يواجه الباحث إشكالية عند تناول مسألة النسوية بسبب ضخامة التاريخ النسوي. وتعدد المدارس والتيارات والأهداف والاتجاهات المختلفة، ولا ينطلق أصحابها من أي منهجية علمية ثابتة…

ومَن يحاول دراسة هذه الحركة فإنه سيتعرض إلى هذا التناقض المعرفي الهائل تجاه هذه الحركة، وما يندرج تحتها من مفاهيم ومصطلحات ليس لها أي تعريف إنما هي مصطلحات عامية الدلالة!

فإذا اخترنا «النسوية الغربية» فذلك يعني: أننا سنتحدث عن نسويةٍ ما، ونترك نسوية أخرى ثم تتابع الإشكالات الفلسفية فيما يتعلق باتجاه الحركة النسوية فيصبح الطرح معقدًا منهجيًّا.

وفي هذا المقال تناولنا «النسوية الغربية» ضمن سياق واحد وهو: «الأخلاق» وقارنَّا بين الأفكار النسوية وبين الفلسفة الأخلاقية ثم قمنا بتحديد التناقضات. وركزنا على التيار «النسوي المثلي» وهدمنا به تلك الدعاية الحقوقية التي يتبناها الخطاب النسوي.

لا يوجد صراع بين الرجل والمرأة. وليس هناك أي مجتمع ذكوري يحاول السيطرة بالقوة على النساء. والمجتمع الأبوي لا يحمل أي عداء تجاه النساء. وقوانين الأسرة ليست مبنية على الصراع مطلقًا.

الظلم ليس له جنس أو هوية إنما هو سلوك بشري. قد يصدر من الرجل والمرأة؛ لذلك نحاول تكريس مفاهيم أخلاقية؛ كالعدالة والحرية والمساواة، في عقل الفرد لكي تتحقق العدالة داخل المجتمعات.

يختلف الطرح النسوي في القرن الثامن عشر عن النسوية في القرن العشرين. ففي عشرينيات القرن العشرين اتسم الخطاب النسوي بالمطالبة بالمساواة مع الرجل. وفي ستينيات القرن العشرين حصل تغيُّر في بنية هذا الحراك.

والنسوية الغربية في سبعينيات القرن العشرين لها أبعاد واتجاهات غير معروفة، ولا تخضع للمكان بل تحاول العبور بشكل عالمي وتستهدف المرأة في جميع خطاباتها فانتقلت من النسوية المحلية إلى النسوية العالمية بعد مؤتمر المكسيك العالمي سنة 1975م.

وفي ثمانينيات القرن العشرين ذهبت النسوية مذهبًا متأثرًا بمذاهب ما بعد الحداثة فلاحظنا بعض التأثيرات في الطرح النسوي الثائر على كل شيء ولا يعترف بالثابت الأخلاقي بل النسبي.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين انتقلت النسوية من بعض القضايا الحقوقية إلى القضايا الأخلاقية وبدأت تتمركز حولها وتركز الطرح على المثلية العالمية متجاوزين بذلك جميع القواعد الأخلاقية.

ولم تعد المسألة متعلقة بجنس الأنثى فحسب بل الفكرة تتعلق بحقوق عامة مفصولة تمامًا عن النوع أو الجنس لأنه لا يوجد رابط ما بين النوع الجندري وبين الميول الجنسية وبين الأدوار الجندرية وهكذا.

وتوارت المرأة من الخطاب النسوي. وخلاصة النقاش كان: تفكيك الجندر وعدم الاعتراف به، ثم محق فكرة الذكر والأنثى من الجانب الاجتماعي. وإخراجها من اللغة وهدم خصوصية الأجسام.

فلم تعد المرأة هي المركز الذي ينطلق منه الخطاب النسوي. ولم تعد الأمومة صفةً بيولوجيةً خاصةً بالنوع الجندري بل أصبحت مكتسبةً. والزواج في حد ذاته أصبح شكلًا من أشكال الهيمنة الذكورية والأسرة سجن اجتماعي. وأصبح البديل هو الشذوذ!

فعن أي نسوية نتحدث؟

وما علاقة النسوية بالمرأة؟

وبالجملة فإن النسوية الغربية انتهت إلى العدمية الأخلاقية. ولم يعد السؤال الأخلاقي يُنظر إليه بل النظر يتم على أساس الحرية الفردية دون النظر إلى الجانب الأخلاقي. ونلاحظ ذلك في قضية التعامل مع جسم المرأة من قِبل المنظرات النسويات.

فبما أن الأجسام خاصة بالمرأة فلها الحق في التعامل مع الجسم كيفما شاءت. ومن هنا تبدأ الأطروحة المدافعة عن حقوق الإجهاض للنساء.

ولم تعد هناك خصوصية لمفاهيم كالأنوثة. فقد يتحول رجل إلى امرأة ويطالب بالحقوق نفسها. وقد تطالب المرأة بالمثلية وتراها حقًّا من حقوقها. وفي المقابل يطالب الجميع بالمثلية الاجتماعية.

ومن هنا بدأت التناقضات الأخلاقية في النسوية. فيتم الزواج بين المرأة والمرأة ويحاولن الإنجاب بدون زوج ويكونون أسرة. ويأتي رجل شاذ يطالب بالحقوق نفسها، ويستأجر رحم امرأة للإنجاب؛ وبهذا أصبحت بعض المفاهيم الخاصة بالأسرة غائبة تمامًا في الغرب أو مهدومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد