إن الحياة تضع رهن إشارتنا وقائع متلابسة، وتحت تصرفنا أحداث معقدة، وفي طريقنا حلول متناقضة، وأحاسيس متغيرة، وأمور أخرى كثيرة أحيانًا تُمْسِي متصلة، وطورًا تصبح منفصلة، سواء تعلق الأمر بأهوائنا، أو ارتبط بجهلنا وجهالاتنا. فعلى الإنسان العاقل الطالب للحكمة، التحلي بالمرونة اللازمة، والدقة الكبيرة غير المتناهية، المبنية على العزل الواضح للوقائع المختصرة، والأحداث المحدودة، خصوصًا عند مباشرة تجربة وضع نظام واقعي ومُدلل، يجري بموجبه هالة مِن الاختبارات المؤدية إلى تدابير موضوعية وعقلانية.
بشكل عام المجتمع يجعلنا نختار من الواقع كل الرسائل التي تدعم الاعتقاد السيئ فينا، متجاهلًا (يعني المجتمع) تلك التي تتعارض مع ثقافته. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا كانت لدينا قناعة داخلية تخبرنا دائمًا وباستمرار أننا أشخاص مُمِلين، وغير قادرين على التحدث في الأماكن العامة، حتى لو كان بإمكاننا يومًا ما القيام بتنشيط مجموعة صغيرة من الناس، وتبين لنا بعد ذلك، أن جميع الحاضرين مستعدين للضحك والاستهزاء على ما سنقوله، حينها سنعتقد حتمًا أن لديهم سبب مقنع دفعهم لذلك نظرًا لأننا خدعنا أنفسنا بأنفسنا، بدلًا عن التفكير في مؤهلاتنا ومحاولة تنمية مواهبنا، والتركيز فقط على تسلية الآخرين. ونتيجة لما حدث، سنتجنب التحدث بكل الوسائل الممكنة مرة أخرى في الأماكن العامة؛ مما سيؤكد لنا وسيرسخ في عقولنا من جديد اعتقادنا الأول.
المعتقدات هي جزء من المفاهيم الراسخة التي يتم تثبيتها على أساس الخبرات التي عشناها، أو العبارات التي سمعناها، أو الظروف التي عايشناها، وهي أكثر بكثير من العطاء في مرحلة الطفولة، وإذا لم يكن لدى البالغين نظام جريء يحكمهم ويحرجهم عند الضرورة القصوى، أو أن لديهم تجربة حيوية تُعَدِّل وتُقَيِّم سلوكهم، وتبقيهم على حالهم، فِعليًا لبقية حياتهم. إنها تجربة عميقة للغاية، يمكنها تَنْشِأة الدوافع وتكوين الحدود، حتى نستطيع التمييز مستقبلًا نوعين من المعتقدات، أولها تكون تحفيزية أو تمكينية؛ وهي جميع المعتقدات، التي تدفعنا، أو تحفزنا، أو نميل بسببها، إلى فعل شيء ما؛ لأنها تستند إلى الثقة بالنفس. فإذا كنا نعتقد فعلًا أننا قادرون على القيام بهذه مهمة، فسوف نبحث بجدية عالية، عن أية وسيلة ممكنة للقيام بذلك، وبمجرد الحصول عليها سيتم تعزيز الإيمان بقدرتنا.
أما الثانية فتتعلق بالحد من المعتقدات؛ وهي تلك التي تدفعنا للشك في إمكاناتنا، أو تجعلنا نعتقد مباشرة، أننا غير قادرين على القيام بأي شيء. لاسيما إذا كنا نعتقد مسبقًا بعدم جاهزيتنا، وأننا غير مؤهلين؛ مِمَّا يعني التخلي الفوري عن أيِّة فرصة ممكنة، مع الاقتناع التام بعدمية التجربة. لكن قد يحصل ونقوم بمحاولات محتشمة، مع التزام مشكوك فيه، قد تُكَلل بنجاحات قليلة، ذات نتائج ضعيفة، إلا أنها بهذه الطريقة، ستعزز عدم الثقة في النفس، وستؤكد من جديد الإيمان بالإعاقة. نعم هناك الكثير من المخاوف، وعادة تكون محمية من طرف الإعتقادات التي تعطيها الحصانة، وتمنحها الدَّيْمُومة. فعلى سبيل المثال إذا كنَّا نعتقد جازمين أن جميع الكلاب مسعورة وخطيرة، فاعتقادنا هذا سَيستند بالتأكيد على الخوف الهستيري منها. إذًا في الحياة اليومية للموظف الذي لديه وظيفة دائمة، طبيعي جدًّا أن يستند عليها إعتقاد يعطيه إحساسًا دائمًا بالأمن والآمان من المستقبل، بدلًا عن الخوف الدفين من الفقر الذي تعاني منه الكثير من الفئات المجتمعية الهشة.
يمكن أن يؤدي التشكيك في أي مِن معتقداتنا، إلى زعزعة استقرار النظام بأكمله، من خلال التأثير المباشر على الآخرين، الذين يستمدون قوتهم منه، أو يرتبطون به في الواقع. إذ يمكن أن تكون لحظة تغيير هذه المعتقدات من تجراب الحياة المكثفة، بواحدة من أعمق الأزمات الوجودية التي يتعين علينا مواجهتها.
إذ يمكننا أن نستنتج مما سبق أن المعتقدات دائمًا تميل إلى الإبقاء على وجودها وهيمنتها، لأنها تُسْهِم في تشويه الواقع، ولأننا كذلك نخلق واقعنا المُعاش على أساسها. فإذا كان لدينا اعتقاد بأن الحياة صعبة، سنركز كل انتباهنا على جميع جوانب الحياة الصعبة فقط دون الانتباه إلى الأمور الجميلة واللحظات الرائعة والسلامة البدنية والعقلية التي نتمتع بها، وكذلك الكثير من النعم غير المرئية، وبالتالي ستكون الحياة صعبة فعلًا بالنسبة لنا في الواقع. فما نعتقد أنه حاصل سيكون بداية ما نقوله وما نقوم به، وبناء عليه فإنه سيكون أساس جميع ما سنحصل عليه من تصرفاتنا وأفعالنا وعاداتنا اليومية، بما في ذلك كل الذي يدور في تفكيرنا الواعي وغير الواعي، إنه بمثابة جرثومة خبيثة ستعشش في رؤوسنا، وسوف تجلبها الحياة لنا لا محالة، إنطلاقًا من اعتقادنا السلبي الخاطئ القوي الثابث والراسخ بوجودها في مكان ما في تفكيرنا.

فعلى الرغم من أن المعتقدات هي واحدة من أهم المرشحات التي تحدد رؤيتنا للواقع، إلا أنها لا تستند بتاتًا إلى المنطق، وفي كثير من الأحيان يمكن أن تكون مخالفة له، لذلك لا يمكن تفكيكها بالحجج. فعند العمل والتعامل مع شخص يعاني من نزاع حقيقي، واقعي وملموس بينه وبين ذاته، يجب أولًا وقبل كل شيء أن نلاحظ جيدًا ما إذا كان هناك اعتقاد مُبَطَّن، في ظل هذه المشكلة، يعمل على توليدها من جديد، وبالتالي يجب تعديله لتحقيق تغيير نهائي.

ففي وقت لاحق وعلى طول هذا الجزء، سنرى كيف يكون العمل الذي يجب القيام به، لتغيير المعتقدات والقيم؛ خصوصًا أن القيم تعتبر حالات يعطيها الناس الأولوية؛ نظرًا لأنها تتعلق بهويتنا، فإن الرجوع إلى ما يهمنا حقًا سيشكل المبادئ الأساسية التي سنتعرف عليها ونعترف بها، أو التي نطمح إلى تحقيقها.
فعلى سبيل المثال سيكون الأمن، الحب، الهدوء، السعادة، الاحترام، الرفق، البساطة والرقي وغيرها صفات وخصال وسلوكيات يتم مِن خلالها تنظيم قِيَّمنا على عكس معتقداتنا بشكل هرمي. أي أنها ذات أهمية قصوى من جهة ونطمح دائمًا إلى تحقيقها في حياتنا وحياة الآخرين الذين لديهم مجموعة أقل أهمية من جهة أخرى. لكن حتميَّة تحقيقها تعني حقيقة وضعنا في الخطوة السابقة للوصول إلى الدرجة الأولى. وبالتالي نحن مَن سنميز هل ستكون القيم النبيلة الأساسية الحسنة التي سبق ذكرها، هي أكثر القيم أهمية بالنسبة لنا. مع الأخذ بعين الاعتبار القيم الثانوية التي من المهم جدًّا الوثوق في فعاليتها، واستعمالها كجسر يُعوَّل عليه في الوصول إلى القيمة الأساسية.
نحن نميز أيضًا بين القيم التي يميل المرء نحوها، أي تلك التي نرغب في تحقيقها كالسعادة، الحب، الاحترام، الصحة والأمن وما شابهها، وبين القيم التي يفرون منها؛ لأنها تسبب لهم مشاعر سلبية، كالإذلال، الحزن، السلبية وغيرها. لاسيما وأنه مِن خلال معرفة قيمنا الأساسية وتسلسلنا الهرمي للقيم، سوف نستطيع معرفة الدوافع التي تقودنا نحو تحقيق أهدافنا من جهة وما نحاول تجنبه من جهة أخرى، الذي سيمكننا من خلاله استنتاج حقيقة مصيرنا المشروط بقيمنا؛ فإذا غيرنا تسلسلنا الهرمي للقيم، يمكننا تغيير مصيرنا.
إن التسلسل الهرمي للقيم أسهل في التعديل من المعتقدات؛ لأنه يتغير وفقًا للمرحلة التي نعيشها في حياتنا، أو اعتمادًا على ظروف متعددة، وحتى يمكن أن يكون لدينا تسلسل هرمي مختلف للقيم في سياقات مختلفة. تمامًا كما قلنا سابقًا، في الأعمار المختلفة من الحياة، يتم تعديل التسلسل الهرمي للقيم، لذلك على سبيل المثال؛ سنتفق جميعًا على أن القيمة المهمة لغالبية الشباب هي قبول الآخرين، بينما عند سن البلوغ، عادةً ما تذهب هذه القيمة إلى الخلفية، وعادةً ما تكون الأسبقية للاتساق مع النفس. ولكن حتى في نفس اللحظة الحيوية، هناك ظروف يمكن أن تغير الموقف الهرمي للقيم. ضمن القيم الخاصة بك مثلًا يتم تضمينها المسؤولية، وبالتالي فأنت تدرس للنجاح في الامتحان فقط.
في هذه الحالة من الممكن أن يتم اجتياز الاختبار الذي تجريه على المدى المتوسط على هذه الخلفية؛ لأن القيم تأخذون مركز الصدارة في ذلك الوقت، منها مَن تتعرف على مواقع جديدة، أو تكتسب خبرات حديثة. دون أن تفقد القيمة الحقيقة المتمثلة في كونك مسؤولًا، ثم يتم إهمالها إلى الخلفية، حيث توجد في هذه الحالة قيم أخرى تذهب إلى المقام الأول؛ مما يولد تعارضًا نسبيًا متغيرًا يتسبب في اتخاذ القرار بضبط التسلسل الهرمي.
هذا بالإظافة إلى الكلمات؛ تمامًا كما رأينا سابقًا في ظل القيود الاجتماعية؛ لأن استخدام لغة بها كلمات أكثر أو أقل، سيضع طريقتنا في إدراك الواقع أيضًا داخل نفس اللغة، وفقًا للكلمات التي نستخدمها، وكيف سيتم توظيفها، أي أن طريقة اعتماد هذه المفردات ستكون شيئًا حاسمًا، سيُظهر طريقة تفكيرنا في إدراك العالم.
تعكس اللغة الضعيفة أو المحدودة تصورًا محدودًا للواقع، أكثر نُدرة من استخدام لغة أخرى أغنى وأكثر دقة، وبنفس الطريقة سنصل إلى حقيقة القدرة على استعمال مجموعة أوسع من الكلمات التي ستقودنا إلى إدراك الواقع بمزيد من التفصيل. إذ بعد كل هذا التحليل سنجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام لحظة اتخاذ القرار؛ أي الالتزام باتباع طريق نحو الهدف، وبالتالي الخروج عن أي احتمال آخر. اتخاذ قرار محدد عند تقييم أي خيار آخر. بعد ذلك تأتي التوقعات، وهي النتائج التي نتوقعها عند البدء في إجراء معين؛ إذ عادة ما تستند إلى النتائج التي حصلنا عليها في تجارب سابقة مماثلة.
فإذا كانت النتائج السابقة إيجابية سننتظر النجاح، لكن إذا كانت التوقعات سلبية فقد نتجاهل خيار محاولة إغلاق الباب لاستكشاف إمكانيات جديدة. في حين أن الأشخاص الآخرين الذين ليس لديهم تلك التوقعات السلبية سيكون متاح لهم خوض خيارات أو سلوكيات جديدة. فعلى سبيل المثال: من السهل علينا فهم سهولة الإلتحاق بوظيفة ما، عندما يكون الشخص المُمتحن صاحب يقين، فأثناء عملية الاختيار يصبح أكثر مرونة وحيوية وحماس، ومواقفه تكون أكثر انسجامًا وملاءمة، وانفتاحًا، وحسمًا، إذ تنتقل مباشرة إلى المحددات؛ فتزيد من فرصه في الحصول على هذا العمل. أمَّا إذا كان الخوف من عدم تحقيق ذلك هو المسيطر، تصبح مستويات الحماس قليلة ومترددة في التعبير عن نفسها، أقل استعدادًا وتحفيزًا ممَا سيتمخض عنه غلق جميع النوافذ والأبواب المؤدية إلى هذه الوظيفة.
أما الآن سنخوض قليلًا في الذكريات، وسنقول إنه عندما يكون هناك حدث عاطفي شديد الأثر في حياتنا، بناء عليه سيتم في الغالب تسجيل برنامج في دوائرنا العصبية التي ستظهر باستمرار، وستتسبب في تكرار تلك التجربة مرارًا وتكرارًا. وبهذه الطريقة يمكن للذكريات الصادمة العمل كمرشح قوي، لاسيما عند اتخاذ القرارات المصيريَّة، أو بشأن موقف ما، ويمكن كذلك تهيئة موقف الحياة العامة والخاصة.
إذًا برمجة الأهذاف مثل برمجة العقول دليل حي على جميع عملياتنا العقلية، التي ستؤثر على العمليات العاطفية والسلوكية، وبالتالي فهي أساسية في تحديد شخصيتنا. بالنظر إلى أهمية برمجة الأهداف في البرمجة اللغوية العصبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد