تعاقب على حراسة مرمى المنتخب المصري سلسلة ذهبية من الحراس الكبار الأفذاذ بداية بحارس المنتخب المصري في مونديال كأس العالم عام 1934 وأوليمبياد برلين عام 1936 مصطفى كامل منصور، انتهاءً بالحارس الموهوب أحمد الشناوي، مرورًا بقمم كروية أمثال يحيى الحرية إمام وعبد الجليل حميدة وعادل هيكل وحسن مختار وحسن علي وعرابي وإكرامي وثابت البطل وشوبير ونادر السيد وعبد الواحد السيد. لكن من بين كل هؤلاء تربع حارس واحد على عرش حراسة مرمى المنتخب المصري عبر كل عصوره حتى نستطيع أن نقول وبثقة كبيرة إنه الأعظم على مر التاريخ الكروي المصري.

الحارس الأسطوري عصام الحضري استطاع بفضل موهبته ومثابرته أن يصبح أفضل حارس مرمى دافع عن عرين المنتخب المصري. ليس فقط بسبب حصوله على عدد كبير من البطولات المحلية والقارية في مصر وإفريقيا وأوروبا التي لم يتأتَ لحارس آخر أن ينال مثلها وكان عنصرًا أساسيًا وفاعلًا في حصدها، ولا بسبب الألقاب الشخصية التي استحقها عن جدارة؛ ولكن لأن الحضري أظهر مستويات عالية فذة ورأت الجماهير على قفازي يديه تصديات إعجازية تضعه في مصاف الحراس العالميين خاصة عندما كان في قمة مستواه خلال النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحالي حيث صنفه البعض أنه كان وقتئذ من أفضل عشرة حراس في العالم. وإن كنت أراه آنذاك من أفضل خمسة حراس في العالم في تلك الفترة.

ترامى إلى مسامع الجماهير اسم عصام الحضري في منتصف التسعينيات من القرن الماضي. حارس دمياطي شاب يلعب في نادي دمياط الصاعد حديثًا إلى الدوري الممتاز. يتبادل حراسة المنتخب الأوليمبي مع حارس الأهلي الثاني الصاعد مصطفى كمال. وتردد أن الأهلي يريد ضمه بداية من موسم 96/ 97 وأوضح الحضري فيما بعد أن الأهلي وقع معه عقدًا عام 95 ولكن رأى مسئولوه أن يلعب الحضري مع ناديه موسم 95/ 96 ليكتسب خبرة الدوري الممتاز وبالفعل انضم إلى صفوف الأهلي صيف 1996. كانت تبدو فرصة عصام الحضري في اللعب أساسيًا في الأهلي والمنتخب ضعيفة حيث كان يحرس مرمى الأهلي حينذاك الحارس الدولي الكبير شوبير الذي كان محافظًا على مستواه رغم تقدم عمره نسبيًّا واستطاع أن يعود إلى حراسة المنتخب المصري بعد غياب سنتين. وهو ما حدث فعلًا فأصبح احتياطيًّا لشوبير في الأهلي وخارج دائرة اختيارات المنتخب. ولكن ما هي إلا أسابيع حتى تبدلت الأحوال؛ أصيب شوبير في إحدى مباريات الدوري أمام المريخ البورسعيدي إصابة أبعدته شهورًا فأصبح الحضري الحارس الأساسي للنادي الأهلي ومنحه الجوهري في أولى مبارياته بعد عودته لتدريب منتخب مصر شرف اللعب أساسيًا مع المنتخب الوطني في مباراة ليبريا في تصفيات كأس العالم 1998 إلا أن تلك المباراة تحمل ذكرى سيئة للحضري إذ انتهت بخسارة المنتخب بهدف نظيف أحرزه أحد أبرز نجوم الكرة العالمية حينذاك جورج وايا بذكاء ودهاء وكان الحضري مسئولًا عن هذا الهدف ليلازم بعدها دكة احتياطي المنتخب ويصبح بديلًا لنادر السيد حارس الزمالك آنذاك.

نستطيع أن نقسم حياة عصام الحضري الكروية الحافلة إلى مراحل متوالية:

مرحلة التذبذب (1996 – 2001)

في هذه المرحلة لم يجد الحضري صعوبة في حراسة العرين الأحمر خاصة بعد اعتزال شوبير متأثرًا بإصابته في أول موسم للحضري مع الأهلي، ومع فارق المستوى الواضح والمريح بينه وبين الحارس مصطفى كمال ولكنه كان غالب الوقت الحارس الاحتياطي لنادر السيد في المنتخب، باستثناء بطولة كأس العالم للقارات التي لعبها الحضري أساسيًا.

أداء الحضري في تلك الفترة كان عليه بعض التحفظات أبرزها سوء تعامله مع الكرات العرضية خاصة الثابتة منها. كان هناك مشهد متكرر جعل جماهير الأهلي تخشى احتساب الضربات الركنية على الأهلي. ما أن تُرفع الكرة العرضية حتى يتحرك الحضري للأمام قليلًا قبل أن يتراجع إلى خط المرمى، فلا يخرج في الوقت المناسب ليبعد الكرة بقبضة يده ولا يقف على خط المرمى ليتصدى لرأسيات المهاجمين. كانت نقطة ضعف واضحة عند الحضري في تلك الفترة.

مرحلة النضوج (2001 – 2005)

بدأت هذه المرحلة في صيف 2001 وبدا الحضري في حلة فنية بديعة من أولى لحظاتها. بدا واضحًا أن أحمد ناجي مدرب حراس المرمى أحدث فارقًا ملحوظًا في مستوى الحضري. ورأينا الحضري الجديد في أولى مباريات أحمد ناجي وجوزيه أمام ريال مدريد في احتفالية القرن وهو يقوم بتصديات خارقة لقذائف لاعبي الفريق الملكي روبرتو كارلوس وسولاري. وساهم بمستواه الكبير في أن يحصد الأهلي دوري أبطال إفريقيا بعد غياب وكان طبيعيًا بعد حصد هذه البطولة بأيام أن يحجز مكانه أساسيًا في المنتخب في بطولة كأس الأمم الإفريقية عام 2002، ورغم الخسارة في أولى مباريات الدور الأول أمام السنغال إلا أن الحارس الخبير أنقذ انفرادًا خطيرًا ببراعة فائقة من النجم الكبير الحاج ضيوف.

اهتزاز مستوى الأهلي في النصف الثاني من عام 2003 أثر سلبًا على الحضري فلم ينضم للمنتخب في كأس الأمم الإفريقية 2004. ولكن مع انتعاشة الفريق مع بداية عام 2004 عاد الحضري لتشكيلة المنتخب مرة أخرى بالتبادل مع نادر السيد الذي كان لانضمامه للأهلي عام 2005 أكبر الأثر في ارتفاع وثبات مستوى الحضري الذي كان يعلم جيدًا أن انخفاض مستواه قد يمهد الفرصة لنادر لكي يلعب أساسيًا ونادر لا يفوت فرصًا كهذه أبدًا. فكان وجود نادر أشبه بنصل خنجر خلف ظهر الحضري سيدميه إن رجع خطوة إلى الوراء وقد كان. فلم يعط الحضري الفرصة لنادر بتألقه وثبات مستواه فلم يُر نادر إلا نادرًا طوال فترة تواجده في الأهلي.

مرحلة المجد الإفريقي (2006 – 2010)

هذه المرحلة هي المرحلة الذهبية في تاريخ الحضري بل هي أفضل فترة لحارس في التاريخ الكروي المصري وربما الإفريقي على مر العصور. استطاع الحارس الأسطوري حصد ثلاث بطولات إفريقية مع المنتخب المصري كان خلالها جميعًا هو الحارس الأفضل في إنجاز غير مسبوق ومما يدل على أنه كان عنصرًا فاعلًا في حصد البطولات الثلاث.

له تصديات حاسمة لا تنسى من أبرزها تصديه لركلتين ترجيحيتين في نهائي كأس إفريقيا 2006، ولكن يبقى تصديه الإعجازي الأشهر في مباراة الدور قبل النهائي في كأس إفريقيا 2008 حين تصدى لرأسية أحد أبرز مهاجمي العالم دروجبا برد فعل عجيب، بل إن تصدي الحضري لهذه الرأسية القاتلة كان أصعب من تصدي بانكس الإنجليزي لرأسية بيليه في كأس العالم 1970 والذي اختير أفضلَ تصدٍّ لحارس مرمى في تاريخ كأس العالم.


في هذه المرحلة الذهبية لعب في بطولة كأس القارات 2009. استقبلت شباكه ستة أهداف في مباراتي البرازيل وأمريكا، لا نستطيع أن نقول إن الحضري يُسأل عنها بشكل كبير بل جاءت بسبب أخطاء دفاعية بالأساس. ولكن الحارس العالمي الفذ لعب مباراة عمره أمام المنتخب الإيطالي حامل لقب كأس العالم حينذاك. بعد تقدم المنتخب المصري بهدف حمص في شباك بوفون كان الحضري السبب الرئيسي في فوز المصريين بتصدياته المذهلة بيديه وقدمه وحسن توقعه فاستحق إشادة بوفون أعظم حراس العالم الذي أثنى على أدائه بعد المباراة.

إذا كنا قد تحدثنا في هذه المرحلة عن مباراة عمره فيجب أيضًا أن نتحدث عن غلطة عمره. بعد حصد كاس إفريقيا 2008 بأسبوع واحد فاجأ الحضري الجميع بالهروب إلى نادي سويسرا لكي يلعب في نادي سيون. وبعد الهجوم الحاد عليه قرر الرجوع ولكن جوزيه توعد بأنه لن يلعب تحت قيادته الفنية. أما الجماهير فبقدر حبها له هاجمته في كل مكان فعاد إلى سويسرا مجددًا وحصد فيما بعد كأس سويسرا مع سيون. غلط كلفه الكثير ولم ينظر إلى ما وراءه.

مرحلة التنقل والشد والجذب (2010 – 2017)

في خلال تلك المرحلة تنقل الحضري بين العديد من الأندية بدأها بانتقال لم يكن موفقًا من الإسماعيلي إلى الزمالك. الحضري لم يكن في أحسن حالاته مع الزمالك وحتى الجماهير البيضاء لم تتقبله ولفظته سريعًا، خاصة أن لعبه بالتبادل مع عبد الواحد كان على حساب ابن ناديها وقائد فريقها ودب الخلاف بينه وبين التوأم حسن فانتهت العلاقة السريعة بالانتقال إلى المريخ السوداني تحت قيادة مدربيه السابقين البدري وناجي ليحصد في نهاية 2011 لقب الدوري السوداني، ولكن بسبب خلافات مع النادي المريخ انتقل معارًا في أوائل عام 2012 إلى الاتحاد السكندري الذي لم يلعب معه إلا مباراة واحدة بسبب توقف الدوري بعد مذبحة بورسعيد، فعاد إلى المريخ مجددًا ليحصد معه كأس السودان بعد تألقه في النهائي وتصديه – بالتخصص – لركلتين ترجيحيتين أمام الهلال، قبل أن يحصد الثنائية المحلية في 2013 ليعود بعدها إلى مصر مع نادي وادي دجلة ليكمل معه موسم 2013/ 2014 قبل أن ينتقل إلى الإسماعيلي لمدة عام ويعود بعد ذلك إلى وادي دجلة مجددًا.

تلك المرحلة بدأها بمشاركة مستمرة مع المنتخب تحت قيادة شحاتة. خلال ولاية برادلي أعلن الحضري اعتزاله اللعب الدولي في فبراير 2013 اعتراضًا على جلوسه على مقاعد البدلاء. بعد عام تراجع عن قراره وعاد إلى المنتخب  في فبراير 2014 تحت قيادة شوقي غريب ولكنه اتفق بعدها مع غريب ألا يستدعيه إلا لكي يلعب أساسيًا وهو ما حدث إذ استدعاه لمباراة تونس بعد إصابة الشناوي وإكرامي. أتى كوبر فاستبعده من المشهد تمامًا لرغبته في تجديد دماء الفريق. ولكن تبتسم الأقدار للحارس المخضرم فيتم ضمه لقائمة المنتخب لمواجهة بوركينا فاسو وديًّا بعد إصابة إكرامي قبل إعلان القائمة بيومين فقط. انضم الحضري ولم يلعب. وعلى غير العادة لم ينبس ببنت شفة. كان يعلم تمامًا أن عامل السن ليس في صالحه أبدًا وأن إصابة إكرامي فقط هي التي أعادته إلى المنتخب، لذا فعليه أن يصبر وينتظر ويترقب لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. تم ضمه في مارس إلى قائمة مباراة نيجيريا ولكنه أصيب قبلها في التدريبات فانخرط في بكاء مرير بعد ضياع أمل العودة إلى حراسة الشباك المصرية حيث إن الأمل كان قائمًا رغم صعوبته.

في يونيو الماضي لم تبتسم الأقدار فقط للحارس المجتهد، بل ابتسمت وتهللت أساريرها وفتحت له ذراعيها. قبل مباراة تنزانيا في تصفيات كأس إفريقيا يصاب كل من إكرامي والشناوي دفعة واحدة وكأنما طاقة نور فُتحت أمامه فعبر من خلالها إلى مكانه الأثير. ها قد عاد الحضري أساسيًا بعد غياب، فمن ذا الذي يقصيه؟ تشبث بالفرصة بيديه بل وضمها إلى صدره كما يضم الكرة حين يذود عن عرينه. وبالفعل تألق الحضري في تلك المباراة ليصبح بعدها حارس المنتخب الأساسي ويلعب مباراتي الكونغو وغانا في تصفيات كأس العالم 2018.

ولنا هنا وقفة هامة؛ الفرصة قد تأتي، ولكنها تأتي لمن استعد لهذه الفرصة. وهو درس حياتي قبل أن يكون كرويًّا. كان من الممكن أن يصاب كل من إكرامي والشناوي، بل ويصاب الشناوي الآخر، بل ويصاب نصف حراس الدوري، ولا يفكر أحد في ضم حارس بلغ عامه الثالث والأربعين لولا أن هذا الحارس كان محافظًا على مستواه ولياقته.

الحضري هو المرشح الأول لحراسة منتخب مصر في كأس إفريقيا 2017. ومع انطلاق البطولة سيكون قد أتم عامه الرابع والأربعين. ولو لعب ولو دقيقة واحدة سيكون قد سطر لنفسه تاريخًا جديدًا ورقمًا قياسيًا جديدًا حيث سيكون أكبر اللاعبين المشاركين في الكأس الإفريقية سنًّا عبر تاريخها ليكسر رقم حسام حسن. وإن تأهل مع المنتخب لكأس العالم القادمة فسيكون قد أتم عامه الخامس والأربعين ليصبح أكبر اللاعبين المشاركين في كأس العالم سنًّا عبر التاريخ ليكسر رقم الكولومبي موندراجون.

عصام الحضري؛ أسطورة حراسة المرمى المصرية والإفريقية الحية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحضري
عرض التعليقات
تحميل المزيد