من خلال استعراض مسيرة الإنسان في مخيلتنا، منذ بدء الخليقة، نستطيع أن نستنتج أن البشر يجري بدمائهم حب البقاء، وبإمكاننا أن نجعل ذلك الحب في مرتبة الغريزة!

ما من أحد يود أن يفنى رغم أن الموت حق وهو الحقيقة الوحيدة الواضحة للعيان، بالرغم من إدراكهم لهذه النهاية المحتومة، إلا أن الإنسان يتجاهلها غالبًا ويحاول أن يتناساها.

وقد نرى ذلك يتضح جليًا من خلال سعي بعض العلماء لحل لغز الموت، و العمل على إيجاد مستحضر سحري يعمل على إبقاء الإنسان حيًا بقاءً سرمديًا! هل سينجحون في ذلك! أم أنه فعلًا «كل نفس ذائقة الموت»، ولن ينتصر العلم في هذا الأمر؟ وإن نجحوا فيكف سيكون شكل العالم وهو متكدس بالبشر؟

أيضًا نجد الكثير من الأسر وتحديدًا الآباء يود أحدهم لو ينجب قبيلة من الأبناء بشكل خاص لكي يحمل اسمه من بعده، وهذا الفكر ناتج من موروث ديني فُهم بشكل خاطىء ربما و مجتمعي، صار الرجل لا يفكر بأن يترك أثرًا من بعده إلا بذكَرٍ يحيي ذكره، رغم أن اسمه وحده قد يتردد على مدى العصور بما أنتج من عمل مثمر يحفظ اسمه في ذاكرة التاريخ، وإن توقفت شجرة العائلة عنده، هي ليست دعوة للفناء بقدر ما هي دعوة للاعتدال وإعادة النظر في الكثير من الأمور التي لا ينبغي أن تؤخذ بلا تمحيص وتفكير فيما وراء هذا الفعل أو القول، لتطبق كما هي في هذا القرن.

في الواقع ما ذكرته أعلاه ليس هو موضوعنا الرئيس، ولكنه بداية لمدخل يجر إلى الموضوع الأساسي الذي أريد من خلال هذا المقال أن أسبر أغواره، وينبغي أن نوليه اهتمامًا خاصًا إذا كنا نود الخلاص من داء البقاء عند الرؤساء بالذات.

«كلنا في الهم شرق» هذه المقولة التي أطلقها مصطفى أمين وجعلها خالدة في كتابه كخلوده الشامخ، هي صحيحة جدًا و تنطبق على عصرنا هذا بشدة، عصر الفساد والاستبداد واستعباد الشعوب، كلنا كشعوب عربية نعاني بشكل أو بآخر من مصادرة الحريات، الأصوات من القمع، الظلم والفقر، ونشكو من انعدام الفرصة بالحق بالجلوس على كرسي الحكم ومحاولة ضخ دماء جديدة تنضح بالحب المتبادل بين الحاكم والمحكوم، بالعدل، والمساواة، لا القهر والإكراه على احترام الحاكم خوفًا منه، بما أننا نشترك في كل هذا المصاب الجلل، فإنني سأتجاوز التصريح باسم أية دولة عربية.

ظاهرة تشبث الحكام بالكراسي باتت تستفحل أكثر وأكثر مع الثورات المضادة، وقبلها اتباع من هم دون الحكم هذا النهج بفضل الأنظمة التي تسمح للموظف باستغلال منصبه والبقاء فيه إلى إشعار آخر قد يحدده المرض أو مفارقة الحياة أو أي ظرف يتعذر معه العمل، تجد مدير المدرسة يمكث في منصبه عقودًا، وكذلك المعلم وغيرهم في شتى المناصب مما يساهم في تضييع الفرص على بنات وأبناء المجتمع الذين قد حان دورهم في إثبات ذواتهم.

ثمة حكمة يونانية تستحق التأمل وهي أن «أثينا كانت تمنع تجديد ولاية الحاكم الأكثر شعبية لدى الجماهير، الناجمة عن تفانيه في خدمتها، حتى لا يجنح نحو الاستئثار بالسلطة و ادامة تحكمه فيها».

هذا والحاكم لديه شعبية بسبب تفانيه في خدمة الشعب! فمن باب أولى أن تمنع تجديد رئاسة الحاكم الذي لا يريد أن يبرح مكانه، رغم أنه لم يقدم للوطن والمواطن شيئًا سوى الفساد والاستبداد والفقر وسلب الحريات والكرامة!

-لماذا لا يفعل الحاكم ما عليه حتى وإن قصر ويذهب وفق فترة محددة، ليأتي غيره؟ فالحياة تبادل أدوار!

-لماذا يصر على البقاء رغم المرض وغياب العقل ربما! وهذا من المفترض أن يُعزل من منصبه ليأتي من هو أكفأ منه.

-لماذا لا يقتدي الحاكم العربي بذلك الغربي الذي يأتي بانتخابات نزيهة، ثم يؤدي ما بوسعه، وبعدها يعود مواطنًا عاديًا ليفسح المجال لغيره!

-لماذا الحاكم العربي لا يستورد من الغرب سوى كل تغريب وما لا فائدة منه للشعوب؟ لماذا لا يستورد احترام الإنسان طالما أنه يؤمن بقيمهم أكثر مما أتى به الدين الإسلامي الذي لا يتنافى مع تلك القيم والمبادىء السامية؟

أملنا في الشعوب الحيّة الواعية التي تأبى أن تتنازل عن حقها حتى وإن كان الحاكم قد فعل للوطن القليل الجميل، انتخبوا غيره ربما يأتيكم بالكثير الأجمل، امنحوا بعضكم فرصة ولا توصدوا الأبواب بوجه كل طموح نزيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد