– عندما تتخلى المرأة عن شعرها، ليس مواكبة للموضة، ولا حتى طلبًا في التغيير، وإنما قصًا لتقليل تعب زميلاتها، عندما يتغير شكلها، وتضطر في كل مرة المناداة على أهلها، ليتعرفوا عليها من جديد، عندما تحتضن ابنها وتهمس في أذنه «أنا ماما»، عندما تنظر للمرآة ولا شيء يذكرها بوجهها، بملامحها، ولا حتى بذكرياتها.

– لم تكن قصة خيالية كانت امرأة عادية، حملتها الحياة ذنوب الجميع، وأثقلت كاهلها، حتى أسقطتها المحن ولم تعد قادرة على الوقوف من جديد، حين تزجك الظروف والمسالك في أزقة الألم، تجد نفسك تختار بين الموت والموت، وتختار قاتلك بعناية مؤلمة، تتحرى السلاح الذي سيهجم على قلبك، فما عدت تخاف الموت بل أصبحت تخاف الحياة نفسها.

– قد تنجو من حادث سير، لكنك تصاب في حوادث الحياة، في فلسطين حوادث الحياة بنسبة كبيرة إن لم نقل كلها، بتخطيط صهيوني محكم، وللأسف الشديد إسراء كانت ضحية لهذا التخطيط، فحريق سيارتها لم يقتلها، لكن الكيان الإسرائيلي في كل دقيقة يمارس كل أنواع الموت على جسدها، نصف منه ذاب بفعل الانفجار، والنصف الآخر يمارس الذوبان بفعل الإهمال.

– امرأة تقبع وراء الحديد، تحاول أن تسير للحياة بخطى بطيئة، لكنها عجزت عن الوصول إلى بر الخلاص، من غير تهمة واضحة، بحكم جائر، وعقاب قاس، تروي قصتها التي تواطأت الأحداث السيئة، والنية المبيتة للكمين الذي رآها تحترق، فلم ينقذها بل سارع للقبض عليها، لم يشفع لها بقايا الجلد الذائب، راح يحرر محضرًا لتوريطها، كان يود عينة منها ولو كانت نصف مشوهة، ليشفي غليله تجاه كل مواطن ومواطنة فلسطينية لم ينجح في استئصال حبهم لهذا الوطن.

– لا يمكننا أن نضع علامة أقل من 18 سنة ونحن نشاهد صورة إسراء، ولا يحق لنا سردها بالكثير من الحذر، بل وجب علينا توثيق الوجع بالكثير من الألم، نحن الذين نهرب من مشاهد الذعر في المسلسلات، نسقط حتمًا ونحن نرى الصهاينة يجسدونها في جسد امرأة أتعبها الصبر، أذن تكاد لا تظهر، ذراع لا يمكنه التحرك، لأنه ملتصق بالإبط، أصابع لا نكاد نراها، وقد نجدها في موقع الحدث، نصف وجه غادر بفعل الالتهاب، أسنان متكسرة، وتنفس من الفم بدلًا عن أنف شبه محترق، أيعقل أن يجتمع كل هذا القهر في جسد نحيل كجسدها؟

– وجعي ظاهر ومرئي، هكذا ردت عندما سألوها عن آلامها، لكن من يشعر بك؟ من ينتفض لآلامك؟ الذل الذي نعانيه كلما شاهدنا صورك، يعري كل حرف نرفعه في سبيل الإنسانية لا العروبة فحسب، تناضلين أمام أحقر البشر، تتجرعين الوجع وحدك، يرهقك الليل الطويل بأزيز الحروق، تخافين غسل وجهك، تتجنبين رؤية ملامحك، تهربين من حالتك، تخجلين من طلباتك، تعتذرين لزميلاتك في سجن عند كل مساعدة يقدمنها لك، لكن ما ذنبك يا جميلة القلب؟

– الحروق لا تشوه القلوب، ونصف الجسد الذي تحملينه لم ينقص نضالك، جميلة منذ ولدتِ، صامدة كشجر الزيتون الذي تتعاقب عليه جل الفصول ولا ينحني، كقدس تكالب عليها الأعداء فظلت تلمع في كل الأزمنة، كأزقة تحفظ الذكريات الغالية، كحضن عندما يضيق يتسع حبه للجميع، لا ذنب لك في كل ما يحدث، أنت مجرد رسالة للعالم بأسره، شهادة حية لنساء يولدن من بطون المقاومة، يرضعن حليب الشجاعة، يقفن عند كل سقوط ليثبتن للعالم أجمع أن الفلسطينية مشروع شهيدة أو سجينة لكنها لا ولن ترضخ، المحبة لك من وراء القضبان، والجمال لم يصنع يومًا شجاعة النساء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد