غضب مكتوم في مصر، ولحظة انفجار منتظرة، وهتافات ترج الأرض، وسيلان للملايين في الشوارع، وانهيارات متتابعة في نخبة النظام الحاكم، وأخذ بالثأر وشفاء قلب وقصاص عدل، كل ذلك وأكثر هي مشاهد تُعرض يوميًا في رؤوس شباب مصر، فالمَشاهد لا تُصبح حقيقة وواقعًا إلا بأن تدور في الرؤوس، شباب قرر منذ شهور الصمت أو الاكتفاء بالكلام على أمل قادم لا يعرف موعده، ولكنه ما زال على يقين بأن لحظة الحركة والتغيير قادمة لا ريب.

وما بين الانسحاب من الواقع والأمل “المنتظر” تأتي صورة إسراء الطويل لتهدم سورًا من أسوار الإحباط واليأس، نعم صور البكاء والقهر والألم غالبا ما تبني الأسوار؛ ولكن عندما نصل لقاع الألم ويستأسد فجور الطغيان ويتبختر الفساد والاستبداد، عندها يزأر الأمل، الأمل الذي يُنبئنا أن الحال لن يستمر وأن الظلم لن يستقر.

وإن كانت مصر اليوم تختار ما بين السكون للاستبداد، أو الحلول الوسط ومعالجة الانسداد، أو الانفجار والدمار لكل متكبر جبّار، فإن ترميزنا لبعض المظلومين والمضطهدين هو من باب معارك صغيرة نخوضها وصولًا للتصفيات النهائية، وعندما نُرمّز فتاة كإسراء لا يعني أننا نُفضّلها على غيرها من بنات ونساء مصر المعتقلات، ولا يعني أننا نوافقها الرأي أو الفكر في ما مضى أو ما هو قادم؛ بل لأن هذه هي طبيعة البشر يتعلمون ويشعرون ويثورون بالقصص، والقصة دائما ما يكون أبطالها أشخاصًا وليس شعوبًا (خالد سعيد – محمد البوعزيزي – أسماء البلتاجي – إسراء الطويل).

وأنا أتفهم خوف البعض من فكرة الترميز، وهنا علينا أن نُفرق بين التضامن الإنساني والترميز الثوري، فقد أتضامن مع أحمد ماهر أو خيرت الشاطر أو علاء عبد الفتاح أو عصام العريان إنسانيًّا وأرفض ترميزهم ثوريًا، وصدقًا نحن في حالة قلق بالغ من إعادة تقديم القيادات القديمة أو شباب الثورة القديم، فإن أسوأ ما قد يحدث هو أن نُعيد إنتاج تجارب الفشل مع قيادات كتّفت الثورة وشباب سلّمها؛ ومن هنا يأتي الحذر والخوف.

أما في حالة الترميز فهناك فرق أيضًا بين ترميزٍ بناءً على مظلومية حقوقية نشترك فيها جميعًا ولو اختلفنا فكريًا وسياسيًا (إسراء الطويل – عمرو ربيع)، وترميز على مظلومية سياسية نقر بوجودها وقد يرى بعضنا ضرر ترميزها ثوريًا (حركة 6 إبريل تُرمّز أحمد ماهر – الإخوان يرمزون محمد بديع – اليسار يُرمّز علاء عبد الفتاح)، فأنا مثلا أرى ضرر ترميز من يُريد فرض قيود على الشعب في اختيار من يحكمه، أو يُعادي الشريعة ومنهج الإسلام، أو يرضى بدور للجيش في الحياة السياسية والاقتصادية، أو من هو مع الحلول المهترئة ويرفض إسقاط النظام والتطهير والقصاص.

ونحن اليوم، وإن كنا نسمع بسطاء الناس يقولون عن الطاغية المجرم ولو سرًا (ده لو وقع الناس هيقطعوه بسنانهم)؛ إذًا فهم قد أخذوا القرار بأن يُمزقوه ودموع إسراء الرمز أيضًا تمزقه وتكشف عورته وتخبرنا عن مصيره المحتوم الذي لن يهرب منه، لذا عندما يداعب عينك هاشتاج #راجعين_للميدان فهذا لأن الأمل المنتظر ويكأنه اقترب، لا ندري هي أسابيع أم شهور أم سنوات ولكن ما نعرفه هو أن العبط لن يستمر يحكم، والسفه لن يستمر يسيطر، والانحطاط لن يستمر يتوغل، والبلاهة لن تستمر سائدة.

أما لحظة التغيير القادمة فسرقتها هو الخطر العظيم الذي يهددنا؛ سرقتها بوضع أغلال وقيود على حرية الشعب في اختيار من يحكمه، أو على حق الناس في أن ينحازوا لأحد أهم مطالب ثورة 25 يناير (الشعب يُريد تحكيم شرع الله)، أو في تأسيس دولة مدنية لا دور للجيش في أروقة الحكم فيها، أو في تغييرات جذرية وهيكلية وثورة تطهير، واستعادة حقوق الشهداء والمصابين والأسارى، والسير نحو الاستقلال والتحرر والانعتاق من الهيمنة والتبعية، أو سرقتها بإغراقها مجددًا في الاستقطاب والاحتراب الفكري والفشل السياسي والتحريض الإعلامي لتدوس دائرة الخبل الثوري أجسادنا وأحلامنا من جديد.

إذا نحن بحاجة للترميز لنحشد الناس عبر الحكايات والقصص للحظة فارقة قادمة، ولذا عندما قلت (إسراء الطويل لا تُمثلني) فهذا لأنني لست مستعدًا أن أرمّز أحدًا ثم أعطيه صكًّا “على بياض” بأنه يُعبّر عني وعن الثورة، فإن كنا “كلنا إسراء الطويل” كرمز لحالة إنسانية وحقوقية وكرامة عامة لشرف مصر، إلا أنها لا تُمثلني سياسيًا أو ثوريًا.

الحرية لشرف مصر.
الحرية لنساء وبنات مصر.
الحرية لمصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد