يبدو إذن أن النظامَ لا يصمدُ طويًلا أمام حملات الفضاء الإلكتروني التي يشُنُها عليه، وتُرمّزُ بدورِها الأشخاص وتُسلطُ الضوء على قضاياهم، ومدى الظلم الذى يُكابدونهُ بين أروقةِ السجن وجدرانه اللعينة، وسلاسلهِ المقيتة، فها هي إسراء الطويل تستبدلُ شقاء السجنِ بنعيمِ البيت، صحيحُ أنها حريةُ مشروطة تلك التي نالتها، وفرحةُ منقوصة غير كاملة، إلا أنه أهونُ كثيرًا مما كان عليه الحالُ بالأمس، ولا بأس بتلك الانتصارات الصغيرة على أية حال!

فاللهم لك الحمدُ كله، ونسألكَ فرحًة تُنسي كلَ مظلوم أوجاع محنته، ومآسيها المُرة!

أشيرُ إذن في طرحي هذا إلى فاعلية دور الفضاء الإلكتروني الواسع في إنتاج انفراجة حقيقية بعد بؤسٍ وقهر، وخلق مساحات فعل غاضبة بعد هزيمة ميدانية وانتكاسة كاملة، فلا شك لدي أن رُواد مواقع التواصل الاجتماعي، وذوي التأثير في أوساط اجتماعية واسعة، خصوصًا الشباب، لا شك لدى أنهم ما زالوا يستطيعونَ شيئًا عظيمًا مع هذا العجز في إنتاج البدائل الميدانية لوقف التمدد والتسلط الذي يفرضهُ النظام السياسي في الدولة على هذا الجيل، فمهما كانت قضاياهم مُعقدةً شائكة، تندرجُ احتمالاتُ الحل فيها ضمنَ خانة المستحيلات، فإنهم قادرين على خلق رأي عام غاضب في أضعف الحالات!

وقد يتطورُ الأمرُ إن كان مُكثفًا، مُنظمًا ليؤول لما آل إليه أمر إسراء وغيرها كما نستعرضُ بعد قليل.

 

  • إسراء الطويل:


  •  في الثاني من يونيو 2015 كان الرأي العام المصري على موعد جديد مع حالة من الاختفاء القسري الماثلة خلفه قصة إنسانية مؤلمة، حيث اختفاء الثلاثي إسراء الطويل، وصهيب سعد، وعمر محمد من منطقة المعادي بالقاهرة، إذ إنه لم يشفع لها العجزُ الذي تعانيهِ في ساقيها والذي أقعدها عن الحركة لفترة طويلة، لدى سجانها من ملاقاة ذلك المصير الغامض!

    اُعتقلت إذن لتواجه تهمًا كتلك التي لا يستطيعُ معها صاحبها أن يتخيلَ مصادفة نور الشمسِ يومًا ما! كالانضمام لجماعة إرهابية، ومحاولة اغتيال شخصية هامة مُستخدمةً الكاميرا الشخصية بها، وخلافه!!

حازت حالة إسراء تعاطف قطاع واسع من مجتمع النخبة والنشطاء، وخصص لها بعضهم مساحاتٍ في دائرته الإلكترونية، مثلما بادر مشكورًا الصحفي الفاضل: محمد أبو الغيط وغيره من الكُتاب الشباب.

أدت جملة تلك التعاطفات المختلفة إلى جدل واسع وإنتاج رد فعل غاضب في الوسط الشبابي تحديدًا، أفاد انتهاءً إلى الإفراج عنها في التاسع عشر من الشهر الجاري.

 

  • كريمة الصيرفي:


ثمةَ تشابه بين تلك الحالة وحالة إسراء في التعقيد البالغ في توصيف القضية الذي أرفقته الجهات الأمنية وأذرع النظام الإعلامية بالملفين إذ أن الفتاتين – حسب التقارير الأمنية-

كانتا تُخططانِ لإحداث بلبلة في نظام الحكم!

كريمة الصيرفي، نجلة أمين الصيرفي مستشار مرسي لشؤون المعلومات- طالبة الفرقة الثانية بكلية الشريعة والقانون –جامعة الأزهر، اُفرج عنها بعد 146 يومًا من الاعتقال اُتهمت فيها بالتخابر وتهريب مستندات تخص وزارة الدفاع وتمس الأمس القومي.

وهو ما أكده محمد إبراهيم – وزير الداخلية السابق- بنفسهِ في مؤتمر صحفي عُقد يوم 30 مارس!

بعد ترحيلها لسجن القناطر، خاضت تجربة مريرة بين الإيذاء المعنوي تارة والجسدي تارةً أخرى كاعتداء السجّانات والجنائيات عليها وزميلاتها أدت بها تلك الظروف للإضراب عن الطعام، الذي أدى لاحقًا لتدهور حالتها الصحية، وكثّفت معها وسائل التواصل الاجتماعي حملاتها التضامنية مع تلك الحالة، مما أسهمَ لاحقًا في الإفراج عنها.

رغم ما أعلنه وزير الداخلية حينها من تورطها في ما نُسب إليها!

 

  • بنات “حركة 7 الصبح”

 

21 من فتيات وسيدات الإخوان، قضت محكمة جنح الإسكندرية بحبسهن 11 عامًا، وإيداع الأحداث منهن في إحدى دور رعاية الأحداث، على خلفية اتهامهن بقطع الطريق والبلطجة، أثار الحكم جموع النشطاء أيضًا، وانطلقت لأجلهن كلمات الآسي والتعاطف، مع ربط الأغاني الثورية والحماسية التي تُلهب المشاعر، وتُشعل الغيرة في النفوس، بقضيتهم تلك.

لم يستمر الوضع طويًلا بعد تلك الحملة حتى قضت محكمة جنح مستأنف سيدي جابر بمحافظة الإسكندرية يوم السبت ببراءة 7 فتيات قصر من حركة “7 الصبح” وحبس 14 أخريات لمدة عام مع إيقاف التنفيذ.

 

  • عبد الله الشامي:

    كما لم تخلْ السجون أيضًا من سفراء الإعلام الحر في مسرح الأحداث، فها هو عبد الله الشامي – مراسل قناة الجزيرة- يُصارعُ الموت بين أروقة السجن، بعد أن كان مُعافى صحيحًا.

    أعتقل عقب انقلاب 3 يوليو 2013، لاقى فيها صنوف المعاناة المتنوعة في قسوتها، حتى استقر به الأمر إلى إعلان الإضراب عن الطعام في الحادي والعشرين من يناير 2014 اعتراضًا على طول فترة حبسه دون محاكمة حقيقية، فضًلا عن ظروف حبسه السيئة.

    ساهمت الحملات التي انطلقت للتعريف بمعاناته باستغلال المنصات الإعلامية ومنظمات حقوقية كمنبر الجزيرة، ومنظمة هيومن رايتس، في لفت النظر إلى تلك القضية الإنسانية، إلى أن أسهم هذا الضغط الجماهيري في الإفراج عنه في السابع عشر من يونيو 2014.

     

  • محمد سلطان:

     

    نجل القيادي بجماعة الإخوان المسلمين د: صلاح سلطان ساءت ظروفه الصحية فأضرب عن الطعام، ولُقب بصاحب “أطول إضراب عن الطعام بالعالم!”

    لا يختلفُ الحال هنا كثيرًا عن سابقتها من الحالات، حيثُ أثارت الضجة التي اجتاحت الوسط الإعلامي، مشاعر الجمهور، وبدأ يتناقل تلك الصورة “بنظرة العسكري” التي اخترقت الأعصاب ولخصت الحال فاعتبرها قضية إنسانية بحتة وتعاطف أخيرًا معه، حتى اُفرج عنه في مايو 2015.

    إذن اختلفت القضايا وتنوعت دواعيها، واتفقت جميعًا على التعقيد واستحالة الحل إلا أن تلك المساحات كان لها رأيُ آخر، وبرهنت على أنها على بساطتها مع قليلٍ من الصمودِ النابعِ من إرادةٍ حقيقية قد يأتي بما يسر!

اكتسبت تلك الحالات جميعًا تعاطفًا كبيرًا لم تحظ بمثله حالات أخرى قد تفوقها في صعوبة الحال، وفوضوية الإجراءات، ووحشية التعامل، إلا أن ذلك الترميز المحمود أحدثَ فارقـًا ملموسًا في مجريات الأمور وأحال المُحال إلى ممكن!

ختامًا، انشروا عن ذويكم ومن تعرفون، كثِفوا لهم في التعريف بقضاياهم، وثِقوا قصصهم، وما أنتجهُ وحققه بعضهم في حياته بوجهٍ عام، الشخصية منها والعملية، أسردوا معاناتهم، ما قد يخلقُ تعاطفـًا مع أحدهم، ويُكسبهُ شريحة جديدة تُساندهُ وتبغضُ سجانه.

لا تستصغروا من الأعمال شيئًا ولا تُهمشوا منها، نعم، مؤسفُ أن يصلَ بنا الحال لأن يكونَ هذا أقصى ما نملك، وأن يُختزل الصراع في أولوية قضايا المعتقلين والمعتقلات، دون أدنى مساحات فعلٍ موازية تُغيرُ واقعًا، وتُرهقُ ظالمًا

لكنه جيد على أية حال في إطار الممكن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد