في يناير “1961” زار “جمال عبد الناصر” المغرب، وكان موكبه يتجول في شوارع “الرباط” مسيجاً بالجماهير وإلى جواره الملك “محمد الخامس” عندما ظهر رجل مغربي بسيط تبدو على وجهه أمارات الطيبة، ظل يصارع الزحام حتى استطاع الوصول إلى السيارة التي تقل الرجلين، ثم صرخ بأعلى صوته:

– يا سيادة الرئيس!

طلب “عبد الناصر”من السائق أن يتوقف وأشار للرجل بالاقتراب، وحدث..

صافح الرجل “عبد الناصر” وسط دهشة “محمد الخامس” ثم شب على أصابع قدميه حتى اقترب من أذنه، وتساءل:

– سيادة الرئيس متى ستعود إلى القاهرة؟

أجاب “عبد الناصر” مأخوذاً:

– ربما بعد غد إن شاء الله!

فاستأنف الرجل:

– يا سيادة الرئيس، بعد أن تعود إلى القاهرة، إذا استطعت مشاهدة “إسماعيل ياسين”، سلم لي عليه!

فهز عبد الناصر رأسه موافقاً ثم انفجر هو ومضيفه بالضحك.

وصفت “محمد البو عزيزي” من قبل بالرجل الذي استوعب أكثر من أي شخص آخر نظرية الأواني المستطرقة، وأصف الآن ذلك الرجل بأنه أول من استوعب شخصية “عبد الناصر” ووضعه في الزاوية التي تنبغي له، رسول لـ “إسماعيل ياسين”!

لقد كان التهريج وظيفة “إسماعيل ياسين”، لكن “عبد الناصر” كان مهرجًا مطبوعًا، ككل الجنرالات، على أن فن هؤلاء الهابط يحتاج إلى جمهور من نوع خاص ليستسيغه، هم يعملون في الحقيقة على صناعة هذا الجمهور وحراسة غفلته من رياح اليقظة بطرق دارجة ومستهلكة، مثلاً:

ميناء “إيلات” أقيم على أنقاض قرية “أم الرشراش” المصرية، كانت قوة إسرائيلية بقيادة “إسحق رابين” قد احتلتها عام “1949”في عملية عرفت في أدبيات اليهود بـ”عوفيدا”، ليصبح الوصول إليها من تحت الماء في عهد الجنرالات عملاً بطولياً يستحق تثبيته في فيلم سينمائي، من إنتاجهم طبعاً!

ولأن ذاكرة الاستبداد تلقي بظلالها على المستقبل، أقول:

كان “عبد الناصر” هو الحجر الذي بنت عليه القوى السلبية في الطبيعة مأساة “مصر” المزمنة، وانسَ كل ما قيل لك عنه فهو مزيف، فلا هو حرر المصريين من عبودية (العهد البائد)، ولا هو طرد الملك، لقد بقيت الخريطة الاجتماعية كما هي، كان كل ما حدث هو مجرد تبادل للمقاعد، لون من ألوان “الأولجاركية الحلولية”، حكم قلة مسلحة تموضع مكان حكم آخر للقلة، لكن، يحسب للـ “أولجاركية” في العهد الملكي أنها كانت أولجاركية مهذبة تحترم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

حتى الألقاب التي قيل أن “عبد الناصر” أسقطها، استدارت لتسكن “باشوات” و”بكوات” جدد جميعنا يعرف من هم الآن!

لا تصدق، أيضاً، ما كتبه مثقفو البلاط عن معاناة المصريين قبل انقلاب “عبد الناصر” فهو مضلل، وإن شئت أن تعرف فداحة جريمة الرجل في حق هذا البلد المسكين ليس من الإنصاف أن تقارن هؤلاء الذين ترى ظلالهم البشرية في سينما العسكر، أو قرأت عنهم في تاريخ مؤرخي العسكر، بالمصريين الآن،

برغم التشابه المروع، لكن، قارن كيف كان يعيش في ذلك الوقت سكان القاع في “ماليزيا” مثلاً أو “ألمانيا” أو “الصين” وكيف الآن صاروا؟

المسافة شاسعة، هذه المسافة هي انعكاس صادم لجريمة الجنرالات في حق “مصر”!

ليت “عبد الناصر” اكتفى بالعصف بكل قيم الديمقراطية التي ربحها المصريون بتراكمات النضال الدامي ضد المستعمر، بل أسس لدولة “الجنرالات المحليين”، إقطاعيون جدد على أنقاض دولة الإقطاعيين القدامى!

هؤلاء أشد ضراوة وخسة من الاستعمار الأجنبي، وهؤلاء مشهورون بتبجيل الديكتاتورية بكل ما يندرج تحت هذه القافية الرديئة من قتل خارج القانون وتعذيب واعتقال كخيار أوحد للسيطرة على ميول القطيع، لذلك،

ليس من المستغرب أبداً أن يقتلوا من المصريين في ستين عاماً فقط عشرات أضعاف ما قتل المستعمرون منهم عبر قرون طويلة!

وهؤلاء لا يستحيون، حتى “عبد الناصر”، لا هو عندما أضاع ثلثي مساحة “مصر” بانفصال “السودان” استحيا، ولا هو استحيا عندما سحق جيشه في حرب “67” بالقدر الذي يكفي ليلهمه ترك موقعه كما حدث في دول أخرى كـ “الأرجنتين” مثلاً، بل واظب حتى النهاية على خداع البسطاء.

كان كل ما فعله أن عكف هو والجنرالات على تأليف سيناريو التنحي الهزيل!

وهؤلاء، بالإضافة إلى أنهم صادروا حقوق المصريين السياسية، صادروا حقوقهم الاقتصادية ونهبوا مقدراتهم، وأقاموا مستعمرات حقيقية لهم ولعائلاتهم ولأصدقاء عائلاتهم بعيداً عن آلام السكان الأصليين.

الأسوأ، أن هكذا دولة داخل الدولة لابد أن تعمل على تفريغ المشهد من المتهمين بشبهة الرفض، كما تعمل على أن يملأ المنحطون هذا الفراغ!

احتلال تام الدوائر بقوة الجيش والمخابرات والقضاء وكل مؤسسات الدولة التي يديرها في الغالب ما كان يعرف في الأدبيات الشيوعية بـ “النومنكلاتورا”، وهو مدلول على “النخبة”، أو الموظفين الإداريين النافذين، بما في ذلك، مع الأسف، المؤسسات الروحية والثقافية،

وهذا تأويل مبسط لمفهوم الدولة العميقة التي يعيش مواطنوها بعيداً عن النطاق الزمني لدولة البسطاء!

تولد هذه الدولة عادة عقب كل ثورة ناجحة أو انقلاب، وتزداد ضراوة كلما تقدمت في العمر، لتتحول في النهاية إلى أقلية “برجوازية” حاكمة خرجت من رحم “النومنكلاتورا” على استعداد للقتال حتى تلفظ آخر أنفاسها للحيلولة دون سقوطها، وهي في سبيل ذلك، لا شيء يردعها عن أن تتحول إلى “برجوازية كومبرادورية”، أي، تلعب دور الوكيل للأجنبيِّ الأقوي شريطة أن يغض الطرف عما يحدث في الداخل، بمعنى، هي مستعدة لمحالفة العدو وقتال الشعب!

ربما، لحسن الحظ، لم يعد يخفى إلا على سفيه، حتى الذين كانوا يتحصنون خلف الخروج المرتّب لشرائح كبيرة من المصريين في نهاية يونيو العام الماضي إلى “ميدان التحرير” تأكدوا الآن أن “مصر” تصرخ من كيس قمامة، وأنها مشرفة على هاوية، وأن هامش المناورة يزداد انكماشاً كل صباح.

لقد أصبحت المكيدة عارية، ولقد أدرك العالم كل شيء، كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد