تحت سماء لم تُلُبد بالغيوم، مُخالفة توقعات الأرصاد. وشمس مكتملة الاستدارة كثعبان ملتف حول جسده، مشغول بأكل ذيله. لم يكن هنالك ما يُثير الريبة، حتى الشتاء لم يكن مميزًا في شيء. كنت معتادًا على مشاهدة الصراع الموسمي -الذي ظننته أبديًا – بين مفاصل جدتي وصفوف البرد المتراصة ليلًا، الفارة صباحًا من خيوط شمس الضحى معلنة بداية الظهيرة، في طمس ضبابي للبدايات. روتينية ذلك اليوم بالذات جعلتني أسْقِطه من تقويمي الشخصي، لا أدري عمدًا أم مدفوعًا نحو لجوء دافئ لشواطئ النسيان. أدَرَكَتْ يومها دراجتي – على استدارتها – الحقيقة قبل أن يدركها عقلي وتثاقلت رغم وطء قدميّ الفتية. وَصلتُ لأجد الجلبة والنحيب الهادئ والصوت الممل لهمسات المتُحلقين في دروس النميمة. انتصر البرد في أواخر شتاء ذلك العام. ماتت جدتي ومات العود الموسمي.

****

على ارتفاع ستة آلاف قدم، يبدو العالم هَشًا كشارب نيتشه بعد أن مات الإله. تهتز الوريقات متوجسة من قدوم الخريف في صمت، مفزوعة من حقيقة السقوط الحر، عاجزة عن تغيير المصير. هل يبقى للوجود طور آخر ينجينا من جحيم العدم؟ إن محاولات الخلق للنجاة جميعها ترنو للخلود والأبدية، تجد فيها عزاء لبؤسها. يبتسم المغدور على درجات المقصلة، ويتمتم المصلون في سكينة متزامنة مع أبواق الحرب. أصبح العالم في حاجة لخلود دنيوي يعوضه عن رعبه اللانهائي مذ أن ضاع المستقر الأخروي. كانت شمس أغسطس من عام 1881 تُرسل مددًا مُتصلًا لا ينضب. تكاد تشعر من فرط التوالي أن خيطًا منُعقدًا – كمصعد بين الأرض والسماء – يهبط حاملًا دفء الجَوْنَة، يومها هبط شيء آخر على رأس فريدريك، طوق نجاته الذي صاغه بعبقرية المجنون «كل شيء يغدو، وكل شيء يعود، وإلى الأبد تدور عجلة الوجود. كل شيء يبيد، وكل شيء يحيا من جديد، وإلى الأبد تسير سُنة الوجود». عرض نيتشه أطروحته مفاخرًا رغم أنها لم تعدُ سوى فكرة اصطدمت بجبينه دون بحث مسبق أو عرض مفصل، لكنه انطلق بها. طال الزمان أو قصر، فقوانين العود صارمة، تلعب التكرار وتعيد ضبط تفضيلاتنا إلى معايير النموذج الأول، فما وُجد يومًا على هذه الأرض سينبعث، كل ما عايشنا سينبض، سينجذب، سيتقابل، سيلتحم ويفسد بعضه بعضًا كما فعل دومًا.

****

«أنا أحتقر القصص، دومًا ما تضلل الناس للإيمان بأن هنالك ما يحدث، والحقيقة أن لا شيء يحدث على الإطلاق، ننتقل من طور لآخر وينتصر الزمن» – بيلا تار.

في مشهد افتتاحي يسيطر فيه الداكن على الإطار، يتألق فيه سكون متحرك، لا شيء يحدث فعلًا! إلا أننا لا نملك القدرة على الالتفات بعيدًا، نراهن أن شيئًا سيسقط، فنخسر الرهان. تعبث موسيقى (Mihaly Vig) بعقولنا، لنضع قدرًا آخر من التركيز. لا نعرف عن الحصان شيئًا، سوى شعره المتساقط، مشيته المترنحة وبقايا برص أصاب جلده فوق موضع التعليق. يسير بلا وجهه. يدور جهاده حول (ربما) ليصل إلى نفس النتيجة، طمس آخر للبدايات. تتباطأ حركته – لا ندري – أم تتباطأ كاميرا «بيلا تار». فقد الحصان إيمانه بانكسار الدورة وأصبح على شفا اليقين بأن معاناته تتجدد في مسار مغلق لا خلاص منه. تمرده في اليوم التالي لم يكن سوى محاولة للفكاك، رأى بعينه من تحت المخلاة المعلقة برأسه، كيف تبدأ النهايات، أحس بذراعين تلمسان ما بقي من شعر صهوته، ودمعًا دافئًا يسيل فوق وجنته، ثم سمع هاتفًا يقول «أمي، أنا أحمق». حينها تمنى لو يتبدل يقينه بحقيقة أخرى وأن الموت يعقبه فناء أو خلود بلا عود آخر، عالم آخر تختلف فيه الألوان، يأكل فيه الناس شيئًا غير البطاطس ويتذوقون طعمًا مختلفًا عن كؤوس البراندي. عالم يلحق الناس فيه بالقطار، يلتفت فيه الراجل إذا اصطدم بكتف أحدهم، ويتوقف الباعة الجائلون عن النداء من أجل اللاشيء.

****

«التاريخ يُعيد نفسه» – مجهول.

تلوح نهاية التل في الأفق، لوهلة يَقع ذلك البائس ضحية لسراب deja vu، يَنفُض رأسه ويدفع أكثر. يبذل جهدًا مضاعفًا لئلا يتساءل عن معنى ما يفعل. قبل خطوات من رأس التل، تخدعه حمولته الصخرية وتنهي طريقها إلى البدايات. ينظر سيزيف إلى السماء ناقمًا على زيوس، ويعود ليبدأ تكراريته المملة. يبدو التحدي السيزيفي الذي جسده ألبير كامو، رمزًا للعدمية اللانهائية واللامعقولية لأهداف الإنسان، إلا أنه وعلى وجه آخر يبرز بوضوح ذلك الخوف الفطري تجاه حقيقة الوصول. كيف تكون نهاية حلقة لا تنتهي من الدورات؟ كيف تبدو النهايات؟ ومتى ظهرت البدايات؟ جاءت فكرة العود الأبدي لتخلص الإنسان من خشية المصير، من تساؤلاته التي تتساوى وزنًا مع حمل سيزيف الصخري، دافعة نفس الإنسان إلى قبول الحياة بمعاناتها وعدميتها. الحياة التي يتقبل فيها حقيقة وجوده، ويؤمن أن نعيمه في أن يعود، وأن خداع حمولته سيتكرر دومًا في لحظة ما قبيل وصوله، فالزمن ينتمي للآلية مذهبًا. روحه تتجذر في الوظيفية المطلقة لإعادة إنتاج الماضي. لكن نيتشه لم يقف مكتوف الأيدي وشبح الآلية يهدد نفوس المتحررين بسوط الزمان الذي انقضى، فيقول في الخلاص على لسان زرداشت «إن الإرادة لعاجزة عن أن تريد ما مضى. وفي عجزها عن تحطيم الزمان وجشعه أساها الأوحد». أراد بهذا الاحتيال النفسي إيهام الإنسان الأعلى بقدرات ثانوية تُمكنه من بسط يده على مساره. لكنها لم تُنقذ أحدًا. فما زالت صخور اللامعنى تخالف قوانين الطبيعة وتزحف لأعلى.

****

«الحياة الإنسانية لا تحدث إلا مرة واحدة، ولن يكون في وسعنا أبدًا أن نتحقق أي قرار هو الجيد وأي قرار هو السيئ، لأننا في كل الحالات لا يمكننا إلا أن نقرر مرة واحدة… لأنه لم تعط لنا حياة ثانية أو ثالثة أو رابعة حتى نستطيع أن نقارن بين قرارات مختلفة» – ميلان كونديرا.

نشأ الإنسان القديم وحيدًا في البرية. لم يعرف تاريخًا بعد. ملتصقًا بأساطيره، محاولًا إنتاج النموذج المثالي الأول الذي يستطيع تكراره حتى في طقوسة التعبدية، نموذجًا دائريًا يجلب الطمأنينة في قلب عواصف الليل الصارخة. كان خوف الإنسان من مفهوم التاريخ المنتهي عائقًا أمام تكثيف غرائزه نحو البقاء، حاول أن يشيد مقاومة للمفهوم التاريخي بمعاييره القياسية، لكن هشاشة النموذج لم تصمد أمام الفناء والكوارث والحروب. أصبح النموذج الأول مسخًا يتطلب قفزًا لحواجز المنطق. كانت بداية الاتزان عندما أدخلت الأديان السماوية طرحًا جديدًا عن الزمان المستمر. تحول التاريخ لقيمة تستمد ذاتها من قدمها، وبمرور الزمن تبدو عليه علامات الثراء، الزمن لم يعد عدوًا بالمعنى القديم بل ساهم في تثبيت معاني الأصالة التاريخية. استمد أصالته من التاريخ بل وسارع من أجل إنشاء مجده الخاص ليٍكُون تاريخًا في مسار الزمن المتُقدم. يُعيد الطرح التاريخي الإله الخالق لمسار الزمن كمسير وفي كثير من الأزمان كمتدخل بالتغيير. ليعود الصراع حول الزمن في الأساس إلى صراع حول الألوهية. بين فريق قتل الآلة وانتزع تصريف الزمان من بساط حكمته وفريق آخر سلم الإنسان لفلسفة لا تُنحي الألوهية المُصرِفة. يظل المسار الإلهي أكثر أخلاقية مما حاول نيتشه إثارته. يضمن للإنسان حرية مطلقة في اختيار مساره الذي سيحدد موضعه من التاريخ دون تدخل لقدرات الزمان. حاول نيتشه التمرد على المسار الإلهي بخلق عود أبدي آخر. لكن على عكس طبيعته، قبول ذلك تطلب منه إرساء قيم أخلاقية لهذا العود. يكون فيه الإنسان على بعد أخلاقي يتحمل فيه المسئولية حيال تصرفاته لأن ما يفعله سيظل يتكرر على هذا النحو مرات ومرات بلا نهاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد