً، أن نستلهم حناجرنا بأن تصرخ رفضاً، بأن تسأل ماذا فعلت؟

بأن نفهم، ولكن ماذا عسانا أن نفهم! بين عامين اعتقل الآلاف ، فتيات ، شباب، نساء ، شيوخ، ونغض البصر والطرف، نحزن قليلاً ثم نعتاد، ثم ننسى، ثم نفيق قليلاً، ثم نعتاد، ثم ننسى.

بكت إسراء بدموع كل من ظلم وكل من اعتقل وكل من خذلنا في حقوقهم، بكت بدموع على من قتلوا، ومن سيقتلوا، ومن ظلموا ومن سيظلمون.

أعرف أنها ليست الأولى، ليست الوحيدة، وعلّني أذكر بإسراء كلهم ، و كلهن. علّنا نتذكرهم.. بكت إسراء فعجزنا .

جاءت دموعها صفعة قوية على وجوهنا لا نملك منها سوى أن نطأطئ رؤوسنا خجلاً، ونقر بأننا باستسلامنا وبضعفنا، ساهمنا في الظلم، وقتلنا الرحمة. فقط بقيت لنا رحمة الخالق، ونحن أضعف من أن نستلهمها بالدعوات، فتركنا من هم أقوى منّا يدعون بها لنا.

دعت لنا إسراء بالرحمة، غادرت قاعة المحكمة وعادت إلى عربة الترحيلات، كانت تبتعد عن أن تلتقي بضوء من الشمس. فقد كانت الشمس في ذلك الوقت أكثر إظلاماً!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد